اليوم: الخميس 7- محرم- 1436 |30-أكتوبر- 2014
 أعز مكان في الدنا ظهر سابح وخير جليس في الزمان كتاب

البحث

*



القائمة البريدية

*

استطلاع الرأي

هل توافق على اصدار (الدستور اولا) ؟

جاري العمل ... من فضلك انتظر لحظه
     الكتب - وجهات نظر- 2004 دارفور الأكاديب والحقائق

المكتبة :: قضايا :: مرافعات قضائيه

نص مرافعة قضية حزب الله

 محكمة جنايات القاهرة

الدائرة الرابعة

(طوارئ)

 

 

مذكرة تتضمن خلاصة دفاع المتهم الثاني

محمد يوسف أحمد منصور

وشهرته سامي شهاب

 

في القضية رقم

7629 لسنة 2009م جنايات عابدين

المقيدة برقم 795 لسنة 2009م كلي وسط القاهرة

المقيدة برقم 284 لسنة 2009م حصر أمن دولة عليا

المقيدة برقم 66 لسنة 2009م جنايات أمن الدولة العليا

 

المعروفة بقضية

خلية حزب الله

 

 

المحددة لنظرها جلسة 20/2/2010

لمرافعة الدفاع

بسم الله الرحمن الرحيم

أولاً: الحضور والطلبات

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين الأجلاء..

يتشرف الماثل أمامكم بالحضور، مع الزميلين الكريمين الأستاذ النائب إميل رحمة، المحامي في لبنان، المأذون له بالمرافعة أمامكم؛ والأستاذ عصام سلطان المحامي بالنقض، مع المتهم الثاني: محمد يوسف أحمد منصور (سامي شهاب)؛ ويلتمس المحامون الحاضرون الحكم ببراءة المتهم مما أسند إليه.

ثانياً: بين يَدَيْ الدفاع

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

ليس أثقل حِملاً من أمانة الدفاع عن المتهمين في هذه القضية إلا أمانةُ الحكم فيها.

أمانة الدفاع يحملها فرد عن فردٍ، أو فرد عن مجموعة أفراد، يفكر وحده، ويقلب وجوه الرأي مع نفسه، ويكتب دون أن يجد من يصوِّبُ ما كتبه، ثم يعرض عليكم، وعلى الخلق كافة، عقْلَه، من خلال منطقه، وهو واقف في هذا الموقف العَسرِ يتكلم وحده، يتمنى أن تواتيَهُ فيه الحكمة، موقنًا أن فضل الله ـ تعالى جده ـ لا ينقضي، وأنه: {يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرا} [سورة البقرة: 269] وهو يعاني هذا كله، وأضعافه، ثم لا يدري أصاب أم أخطأ. أحسن أم أساء. أمتَعَ من سمعوه أم أملَّهم. أدى أمانته كما ينبغي أن تؤدى أم قَصَّرَ في أدائها. غاية ما يرجوه: ألا يكون للخائنين خصيمًا.

وعلى الجانب الآخر، ثلاثة قضاة أجلاء، هم أوفر حظًا باجتماعهم منه بانفراده، يتداولون جميعًا، ويقررون معاً، ويعين بعضهم بعضاً على صياغة قولٍ فصلٍ، مجتهدين أن يكون بالحق نطقهم. وبجوهر العدل، لا بشكله حكمهم، يراقبهم في خلوتهم وجلوتهم رقيب لا يغفل ولا ينام، يعلم ما تُسِرُّ الأنفس وتكنُّ الصدور. يستحضرون في كل لحظة قول الله لنبيه r{فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين}[المائدة: ٤٢] والقسط: هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض وحسن به الذكر في الأولين والآخرين. وبضده، أي بالجور والظلم، زالت الدول وبادت الحضارات، وقال في أهلها رب العزة بالحق: {كم تركوا من جنات وعيون. وزروعٍ ومقام كريم. ونَعمةٍ كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قومًا آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين}[الدخان: ٢٥ ـ ٢٩].

وهؤلاء القضاة الأجلاء يذكرون، كلــما طاف بهم طائف مما لا يحبون، قول ربهـم ـ سبحانه ـ لنبيه r: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نَسُوا يوم الحساب} [ص: ٢٦].

***

وأعقد ما في هذه المقارنة بين الطرفين ـ سادتي القضاة ـ أن حساب الذي يحمل أمانة الدفاع يوم القيامة هو حسابٌـ إن شاء اللهـعن بذل عناية واستفراغ وسع. وأن حسابَالذين يحملون أمانة الحكم هو حسابٌعن تحقيق غاية والوصول إلى نتيجة.لذلك كان قاضي الجنة، كما في الحديث الصحيح، رجلاً عَلِمَ الحق وقضى به.لا يكفي العلم بالحق،بل هو لا يدخل الجنة حتى يقضي بما علمه من ذلك الحق. وأُمسِكُعن ذكر حال القاضيين الآخرين في الحديث الشريف راجياً،بكل ما يحتمله القلبمن إخلاصٍ،ألا يكون بيننا أحدهما أو كلاهما (!!) .

***

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

إن القاضي الذي يستحق ـ عند الله وعند الناس ـ مكانة قاضي الجنة هو الذي يتسع صدره لما قد تضيق بسماعه أذنه. ويستمتع من حديث أطراف الخصومة، وتناضلهم بين يديه، بما يخالف هوى نفسه وميلها، طلباً في ذلك لإرضاء ضميره الباحث عن الحق وحده وعن العدل دون سواه.

والعدل ـ سيدي الرئيس ـ معنىً يقوم بالنفس بعدَ النظرِ في البيّنات ووزنها بميزان العقل والمنطق البشري والقانوني معاً. ثم لا يجري القلم، ولا ينطق اللسان إلا بعد أن يكتمل للقلب اليقين والاطمئنان. فإن تردد ظنٌّ القاضي في صدق التهمة بين وجهين سقط الوجهان المحتملان. ولذلك قرر الفقهاء ـ وتابعتهم أحكام القضاء المصري والعربي ـ أن «ما ثبت باليقين لا يزول بالشك».

 

***

 

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

إن الثابت يقيناً، بل المفترض أصلاً، هو براءة المتهم: حتى يقوم أمامكم دليل يقطع في القلب الوَجِلِ، وفي النفس التي أوتيتْ تقواها كلَّ شك؛ ويقضي في العقل الهادئ المستبصر على كل تردد: أن المتهم قد ثبتت إدانته بجرم محدد يستحق بسببه عقوبة لا خلاف عليها.

 

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

إن المحامين الثلاثة: إميل رحمة وعصام سلطان والمبتلى ببدء الكلام، الماثل أمامكم، يدافعون معاً عن المتهم الثاني وحده. وقد يَفُيد مما يقول أحدنا، أو كلُّنا، متهمون آخرون تتضح مواقفهم أو تتبين براءتهم، وذلك خير لمن أفاد منه وخير لمن قاله.

وقديمًا تقرر أنه: «يثاب المرء على رغم أنفه».

 

 

***

 

ثالثاً: الوقـائـع

بتاريخ 26/7/2009م، أحالت نيابة أمن الدولة العليا المتهم الثاني، محمد يوسف أحمد منصور (وشهرته سامي شهاب) وخمسةً وعشرين متهماً آخرين، إلى المحاكمة الجنائية، طبقاً للاتهامات المسندة لكلٍ منهم الواردة تفصيلاً بأمر الإحالة، وقد وجهت فيه النيابة للمتهم الثاني أنه في خلال الفترة من عام 2005م وحتى 25/11/2008م، داخل وخارج جمهورية مصر العربية:

أولا: ...........................................................

ثانيًا: اشترك، وآخر هارب هو المتهم الأول، بطريق الاتفاق والمساعدة مع المتهمين من الثالث حتى الثاني والعشرين في ارتكاب جريمة التخابر موضوع التهمة الواردة بالبند أولاً، بأن اتفقا معهم في ارتكابها في الخارج والداخل، وساعداهم بأن أمداهم بالأموال اللازمة لجمع المعلومات والرصد وتدبير المفرقعات لتنفيذ عمليات إرهابية، كما أمداهم بالشفرة السرية لاستخدامها في التراسل بينهم من خلال شبكة المعلومات الدولية لإبلاغهما بالمعلومات ونتائج الرصد، فوقعت الجريمة بناءً على ذلك الاتفاق وتلك المساعدة، على النحو المبين بالتحقيقات.

ثالثاً: حاز، وآخرون، مواد تعتبر في حكم المفرقعات [ فلمينات الزئبق، آزيد الرصاص، ثلاثي نتروتولوين،  تى . إن . تى، الهيكسوجين، آر .دى .إكس، النيتروبنتا، بنتا] بغير ترخيص وبقصد استعمالها في نشاطٍ يخل بالأمن والنظام العام.

وتحدد لنظر القضية جلسة 23/8/2009م، أمام الدائرة الرابعة جنايات القاهرة، وتدوولت القضيـة بالجلسات، بعد ذلـك، إلى أن كانت جلسة 26/1/2010م التي قدمت فيها النيابة العامة مرافعتها في القضية، وحددت المحكمة جلسة اليوم السبت الموافق 20/2/2010 ليبدأ دفاع المتهمين مرافعته، وهي تُستَهَلّ بمرافعة دفاع المتهم الثاني، محمد يوسف منصور، لأن المتهم الأول، محمد قبلان، غير ماثل أمام المحكمة الموقرة.

رابعًا: الـدفـاع

تتوزع مرافعةُ الدفاع عن المتهم الثاني، على ستة أقسام، نُعَرِّجُ بعد ذكر عناوينها على كُلِّ قسم منها بوجيز من البيان الذي يقتضيه الدفاع؛ والأقسام الستة هي:

القسم الأول: ماهية القضية.

القسم الثاني: شرعية المقاومة المسلحة للاحتلال كما يقرها القانون الدولي.

القسم الثالث: براءة المتهم الثاني في ضوء ما هو ثابت بالأوراق وعدم تحقق أركان الجرائم الموصوفة في مواد الاتهام في شأنه.

القسم الرابع: التعليق على قائمة أدلة الثبوت، والاستدلال على براءة المتهم الثاني من خلالها.

القسم الخامس: عدم جدية أو معقولية التحريات وبطلان كل ما ترتب عليها من آثار.

القسم السادس: التعليق على مرافعة النيابة.

القسم الأول: ماهية القضية

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

أفتتح هذا القسم من دفاع المتهم الثاني، ولعله دفاع للمتهمين كافةً، بتحية الزملاء المحترمين في النيابة العامة الذين تولوا المرافعة في هذه القضية ممثلين للاتهام.

لقد أبت على هؤلاء الرجال ضمائر حيَّة ودينٌ بادٍ إلا أن يعطوا القضية في مرافعتهم وصفها الصحيح وتكييفها الواقعي:

 

قضية سياسية قبل أن تكون،

بأي اعتبار، قضية جنائية

لقد استمعنا إلى ذكر دولة قيل إنها تحاول الهيمنة على المنطقة بأسرها. لكن اسمها لم يذكر، وبقي لنا بهذا الإغفال المتعمد أن نجتهد في إقامة الدليل على الذي يقصده الاتهام بتلك الدولة.

واستمعنا إلى أن حزب الله مجرم لأنه أقام بين وحداته ـ التي يقاوم بها الصهيونيةـ وحدة تنعت بالوحدة (1800) المسؤولة عن دول الطوق، وتركنا الاتهام ـ في
مرافعته ـ حيارى أيَّ طوق هذا؟ أهو الطوق المحيط بمصر أم بسواها من الدول؟ ولذلك حقَّ لنا أن نجتهد في هذه المسألة لبيان المقصود بها.

واستمعنا إلى مذهب يرى أن حزب الله أداةً للدولة الأجنبية، على نحو يحقق وصف الدولة الأجنبية لمن يتخابر معه، فتقوم بذلك الجريمة الموصوفة في المادة 86 مكررا ج من قانون العقوبات، فأصبح علينا بيان مدى صحة هذا الاستنتاج أو مدى خطئه.

واستمعنا إلى عبارات فيها ذكر العدو، وعبثه وغروره... ولم يوقفنا الادعاء على الذي يقصده بهذا التعبير فأمسى من واجب الدفاع تبيين من الذي يستحق هذه الأوصاف الواردة في تلك العبارات، ويقيم الدليل على ذلك.

واستمعنا إلى تأكيد لدور مصر التاريخي في نصرة القضية الفلسطينية وأن المتهمين أرادوا بجرائمهم ـ التي تحاكمونهم عنهاـ«أن تتخلى مصر عن قضية أمتها ليرثوا عرش ريادتها»!! فأضحى واجبا علينا أن نبين صنيع مصر الحقيقي، لا في هذا الشأن وحده، بل في شأن آخر متصل أوثق اتصال بما نحن فيه، وسأحاول بيانه حالا.

فهذه وجوه خمسة، تناولها الزملاء المحترمون الذين مثلوا النيابة العامة في هذه القضية، فأكدوا ماهية القضية وطبيعتها ومعالمها وحدودها: إنها قضية سياسية بكل ما للكلمة من معنى ولذلك قلت إن تحيَّتَهم عليَّ واجبة: أن أعْطَوا القضية وصفها الصحيح وتكييفها الحق.

نعم إن أمامنا اجب التعرض لمواد الاتهام، وقد عرض لها الزملاء المحترمون ممثلوا النيابة العامة، لكن الإحاطة بشأنها، وتفنيد دعوى انطباقها على ما هو منسوب إلى المتهم الثاني، بل إلى المتهمين كافة، كل ذلك لا يستقيم بنيانه، ولا يصدُق في الأذهان بيانه، إلا بعد إنعام النظر وإجالة البصر في حقيقة ماهية الدعوى ووصفها السياسي.

***

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

إن نشاط المتهم الثاني كله، وما يرتبط به من نشاط غيره، لم يكن له هدف ـ على ما تنطق الأوراق به ـ إلا مواجهة العدو الصهيوني بتزويد المقاومين الفلسطينيين في غزة بالسلاح والعتاد، وتدريب من يمكن تدريبه منهم ليعود مرة أخرى إلى أرض فلسطين المحتلة فيقاوم منها العدو الصهيوني.

الركن الماديلهذا النشاط كله كان: محاولة المساعدة في إمداد وتموين القوى المقاومة للاحتلال في فلسطين بالسلاح والخبرة.

والركن المعنوي، القصد، كان هزيمة العدو الصهيوني، إن لم يكن في وجوده بإزالته وهدمه ـ وهو واقع لا محالةَ طال الزمن أم قَصُرـ إن لم يكن في وجوده، ففي غطرسة القوة التي يدعيها، ويهدد شعوب المنطقة كلَّها بها. إن لم تكن هزيمة كلية نهائية، فهزيمة جزئية موجعة يتراكم أثرها مع آثار الهزائم التي أصابته وتصيبه، منذ هزيمته في رمضان 1393هـ = أكتوبر 1973 على الجبهة المصرية، إلى هزيمته في لبنان في جمادى الآخرة 1427هـ = يوليو/ تموز 2006، بل حتى هزيمته بانسحابه دون أن يحقق أي هدفٍ من أهداف حربه على غزة (2008ـ 2009). ثم، بعد هذا التراكم، تكون القاضية التي وعد الله بها عباده: {ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليُبْدِلَنَّهم من بعد خوفهم أمنًا؛ يعبدونني لا يشركون بي شيئًا} [النور: 55].

إن الاحتلال ـ سيدي الرئيس ـ كلَّه، حيثما كان، غير مشروع. والمقاومة المستمرة، في كل أوطان العرب، أثبتت أن هذه الأوطان تسكنها شعوب لا قابلية لديها للاستعمار، ولا ترتضي الضيم، ولا تستنيم إلى الذل، بل هي شعوب تقاوم جيلا بعد جيل، لا يتوقف جهادها إلا تحرفًا لقتال أو تحيزا إلى فئة، ولا يصيبها مصاب في مجاهديها إلا كان في الناشئة من يسد مسدَّه ويقوم مقامه:

إذا مات منَّا سيَّدٌ قام سيدٌ..

قؤول لما قال الكرامُ فعولُ(!!)

***

من الذي ساد هذا الميدان أول ما شُقَّ طريقه ومُهِّدتْ سبيله؟ 

من الذي سنَّ سنَّة مقاومة الاحتلال حيثما كان، وبكل وسيلة أتيحت، وبلا نظر إلى شيء مما يفرضه القانون الدولي والمحلي، على غير مواطني الدول، من احترام سيادتها، وعدم انتهاك أراضيها بدخولها بغير إذنها؟

من الذي صنع ذلك أوَّلَ الناس وعلمَّهُ من بعد للعالمين؟

إذا عرفناه أقمنا الحجة عليه بفعله الحسن الرائد الشجاع المثمر أحسن الثمر.

إذا عرفناه أقمنا الحجة عليه باختراعه فعلا، إذا تكرر مثله معه، فهو به حفيٌّ بلا ريب، وبفاعله فخور فخر الأستاذ بتلميذه النجيب.

ولذلك صحت مقولة القائل صادقًا:«...وأول راضٍ سنَّهً من يسيرها»(!!)

مصر، يا سيدي الرئيس، هي أول من مهَّد هذه السبيل، وشقَّ هذا الطريق، وسار فيه أشواطًا بعيدة لو ذهبت أصف تفاصيلها، وأذكر حقائقها، لضاق بي المقام عن الوفاء بحقها. لكنني أكتفي بإشارة دالة غير مخلة، تثبت، بلا ريب، أن الذي صنعه المتهم الثاني من أبطالِ مصرَ تعلَّمه، وأن الهدْيَ الذي حاول أن يبلغ به مَحِلِّه هو هدْيٌ غَذَتْهُ مصر بروحها وعطائها ومالها عَقْدين كاملين من الزمان يزيدان في بعض البلدان قليلا ويقلان في بعضها الآخر قليلا.

مصر، يا سيدي الرئيس، أرسلت منذ نهاية عام 1952 (عام قيام الثورة) إلى 26/11/1959 (في أثناء الوحدة مع سوريا) خمسًا وأربعين شحنة سلاح وذخائر ومعدات تفجير ومتفجرات وأطقم للضفادع البشرية للتفجير تحت الماء وغيرها من المهمات العسكرية... أرسلتها إلى الجزائر، وبعض المجاهدين في تونس ومراكش (المغرب). عبر بها الضباط المصريون حدود ليبيا من البر ومن البحر، ثم حدود تونس البرية الصحراوية القاحلة إلى الجزائر، وتسلمها المجاهدون الجزائريون يدا بيد من الضباط المصريين الذين كانوا يعملون ـ يومئذ ـ في المخابرات العامة المصرية.

وكان راعي هذا العمل رعاية مباشرة هو جمال عبد الناصر لا سواه.

يدل على ذلك شهادة فتحي الديب في كتابه عبد الناصر وثورة الجزائر (الطبعة الثانية، دار المستقبل العربي، القاهرة 1990). لقد تضمنت هذه الشهادة، في مواضع عدة، أن فتحي الديب عندما كان يخبر مدير المخابرات المصرية ومؤسسها: زكريا محي الدين، بأمر من أمور هذا العمل المصري البطولي كان زكريا محي الدين يأمره بالعرض على عبد الناصر شخصيًا، ومنه كان يتلقى الدعم والإقرار فيما فات، والأوامر والتوجيهات فيما هو آت.

لقد أنشأت المخابرات المصرية ـ حديثة العهد يومذاك ـ قسمًا للوطن العربي كان يرأسه فتحي الديب، كما أنشأ حزب الله الوحدة رقم (1800) لدول الطوق. أليس هذا سلوكًا واحدًا يجب أن يسلكه كل مقاوم للمستعمر المحتل؟ كيف يقاومه وهو لا يعمل من حول حدوده؟ وهل يملك أن يبقي نفسه محصورًا في جبهة واحدة إذا حيل بينه وبين العمل منها توقف جهاده في سبيل وطنه وأمته؟

لقد كانت مصر هي الرائدة في ذلك السباقة إليه، ومنها تعلمه المجاهدون العرب والأفارقة.

فأنّى لنا اليوم أن ننكر على المقلدين ونحن المبدعون المبتكرون؟

وكيف يسوغ لنا أن نعاقب من يمشون على الدرب الذي افتتحناه، وعبّدناه، واخترعنا وسائل عبوره إلى الهدف الأسمى: تحريرِ الأوطانِ من نيرِ الاحتلال!!

إن مصر، في قيادتها كفاح الشعوب ضد الاحتلال، من خارج أوطانهم، ومن خلال اختراق أراضي دول أخرى، وأنهارها، ومياهها الإقليمية، ومجالها الجوي، لم تساعد شعب الجزائر وشعب تونس وحدهما. لكنها ساعدت: الجزائر وتونس ومراكش (المغرب الآن)، وساعدت الصومال، ومالي، وكينيا (أيّدنا فيها ثورة الماوماو)، وأوغندا، والكونغو (برازفيل)، وبوروندي، وتنزانيا، وزنزبار، ونيجيريا، وإريتريا، والكونغو (كينشاسا) [محمد فائق، عبد الناصر والثورة الأفريقية، الطبعة الرابعة، دار المستقبل العربي، القاهرة 2002]. فهذه أربع عشرة دولة ليس من بينها دولة واحدة تجمعها بمصر حدود برية أو بحرية، فكان لزامًا، كما هو الحال في قضيتنا، أن يعبر رجال المخابرات المصرية ـ بالمئات إذا جمعناهم ـ حدود بلاد من البر والبحر والجو كي يصلوا إلى أهدافهم من مساعدة المجاهدين للاستقلال عن الاحتلال، وهي مساعدة كانت دائمًا بالسلاح والتدريب على استعماله والعتاد الحربي والمتفجرات وأدوات تفجيرها...إلخ.

إن في أدلة اتهامنا أن حديثًا جرى بين المتهمين الأول والثاني ومتهمين آخرين حول إمكانية استئجار مركب صيد لتهريب السلاح والذخيرة فيها إلى المجاهدين في غزة... وسيأتي حديث الاستدلال بهذه الواقعة على الإدانة لاحقًا. لكنني أتساءل الآن هل أتى المتهم الثاني ورفيقه المتهم الأول بهذه الفكرة من عند نفسيهما أم أن لهما فيها سابقًا هو أسوة وقدوة؟

إن هذا السابق ـ سيدي الرئيس ـ كان المخابرات المصرية، في تهريبها السلاح والذخائر بكميات هائلة إلى الجزائر وتونس والمغرب. لقد استخدمت المخابرات المصرية اليخت ( دينا ) الذي كـان مملوكا للملـكـة دينا عبد الحميد ملكة الأردن، بغير علمها ـ طبعاـ واليخت (نمر) الذي كان مملوكًا قبل الثورة للأمير عباس حليم وصودر مع أموال الأسرة المالكة. واليخت (الحظ السعيد) الذي كان مملوكًا للمخابرات العامة. واليخت (انتصار) الذي كان مملوكًا للقوات البحرية، استخدم مرات، واليخت (بلزتريك) الذي اشتراه أحمد بن بللا من إيطاليا بأموال من المخابرات المصرية.

واشترت مصر السفينة (دفاكس) من اليونان بعشرين ألف جنيه إسترليني لتستعملها في تهريب السلاح للجزائر. [فتحي الديب، السابق، ص 169 وص 229].

 وحمّلت مصر سفينة بريطانية اشتريت بأموال مصرية اسمها (آتوس) بشحنة هائلة من السلاح والذخيرة إلى الجزائر (الشحنة العاشرة) فضبطها الجيش الفرنسي وصادر الشحنة، واعتقل عشرات من المجاهدين الجزائريين الذين كان تدريبهم قد اكتمل على الحرب البرية، وبعضهم على أعمال الضفادع البشرية، بأجهزتهم وسلاحهم وعتادهم... وكان ذلك نتيجة خيانة غير مسبوقة، من شخص غير مصري، كان يتعاون مع مخابراتنا.

وعندما أصابت صدمة عصبية البطل فتـحي الديب ـ الذي يقابل في قضيتنا المتهم الثاني ـ كان رد فعل جمال عبد الناصر أن استدعاه وقال له بالحرف الواحد، والعهدة على فتحي الديب: «مالك زعلان ليه، هو أنت متصور أن كل عملياتك لازم تنجح. دي أول مركب تتمسك من ثمانية مراكب. ولازم تكون واقعي احنا قدراتنا محدودة (أليست قدرات المقاومة كلها محدودة بالقياس إلى الصهاينة؟!) ورغم كده نجحنا في تهريب عدة مراكب. ولا يمهك!! أنا عاوزك تقوم بعملية تهريب جديدة بكرة، وحتى لو اتمسكتْ برده شيء طبيعي يجب ألا يهز أعصابنا لأن اللي بيعمل في العمل السريلازم يتوقع النجاح والفشل» [فتحي الديب، السابق، ص 259].

مصر، إذن، سيدي الرئيس، حضرات المستشارين، هي صاحبة فضل السبق، ودور الريادة في الباب الذي دخلت منه بعدها كل قوة عربية تحاول التخلص من الاحتلال والقضاء على الاستعمار. وهو الذي فكَّر المتهم الثاني ـ أو الأول ـ أن يحاول الولوج منه إلى مساعدة المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية؟

فأي بأس على المقلِّد إن كنت أنا المجتهد؟

وأي تثريب على اللاحق إذا كنت أنا السابق؟

وأية عقوبة يجوز لي توقيعها على من اقتدى بي واهتدى بهديي؟

ولم يكن عمل مصر عسكريًا فقط، بل كان سياسيًا كذلك. كانت مصر وراء قرار مؤتمر باندونج (18ـ 24/4/1955)«بضرورة التعاون الأفريقي الآسيوي للنهوض بحقوق الشعوب المغلوبة على أمرها».

ووراء القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14/12/1960 بوجوب «اتخاذ التدابير الفورية اللازمة في الأقاليم المشمولة بالوصاية أو غير المتمتعة بالحكم الذاتي لنقل جميع السلطات إلى هذه الشعوب» [دكتور شوقي الجمل، الدور الأفريقي لثورة 23 يوليو 1952، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994 ص 32ـ 35].

وما أشبه الليلة بالبارحة (!) ففي ديسمبر 1958 انقسم ثوار الجزائر إلى فرقتين متناحرتين، واختارت مصر استمرار دعمها العسكري بكل صوره إلى فريق أحمد بن بللا، وهاجم فريق عباس فرحات مصر هجومًا شنيعًا «سعيًا نحو تشويه سمعة مصر» [دكتور عبد الله إبراهيم رزق، مصر وحركات التحرر الوطني في شمال أفريقيا، ص 62] فلم يثنها ذلك عن الاستمرار في مساعدة المجاهدين لتحرير وطنهم، بل زادها عزمًا وإصرارًا.

عندما تحدث السيد حسن نصر الله عن إسرائيل بعد انسحابها من لبنان ـ فرارًا بليل ـ في مايو 2000م قال إن ذهاب الاحتلال من لبنان لا ينهي المشكلات مع العدو الصهيوني... ولكن هناك ملفات «... والفلسطينيون يجب أن يعودوا إلى وطنهم ومن حقهم أن يفعلوا أي شيء لكي يعودوا إلى ذلك الوطن.» [خطابه في 14/4/2000 بمناسبة ذكرى العاشر من محرم 1421هـ].

وليقارن من شاء هذا الكلام بقول جمال عبد الناصر بعد جلاء الاستعمار البريطاني عن مصر:«إن القضية المصرية ليست آخر مشاكل المصريين مع الاستعمار، وإن مصر لن تستريح أو يهدأ لها بال حتى تتحقق الحرية الكاملة لكل بلد من البلاد الأفريقية والعربية والإسلامية. ولابد من مواصلة الكفاح لتحقيق هذه الغاية...» [دكتور علي عبده إبراهيم، مصر وأفريقية في العصر الحديث، دار القلم بالقاهرة 1962 ص 187].

إن هذا سلوك الثوار. دولةً كانوا يمثلون أم جماعة أم حزبًا أم مجموعة فدائية.

هذا هو سلوك الذين يرون أنفسهم من أصحاب الرسالات لا يختلفون فيه سنةً كانوا أم شيعة.

هذا سلوك أصحاب العزائم لا تردُّهم عنه هزيمة عارضة ولا عوائق مانعة.

هؤلاء ـ سيدي الرئيس ـ يسلكون كل سبيل متاحة لتحقيق هدفهم الأسمى، لا يأبهون بشيء ما داموا في النهاية يحققون الغاية التي نذروا أعمالهم لها... «الاستمرار في دعم الكفاح المسلح... بكل طاقاتنا وقدراتنا المتاحة مهما كانت التضحيات... [الثورة] قامت لا لتحرر أرض مصر وحدها بل لتحرر كل الأرض العربية». [فتحي الديب، نقلاً عن جمال عبد الناصر، ص 214 وتاريخ هذا الكلام 16/3/1956م].

هكذا، سيدي الرئيس، كل ثوري مناضل يرى واجبه يسع الناس جميعًا لا قومه وحدهم، والأوطان كافة لا وطنه دون غيره. وهو لا يعرف في عمله الحدود ولا القيود، فمصر في عام 1969 قصفت ميناء إيلات الإسرائيلي انطلاقاً من الأراضي الأردنية دون علم سلطاتها.

ومصر في عام 1970 أغرقت الحفار الإسرائيلي الذي كان متجهًا إلى خليج السويس في مياه المحيط أمام أبيدجان ـ عاصمة ساحل العاج ـ دون علم سلطاتها بالنشاطات الهائلة التي مورست على أرضها ومن خلال مياهها الإقليمية لتحقيق هذه النتيجة.

... إنَّ في هذا الحديث الممتع، مثيراتٌ للشجن أيضًا. وفيما أشرت إليه كفاية ليتساءَل المرء: هاهنا كنا، أين أصبحنا؟ وكيف؟

وليقف هنا اللسان، ولتلجمْ اليدُ القلمَ عن المضي فيما يعبِّر عنه الصمت بأبلغَ مما يعبر عنه الكلام(!!)

***

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

إن نشاط المتهمين كله، وما كان المتهم الثاني بصدد صنعه، لم يكن إلا مساعدة المقاومة الفلسطينية. وليقل من شاء في هذه المساعدة ما شاء، فلن يجديه من الحقيقة مهربًا أن يغمض عينيه عنها.

وقيام المتهم الثاني بذلك كان جزءًا من واجبات حزب الله الذي لا يصح له وصف قدر صحة وصفه بأنه جزء أساسي أصيل من حركة التحرر العربية الإسلامية في طورها الجديد الذي أصبح أمانة في يد الشعوب وخيارًا لها، تقديرًا منها ومن زعمائها للضرورات التي حالت بين الحكومات وبين القيام بمثل ما كانت تقوم به حكومة مصر في عقود الخمسينيات والستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي.

وهذه القوى التحررية يسعها ما وسع الدولة المصرية في تلك العقود، ولا سبيل لها كي تواصل عملها إلا هذا«مهما كانت التضحيات» كما كان يقول جمال عبد الناصر.

ولهذا النشاط ضروراته ولوازمه. فقد استخدمت لبعض أنواعه الأراضي المصرية. نعم استخدمت الأراضي المصرية للوصول عبرها إلى الوطن المحتل فلسطين.

وجندت عناصر في سبيل هذا الهدف من مصر ولبنان والسودان وفلسطين نفسها، وربما من دول أخرى كذلك!!

كلهم عرب، كلهم مؤمنون بقضية عادلة، عاملون في سبيلها، وبعضهم همه الارتزاق من عمل شريف (!) يُدْفَعُ فيه الكثير مقابل الجهد القليل(!!)

ونحن فعلنا ذلك. لقد استعنا بيونانيين وقبارصة وهولنديين وبلجيك، فضلا عن المصريين وسائر العرب وجميع جنسيات الأفارقة.

***

كان لابد في هذا النشاط المشروع، بل الواجب شرعًا، في نظر القائمين به، من التعرف على الإسرائيليين، وعلى أمـاكن تواجدهم خارج إسرائيل، ليس لاستهدافهم خارجــها ـ داخل الأراضي المصرية كما جاء بقرار الإحالة ـ وإنما للتقرب منهم، والإفادة بهم في تهريب السلاح للأراضي الفلسطينية، ومعرفة كل المعلومات الممكنة عن إسرائيل من الداخل، بل وتجنيد بعضهم كما يُجندون بعضنا، وذلك جميعه أن منهم تجارًا للسلاح، وليس بخافٍ على أحدٍ أن أحد أهم مصادر السلاح الرئيسية للمقاومة الفلسطينية هم تجارُ السلاح الإسرائيليين من ضباط جيشها وجنوده، وهذه حقيقةٌ تعلمها المخابرات المصرية والمخابرات الإسرائيلية حق العلم!! وفي هذا ما يكفي للقطع بأن استهداف الإسرائيليين داخل الأراضي المصرية لم يكن أبداً من أهداف المتهمين، بل إنه أمرٌ مُحرَّمٌ عليهم، في خطة عملهم وتوجيهات المسؤولين عنهم لهم. وإذا كان الإسرائيليون غير مستهدفين داخل الأراضي المصرية فمن باب أولى ألا يكون المصريون أنفسهم مستهدفين من المتهمين، أو من قيادة حزب الله، والمصريون هنا تعنى الشعب والقيادة والأرض والنظام العام، فكلُّ ذلك مُحرَّمٌ. يقطع بذلك ما قررَّه المتهم الثاني بالتحقيقات بقوله:

«الذي أبلغني به محمد قبلان بتاريخ 15/8/2008م بعدما عاد من حضور حفل زفاف ابنته أن قيادة الوحدة 1800 لم توافق على طرحه السابق بشأن تنفيذ أي عمل عدائي ضد الإسرائيليين في مصر، وذلك بناءً على قرار قيادة حزب الله الحكيمة بلبنان، والتي رفضت القيام بأيّ أعمال ضد الإسرائيليين على الأراضي المصرية، وذلك لأهمية هذا البلد كونه حدودياً مع غَزَّة، وجاء ذلك من قيادة حزب الله رداً على طرح أو فكرة استهداف الإسرائيليين السائحين بمدينة نويبع أو برأس شيطان...» (الطرح كان من محمد قبلان لا من محمد يوسف كما قالت النيابة في مرافعتها).

هكذا، استهدافُ الإسرائيليين العاديين، أو السائحيـن، والسفن الإسرائيليـة المارّة بقناة السويس، والقيام بأية أعمال عسكرية ضد إسرائيل، بصفةٍ عامةٍ، داخل الأراضي المصرية، كانت جميعها مُحرّمَات على المتهمين بقرارٍ واضحٍ وصريحٍ من قيادة حزب الله. ويستتبع ذلك لزوماً وعقلا أن تكون المصالح المصرية عموماً محرمة من باب أولى.. وعليه فلا وصف لما قام به المتهمون إلا بأنه: محاولة لمساعدة القائمين على مقاومة العدو الصهيوني وقتاله، ولكن ليس على الأراضي المصرية !

وإمـدادٌ ومساعدةٌ للمقاومة الفلسطينية، وهو أمرٌ مشروعٌ في القانون الدولي، وفي النظام الدولي. وهو مقاومة للظلم الدولي، والتآمر الأمريكي مع العدو الصهيوني، لا تصح عروبة أحد إلا إذا رآه كذلك.

***

في 16 يناير من العام الماضي 2009 وقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية، تسيبي ليفنى، ونظيرتها الأمريكية، كونداليزا رايس، اتفاقاً قبيحًا في واشنطن، يَنُصُّ على فرضِ رقابةٍ صارمةٍ على مداخل غزة البرية والبحرية والجوية، بمشاركة حلف الناتو وقوىً إقليميةً أخرى، بحيث تنتشر هذه الرقابة لتشمل البحر الأحمر والبحر الأبيض وخليج عدن والخليج العربي وسيناء !!

وتضمن الاتفاق تَعَهُّد واشنطن بإقامة جهاز مراقبـة واسع لمنع تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، ومراقبة معابرها وتزويدها بأجهزة متطورة لاكتشاف الأنفاق، بجانب تدريب قوات محلية في المنطقة على كيفية مواجهة عملية تهريب السلاح إلى غزة.

هذا الاتفاق المخالف للقانون الدولي لتضمنه تدخلا في الشؤون الداخلية لدول غير أطرافه، هو مجرد مثال من مئات الاتفاقات المشبوهة المماثلة، فَطِنَتْ له الإدارة المصرية، وتحركت سريعاً لإحباطه، فدعت لِقِمَّةٍ إقليميةٍ ودولية تشاورية تضم كلا من: رئيس السلطة الفلسطينية وملك الأردن والرئيس الفرنسي والمستشارة الألمانية والأمين العام للأمم المتحدة، وآخرين، لتعلن أن مصر لن تكون جزءًا من هذا المخطط المشبوه، وهذا ما عَبّرَ عنه وزير الخارجية المصري، السيد / أحمد أبو الغيط، عندما أكدَ في 17 يناير 2009م أن «مصر غير ملزمة بهذا الاتفاق»، وهو ما أكد عليه رأسُ القيادة المصرية، الرئيس محمد حسنى مبارك، بقوله:«إن مصر لن تقبل أبداً نشر قوات دولية على الحدود مع غزة وأن هذا الأمر يعتبر خطاً أحمرًا..»

وهو مَوقفٌ يُحسبُ للقيادة المصرية، ويدلُّ على أنها قارئةٌ جيدةٌ لكل ما يحدث في هذا الملف الشائِك، وأنها تعلمُ جيداً ما يُخطط له الإسرائيليون والأمريكيون، من محاصرة العالم العربي براً وجواً وبحراً، وبكل الطرق والوسائل.

***

لكن الوسائل التي تملكها مصر، الدولة، تختلف عن تلك التي يملكها المتهمون في القضية الماثلة وهم أشخاص وطنيون، يغارون على دينهم وأرضهم وعروبتهم، ويحاربون الكيان الصهيوني بكل ما يملكون، وبقدر ما يستطيعون، وهمُ بوصف التاريخ، وخصوصاً التاريخ البطولي المصري، أبطالٌ لا مجرمون، ولهم كامل الحق في أن يواجهوا هذه الغطرسة الإسرائيليـة والأمريكيـة على قدر ما يستطيعون، وهذا الحق ثابتٌ بنصوص القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الشرعية الدولية، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك التي وقعتها الدول العربية ـ وعلى رأسها مصر ـ في عام 1950م استجابةً لرغبة شعوبها في ضم الصفوف لتحقيق الدفاع المشترك عن كيانها.

***

 

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين..

لقد سيق دليلاً على صحة الاتهامات الموجهة للمتهمين ـ وما هي بصحيحة كما سترون ـ موضوع النفق الذي يقع بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية. ولئلا أخوض في حديث قد يحتمل الاختلاف والجدل أستعيد ـ كما استعدت حالاـ كلام الرئيس محمد حسني مبارك، نفسه، في مسألة الأنفاق.

كان الرئيس يتحدث في عيد الشرطة، ويخاطب قياداتها، بدءًا من الوزير إلى الضباط الكبار ذوي المسؤوليات الواسعة، ويخاطب من ورائهم شعبه وشعوب العالم. فلما ذكر القضية الفلسطينية وجهود مصر بشأنها قال ما نصه بحصر اللفظ:

 

«لقد روجت إسرائيل خلال العامين الماضين لموضوعالتهريب والأنفاق وعاودت التركيز على هذا الموضوع بعد عدوانهاعلى غزة وخلالاتصالاتنا لوقف إطلاق النار وأقول إن تهريب البضائع هو نتيجة للحصار وأن الاتفاقالإسرائيلي الأمريكي لمراقبة تهريب السلاح لا يلزمنا في شيء. أقول إننا كأيدولةمسئولة قادرون على تأمين حدودنا لن نقبل بأيتواجد لمراقبين أجانب على الجانبالمصري من الحدود ونتمسك بأن تبتعد أية ترتيبات إسرائيلية دولية عن ارض مصر وسمائها ومياهها الإقليمية».

[خطابه بمناسبة عيد الشرطة، في 4/2/2009، موقع الهيئة العامة للاستعلامات، والصحف القومية، يوم 5/2/2009، نصه مقدم في حافظة مستقلة].

وبعد هذا الحديث الواضح المحدد بثلاثة أشهر فقط، في مايو 2009، قال الرئيس محمد حسني مبارك في افتتاح مؤتمر إعمار غزة الذي استضافته مصر في شرم الشيخ:

«إن العدوان على غزة ـ رغم جسامته وخطورة تداعياته ـ لا يجب أن يصرف أنظارنا عن جوهر القضية الفلسطينية.. فهي قضية شعب يعاني النكبات والمحن منذ ستين عامًا.. ويتطلع لإنهاء الاحتلال وإقامة دولته المستقلة»...«نعلم من دروس التاريخ أن القوة المسلحة ـ مهما عظمت ـ لا تقضي على المقاومة والحقوق المشروعة للشعوب... ونعلم جميعًا أن الاحتلال مصيره إلى زوال...».

[خطابه يوم 14/5/2009 أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الدولي لدعم الاقتصاد الفلسطيني وإعادة إعمار غزة، شرم الشيخ، مصر، نصه مقدم مع نص الخطاب السابق].

وقال الرئيس في الخطاب نفسه:

«إن سرعة التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بما يضمن فتح المعابر أمام مستلزمات البناء وإعادة الإعمار ضرورة... فإغلاق المعابر يعيدنا للمربع الأول... ويضع عملية إعادة الإعمار في مهب الريح» [المصدر نفسه].

فهل زال الحصار الذي سوّغ في نظر رئيس مصر نفسه وجود الأنفاق؟

وهل أصبحت المعابر مفتوحة حتى تمر منها السلع الضرورية، والأدوية الحيوية، ومستلزمات إعادة الإعمار، والأفراد والأسر والمجموعات، لتصبح الأنفاق عملا غير مشروع لانتفاء أسبابه التي دعت إلى وجوده أصلا؟

اللهم لا.

بعلم العالم كله، وتحت سمعه وبصره، لا يزال الاحتلال جاثمًا فوق الصدر الفلسطيني الصبور المقاوم طول الوقت،

ولا تزال المعابر مغلقة،

ولا تزال الأنفاق هي الطريقة الوحيدة المتاحة للتقليل من ـ لا للتغلب الكامل على ـ آثار هذا الحصار الوحشي الذي لم تعرف له البشرية نظيرًا منذ ما قبل الإسلام، عندما حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وقومه في الشعب نحو ثلاث سنين، ومنع عنهم الماء والطعام وسائر احتياجات البشر. لم تعرف البشرية، منذئذ،ٍ حصارًا عامًا لجماعة من الناس إلا الحصار الحالي لغزة ومليون ومائتي ألف إنسان يعيشون فيها، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يحصلوا على حقهم في حياة إنسانية حرة في ظل حكومة منتخبة انتخابًا صحيحًا حرًا بلا خلاف.

هذا ـ كما قال الرئيس ـ هو سر الأنفاق: الحصار الظالم على شعب كامل.

وهذه ـ كما قال الرئيس ـ هي نهاية الاستعمار: الزوال والاندحار.

ولأجل ذلك فليعمل العاملون، وفي سبيله فليتنافس المتنافسون، وسيعـلم الذين ظـلموا ـ بلا ريب ـ أي منقلب ينقلبون.

من أجل ذلك، سيدي الرئيس، أطبقت كلمة فقهاء القانون الدولي، وتواترت قرارات المنظمات الدولية على مشروعية المقاومة المسلحة للاحتلال.

 

 

القسم الثاني: شرعية المقاومة المسلحة

للاحتلال كما يقرها القانون الدولي

المقاومة هي التعبير الحيّ عن البقاء، والصنـو المرادف للحيـاة، والحقيقة المساوية لجوهر الوجود، وما استمرارُ الإنسانِ ذاته إلا نتاجٌ لعوامل المقاومة والبقاء، داخله، ضد أسباب الفناء وعوامل الهلاك. إذ ما إن تنتهي منه سمات المقاومة وصفاتها، وإرادة الحياة وأدواتها حتى يحكم عليه بالموتِ والفناء، وكذلك الأمرُ بالنسبة للشعوب والأمم، والدول والجماعات [دكتور هيثم موسى حسن، التفرقة بين الإرهاب الدولي ومقاومة الاحتلال في العلاقات الدولية، رسالة دكتوراه 1999 جامعة عين شمس، طبعة نقابة المحامين بالقاهرة، 1999 ص210].

وقد عَرَّفَ أستاذنا الدكتور محمد طلعت الغنيمي، في كتابه الوسيط في قانون السلام حركات التحرير الوطنية التي تقوم بالمقاومة الشعبية المسلَّحة بأنها «حركاتٌ تستند إلى حق الشعب في استعادة إقليمه المغتصب، وتستمدُّ كيانها من تأييد الجماهير الغاضبة على المغتصب، وتتخذ عادةً من أقاليم البلاد المحيطة حَرَماً لها، تستمِدُّ منها تموينها وتقومُ عليه بتدريب قواتها.. ثم إنها بسبب ضعف إمكانياتها إنمـا تركز جهودها على تحدي الإرادة الغاصبة، لا على هزيمة جيوش الاحتلال في حربٍ منظمة» [الوسيط في قانون السلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، 1982 ص 350].

المركز القانوني الدولي لحركات مقاومة الاحتلال

وأفرادها في ضوء اتفاقيات جنيف لعام 1949م

نصت المادة (4) من الاتفاقية الثالثة، اتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، على أن:

«أسرى الحرب بالمعنى المقصود في هذه الاتفاقية همُ الأشخاص الذين ينتمون إلى إحدى الفئات التالية، ويقعون في قبضة العدو:

1 ـ ................................. .

2 ـ أفراد الميليشيات الأخرى والوحدات المتطوعة الأخرى، بمن فيهم أعضاء حركات المقاومة المنظمة الذين ينتمون إلى أحد أطراف النـزاع ويعملون داخل أو خارج إقليمهم، حتى لو كان هذا الإقليمُ محتلاً...».

وفي تحديد معنى نص هذه المادة يذهب الفقه الدولي إلى أن:

«المادة الرابعة من اتفاقية جنيف الثالثة الخاصة بمعاملة أسرى الحرب، إذ تقدم تعداداً حصريًا للأشخاص الذين يكون لهم الحق في التمتع بوصف أسرى الحرب، فإن ذلك يعنى ضمنياً تعدادا للمقاتلين والمحاربين المحميين بموجب هذه الاتفاقية... ذلك لأنه إذا كان كل مقاتل أو محارب قانوني، يتمتع بوصف أسير حرب، فهذا يعنى أن كل أسير حرب يكون له قانوناً مباشرة الأعمال القتالية، ولذلك يعتبر مقاتلاً قانونياً يتمتع بحماية هذه الاتفاقية..» [دكتور هيثم موسى، السابق ص 285 حيث ينقل عن الفقيه Draper].

وقد ذهب فقهاءُ القانون الدولي، بغير خلاف بينهم إلى أنه «يُستنتج من نصوص اتفاقيات جنيف أنها اشترطت ضمناً أن تتخذ المقاومة في الإقليم المحتل شكل الحركة المنظمة والانتماء إلى أحد أطراف النـزاع، ويعنى ذلك أن تتخذ حركة المقاومة في الإقليم المحتل أو خارجه شكل الحركة المنظمة ذات الهياكل التنظيمية والإدارية والعسكرية والأُطُرْ القيادية القادرة على تعبئة موارد حركة المقاومة، وحشد الرأي العام، وتوظيفها في سبيل استمرار المقاومة وكسب التأييد والشرعية لها.. بغية تحقيق الأهداف الوطنية في تحرير الوطن وطرد المحتل الغاصب، أمَّا فيما يتعلق بانتماء أعضاء حركات المقاومة المنظمة إلى أحد أطراف النـزاع، فلا يُشترط في هذا الانتماء أن يكون قائماً على أسـاس رابطـة قانونيـة ( الجنسيـة ) وإنما يُكتفي بإثبات قيام رابطـة أو علاقة واقعية تكشفُ عن عملية التعاطف أو التضامن بين أفراد حركة المقاومة والقضية التي يُناضلون من أجلها»... «ووجود التنظيم الذي يضم المقاومين مسألة لاحقة على وجود المقاومة نفسها... وهي مسألة تتعلق بظروف الحال، فقد تنقلب المقاومة التلقائية إلى مقاومة منظمة، أو تكون مقدمة لها، وقد تكون المقاومة المنظمة بمثابة جهاز طليعي ينبثق عن الهبَّة التلقائية في وجه الغزو الأجنبي». [دكتور عز الدين فودة، مجلة دراسات في القانون الدولي، الجمعية المصرية للقانون الدولي، 1969، ص 23؛ ودكتور صلاح الدين عامر، المقاومة الشعبية المسلحة في القانون الدولي، دار الفكر العربي بالقاهرة، دون تاريخ ص 50].

 وقد أُلحِقَتْ اتفاقيات جنيف المذكورة بملحقين ـ بروتوكولين ـ إضافيين، أضفَيا على حركات المقاومة، وأعضائها، مزيداً من الحماية القانونية الدولية. فنصت المادة 44 من البروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، في فقرتها الرابعة، على أنه:

«4 ـ يُخِلُّ المقاتل الذي يقع في قبضة الخصم، دون أن يكون قد استوفى المتطلبات المنصوص عليها في الجملة الثانية من الفقرة الثالثة [ أن يميزوا أنفسهم عن السكان المدنيين أثناء اشتباكهم في هجومٍ أو في عمليةٍ مسلحة تجهز للهجوم ] بحقه في أن يُعدّ أسيرَ حرب، ولكنه يُمنح ـ رغم ذلك ـ حمايةً تماثِلُ من كافة النواحي تلك التي تضيفها الاتفاقية الثالثة وهذا الملحق، على أسرى الحرب. وتشملُ تلك الحماية ضماناتٍ مماثلةٍ لتلك التي تُضفيها الاتفاقية الثالثة على أسير الحرب عند محاكمة هذا الأسير أو معاقبته على جريمةٍ ارتكبها».

استنـاداً إلى هذا النصّ، فإن «الحـروب التي تخوضهـا قوات المقاومـة الفلسطينية واللبنانية ـ والعربية عموما ـ ضد القوات الإسرائيلية، وانطلاقاً من كل الجبهات، إنما هي حروبٌ ذات طابعٍ دوليّ، تخضع لأحكام بروتوكول جنيف الإضافي الأول لعام 1977م. ويتمتع أفراد هذه القوات بصفة المحاربين القانونيين وما يترتب على ذلك من حصولهم على كافة أنواع الحماية والمزايا التي يحصل عليها هؤلاء المحاربين...» [دكتور أحمد رفعت، الإرهاب الدولي في ضوء أحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الأمم المتحدة، دار النهضة العربية بالقاهرة، دون تاريخ ص 128].

مشروعية استخدام القُوّة مِنْ قِبَل حَرَكَات المقاومة

بتاريخ 4/5/1948م أصدرت المحكمة الجنائية بلاهاي حكماً بخصوص حركات المقاومة اليهودية السرية ضد الاحتلال النازي، اعتبرت فيه «أعمال المقاومة السرية التي جرت ضد الاحتلال النازي أعمـالاً مشروعـة في مواجهة الاحتلال الحربي الذي يتعارض مع القانون الدولي ..». [دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 340 حيث يشير إلى دكتور عبد العزيز محمد سرحان، دور محكمة العدل الدولية في تسوية المنازعات الدولية، دار النهضة العربية، القاهرة 1981 ص 285].

ومن المقرر فقهًا [دكتور هيثم موسى حسن، السابق ص 283] في هذا الصدد، أنه إذا قُرِّرَ حق الدفاع الشرعي عن النفس للفرد في مواجهة أي خطر يتهدده، فإنه يجبُ تقرير ذلك ـ من بابٍ أولى ـ للشعب الذي تُستعمر بلاده أو تُحتل أراضيه وتُنتهك سيادته واستقلاله، وقد أكدت هذه الحقيقة الاتفاقيات الدولية، وميثاق الأمم المتحدة، والفقه، والعمل الدولي المطرد، والقضاء الدولي، وزاد هذه الحقيقة تأكيداً ورسوخاً سلسلة القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ذات الصلة بهذا الموضوع، وأهمها، مرتبة زمنيًا، هي:

 ( 1 ) أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت رقم 1514/ د15 بتاريخ 14/12/1960م، الخاص بمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة، القاضي بصريح العبارة بـ «ضرورة وضع حد عاجل ومطلق للاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره». ولعل ذلك أصبح واقعًا دوليًا إلا في مناطق نادرة من العالم منها الأراضي الفلسطينية والعربية التي تحتلها إسرائيل.

( 2 ) ثم القرار رقم 2105/ د20، بتاريخ 20/12/1965م، القاضي بـ «شرعية النضال الذي تخوضه الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية من أجل ممارسة حقها في تقرير المصير والاستقلال، ودعوة الدول الأخرى لتقديم المساعدة المادية والمعنوية لحركات التحرير الوطني في الأراضي المستعمرة والمحتلة».

( 3 ) ثم القرار رقم 2734/ د25، بتاريخ 26/12/1970م، المتعلق بالأمن الدولي، القاضي بأن «كفاح الشعوب المضطهدة ضد الاستعمار كفاحٌ مشروع».

( 4 ) ثـم القرار ـ بالغ الأهمية ـ رقم 2787/ د26، بتاريخ 6/12/1971م، الذي نصَّ على «شرعية نضال الشعوب في سبيل تقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي، بما في ذلك شعب فلسطين».

( 5 ) ثم القرار رقم 3070/ د28، بتاريخ 30/11/1973م، الذي أكد على «شرعية نضال الشعوب في سبيل التحرر من السيطرة الأجنبية والاستعباد الأجنبي، وأكد على حقها في اللجوء لكل الوسائل الممكنة لتحقيق هذا الهدف، ومن بينها الكفاح المسلح..».

( 6 ) ثم القرار رقـم 3103/ د28، بتاريخ 12/12/1973م، (بعد حرب أكتوبر بشهرين فقط) الذي وضع مبادئَ في غاية الأهمية، تنص على:

(A) «أنَّ نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، في سبيل تحقيق حقها في تقرير المصير والاستقلال، هو نضالٌ شرعيٌّ ويتفقُ مع مبادئ القانون الدولي».

(B) «أنَّ أي محاولة لقمع الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية هي مخالفةٌ لميثاق الأمم المتحدة ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الدولية والتعاون بين الدول وفقاً لميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والإعلان الخاص بمنح البلاد والشعوب المستعمرة استقلالها، وتشكل خطراً على السلام والأمن الدولي».

( 7 ) القرار رقم 3236/ د29، بتاريخ 22/11/1974م، الذي يتضمنُ «إقرارا بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والحق في الاستقلال والسيادة الوطنية ويعترف القرار بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكافة الوسائل الممكنة وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها، ويناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تَمُدّ يدها لمساعدة ودعم الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقاً للميثاق».

وقد عنيت بهذا الأمر الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب (1998) فقضت مادتها الثانية بأنه: «لا تعد حالات الكفاح بمختلف الوسائل جريمة، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي والعدوان من أجل التحرير وتقرير المصير وفقا لمبادئ القانون الدولي».

ونصت المادة 2/1 من معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي لمكافحة الإرهاب (1999) على أنه: «لا تعد حالات كفاح الشعوب جريمة إرهابية بما فيها الكفاح المسلح ضد الاحتلال والعدوان الأجنبيين والاستعمار والسيطرة الأجنبية من أجل التحرر أو تقرير المصير وفقا لمبادئ القانون الدولي».

ونصت المادة الثالثة من اتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لمنع الإرهاب ومكافحته على أنه: «مع مراعاة أحكام المادة (1) من هذه الاتفاقية (المادة 1 عرفت الإرهاب) لا تعتبر حالات الكفاح الذي تخوضه الشعوب من أجل التحرر أو تقرير المصير طبقا لمبادئ القانون الدولي أعمالا إرهابية، بما في ذلك الكفاح المسلح ضد الاستعمار والعدوان والسيطرة الأجنبية».

ومصر قد صدقت على هذه الاتفاقيات جميعًا، فأصبح ما تتضمنه من أحكام جزءًا من القانون الداخلي، واجب الإعمال من سلطات الدولة كافة، وفي مقدمتها السلطة القضائية المعنية ـ قبل غيرهاـ بإحسان تطبيق القانون.

***

وحاصل ما سلف ذكره، سيدي الرئيس، أنَّ مبادئ القانون الدولي العام المعاصر، وقرارات الشرعية الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة، وكذلك إجماع آراء الفقه والقضاء الدولي والممارسات الفعلية في الحياة الدولية قد سَلَّمَتْ جميعها بمشروعية نشوء حركات المقاومة، وحقها في اللجوء إلى استخدام القوة المسلحة ضد أعدائها المستعمرين أو المحتلين، في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية في تحرير أراضي الوطن وممارسة الحق في تقرير المصير ونيل الحرية والاستقلال.

وهذا التسليم فرع لأصلين مقررين في القانون الدولي المعاصر هما:

حق الدفاع الشرعي عن النفس ومقاومة العدوان؛

وحق الشعوب كافةً في تقرير مصيرها بنفسها.

وكل عمل يهدف إلى ممارسة أحد هذين الحقين، أو كليهما، يخرج، بحكم اللزوم القانوني، من دائرة الإرهاب، الذي هو مدار التهم كلها في هذه القضية.

وقد عبر عن ذلك أجلى تعبير كورت فولدهايم، الأمين العام للأمم المتحدة، في أثناء شغله منصبه في ديسمبر من عام 1972م، حين أعلن أنه:

«ليس للإرهاب الدولي صلة باستعمال القوة لأغراض مشروعة في الحياة الدولية، وميثاق الأمم المتحدة وسائر القرارات التي أصدرتها الجمعية العامة بخصوص حركات التحرير الوطني، لا يمكن المساس بها تحت غطاء الإرهاب الدولي.. وبناءً على ذلك لا يُعدّ الفعلُ إرهاباً، وبالتالي لا يعاقب عليه القانون الدولي، إذا كان الباعث عليه الدفاع عن الحقوق المقررة للأفراد ـ حقوق الإنسان ـ أو الشعوب ـ حق تقرير المصيرـ أو الحق في تحرير الأرض المحتلة ومقاومة الاحتلال، لأن هذه الأفعال تقابل حقوقاً يقررها القانون الدولي للأفراد والدول، حيث يكون الأمر هنا متعلقاً باستعمال مشروع للقوة طبقاً لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة...»

[أورده الدكتور هيثم موسى حسن، السابق، ص 362 نقلا عن الدكتور شريف بسيوني في: حق تقرير المصير والقضية الفلسطينية، نيويورك 1971، ص 33].

وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 3103/د28، بتاريخ 12/12/1973م، الذي نص على إقرار الدول الأعضاء:

بالحماية القانونية التي يجب إسباغها على مناضلي حركات التحرير الوطني والمقاومة ضد الأنظمة الاستعمارية والمحتلة والعنصرية. وأقرَّ بشرعية كفاحهم ضد هذه الأنظمة إعمالاً لحقهم في تقرير المصير والاستقلال. وأكدَّ على اعتبار كل محاولة لقمع هذا الكفاح بمثابـة انتهاك لأحكـام ميثاق الأمم المتحـدة، والإعلانات والقرارات الدولية ذات الصلة.

***

في هذا الإطار ـ حضرات المستشارين ـ يمكن القول بأن الشعوب التي تقع فريسة للاحتلال الحربي أو السيطرة الأجنبية أو التفرقة العنصرية يثبت لها الحق في تقرير المصير بمجرد وقوع هذه الأفعال، لأنها تمثل أفعالاً دوليةً غير مشروعةٍ، وإنكارا لحق الشعوب في تقرير مصيرها، واعتداءً على حقوقها وسيادتها واستقلالها، وهو ما يعطي هذه الشعوب الحق في استخدام القوة المسلحة ضد هؤلاء المحتلين أو المستعمرين أو العنصريين، ويكتسي استعمالها للقوة في هذه الحالة بالطابع القانوني والشرعي، لأنه إعمالٌ لحقٍ مقرر لها في القانون الدولي [دكتور أحمد فتحي سرور، المواجهة القانونية للإرهاب، ط ثانية، القاهرة 2008 ص 103]. وهذا ما أكدته عمليا قرارات الأمم المتحدة الصادرة بهذا الشأن، وما قررته لجنة القانون الدولي، المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، في إطار إعدادها لمشروع قانون المسؤولية الدولية، بقولها: «إن من صور السلوك غير المشروع دولياً، والذي يعتبر جريمة دوليةً:

أ ـ .............. . ب ـ الانتهاك الخطير لالتزامٍ دوليٍّ ذي أهميةٍ جوهريةٍ للحفاظ على حقوق الشعوب في تقرير مصيرها، مثل تلك التي تُحرَّم استعمال القوة (أي تحرّم ذلك على الشعوب الخاضعة للاستعمار أو المهددة به) لإرساء السيطرة الاستعمارية أو لاستعادتها..».

وبالبناء على ما تقدم جميعه يكون من حق الشعوب العربيـة التي احتلت أراضيها من قِبَلِ إسرائيل (فلسطين ـ جنوب لبنان ـ سوريا) استخدام القوة المسلحة ضدها، إعمالاً لحق: الدفاع الشرعي عن النفس، وحق تقرير المصير. ويكون من حق حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية ـ والسورية عندما توجد ـ استخدام القوة المسلحة ضد العدوّ الصهيوني في كلِّ شبرٍ يبسطُ سيطرته عليه. بمعنى أن من حق أفراد المقاومة اللبنانية استهداف الإسرائيليين في فلسطين، والعكس صحيح بالنسبة للمقاومة الفلسطينية. أي إن لها أن تستهدف جنود الاحتلال الصهاينة في أرض لبنان المحتلة أو في أرض سوريا المحتلة.

نحن إذن ـ سيدي الرئيس ـ أمام قضية محاولة لمقاومة الاحتلال لا أمام قضية إرهاب، سواء أنظرنا للإرهاب بمفهومه الدولي أم بمفهومه المحلي. وهذا الأمر خاصةً سوف يزداد وضوحًا فيما يأتي.

***

القسم الثالث : براءة المتهم الثاني في ضوء ما هو

 ثابتٌ بالأوراق وعدم تحقق أركان الجرائم

 الموصوفة في مواد الاتهام في شأنه

قَلَّمَا تجَِدُ متهماً يَجودُ بمثلِ ما جادَ به المتهم الثاني بتحقيقات هذه القضية، وما لذلك من سببٍ سوى أن المتهم المذكور لم يكن لديه ما يخجلُ من البوحِ به، وهذا بالطبع إذا ما أغفلنا الزوائد والنتائج المبتورة من مقدماتها التي ذهبت إليها النيابة في أمر الإحالة وقائمة أدلة الثبوت ! فما جاء على لسان المتهم الثاني بالتحقيقات لا يَدع شكاً في مقصد المتهم من نشاطه بالأراضي المصرية، فما له من مقصدٍ إلا مواجهة العدوّ الصهيوني، ومساعدة المقاومة الفلسطينية، وإمدادها بالسلاح، ونقل خبرة حزب الله إلى فصائل المقاومة الفلسطينية. لهذا عمل، ولهذا صادق من صادقهم من المتهمين ولهذا ترك بلده وأهله وأبناءَه الصغار طلبا لهدف عظيم، قال ربنا فيمن سلكوا سبيل تحقيق مثله:

{... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[التوبة:120ـ 121]

ويشهدُ لذلك ـ سيدي الرئيس ـ ما جاء على لسانه (صـ26، 27)، من تحقيقات النيابة،  من أن هدفه كان:

نقل خبرة المقاومة في جنوب لبنان إلى الفصائل الفلسطينية في غزة عبر مصر ومساعدتهم ودعمهم بالسلاح بكافة أنواعه وتدريبهم على أعمال القتال والتواصل عبر التشفير والإنترنت وتجنيد مصادر من الإخوة الفلسطينيين المتواجدين في مصر خاصة طلاب الجامعات والاستفادة منهم بعد عودتهم لغزّة أو إلى الضفة أو لأراضي (48) للاستفادة منهم مستقبلاً في أعمال المقاومة ضد العدوّ الإسرائيلي...

 هذا هو هدف المتهم الثاني، وغايته المنشودة التي عليها ولأجلها كان نشاطه المادي على الأراضي المصرية، تُجلّيها وتجعلهـا أكثر بريقًا ووضوحًا تكليفاته واتفاقاته مع باقي المتهمين الثابتة بالتحقيقات، وهي محل اتفاق من الجميع، بحيثُ لم يختلف فيها أولوُهم مع آخريهم، وما قاله المتهم الثاني لم ينفه غيره منهم، ولم يأت بما يناقضه، بما يقطع بصحة روايته، وصدق نيته وعدم خفائها.. وبالنظر إلى هذه الاتفاقات والتكليفات، كما جاءت على لسان المتهم الثاني بالتحقيقات، ولم يخالفها على مدار التحقيقات من كان طرفاً فيها من المتهمين، نجدها كما يأتي:

( 1 ) قّرَّرَ ( صـ29 ) ما نصه :

أما بالنسبة لمسعد عبد الرحمن ومحمد شلبي المكنَّى سعيد كانت المهمة المكلفين بها دراسة شراء أو استئجار مراكب صيد للاستفادة منها بنقل السلاح من السودان إلى غزة عبر مصر عن طريق المهربين الذين سيتم استقطابهم من قبل مسعد عبد الرحمن ومحمد شلبي، وبالتحديـد أطقم مراكـب الصيد التي تتولى نقل تلك الأسلحة، وذلك في إطار التخطيط لتدبيـر السـلاح لتوصيله إلى فصائل المقاومة الفلسطينية...

( 2 ) قَرَّرَ ( صـ32 ) ما نصه:

قام المكنَّى محمود بتحفيزه إيهاب السيد صاحب محل لتجارة الجلود بشارع ممفيس باستقطاب عناصر من العاملين في مجال الملاحة والصيد للاستفادة منهم في تهريب السلاح مستقبلاً من السودان إلى غزة عبر الأراضي المصرية، ومكثت أنا ومحمد قبلان المكنَّى / محمود في هذه المهمة في مصر حوالي ثمانية أيام...

( 3 ) قَرَّرَ ( صـ37 ) ما نصه:

هناك عرفني المكنَّى محمود على المصدر المكنَّى أبو علي بشأن مراكب الصيد بمدينة بورسعيد لاستغلالها في نقل السلاح من السودان وإرتيريا إلى فصائل المقاومة الفلسطينية عبر البحر الأحمر والبحر الأبيض...

( 4 ) قَرَّرَ ( صـ40 ) ما نصه:

تم لقاء مع المكنَّى أبو محمد بالعريش قرب سوق السمك في أحد المقاهي الشعبية حيث تطرق الحديث بين محمد قبلان المكنَّى محمود والمكنَّى أبو محمد عن مدى إمكانية توفير أي كمية من مادة تي إن تي وصواريخ جراد ـ قطر 122 الذي يطلق عليها الإسرائيليون صواريخ كاتيوشا لتهريبها لغزة.....

( 5 ) قَرَّر ( صـ53 ) ما نصه :

تم لقاء المصدر إيهاب السيد المكنَّى مروان في ميدان طلعت حرب بمقهى جروبي حيث أطلعني المصدر المذكور أنا ومحمد قبلان على دراسة الجدوى بشأن المحل المنوي فتحه في مدينة نويبع بجنوب سيناء بهدف التمهيد للمصدر بفتح علاقات مع أبناء قبيلة الترابين الذين يعملون في مجال تهريب الأسلحة بمدينة نويبع ........

( 6 ) قَرَّرَ ( صـ72 ) ما نصه :

التقينا أنا ومحمد قبلان بالمصدر محمد وفا بميدان التحرير في إحدى المقاهي وكان هذا اللقاء بقصد توثيق العلاقة فيما بيننا والاطلاع منه على مجريات علاقته عبر التواصل مع أشخاص عرب (48) داخل الأراضي المحتلة بالإضافة إلى معرفتنا منه كيفية تردد الإسرائيليين إلى طابا من خلال بطاقات أعطاها لمحمد قبلان وأعطاه الإيميل الخاص به والذي تراسل من خلاله مع أشخاص من أراضي (48) بمعرفة كيفية التعامل فيما بينهم بطريق المحادثة لعلـه يستفيـد مـن أي شخـص متعاطف مع القضية الفلسطينية .....

( 7 ) قَرَّرَ ( صـ73 ) ما نصه :

خلال إحدى جولاتنا في منطقة العتبة تعرف محمد قبلان على المدعو / محمد السوداني الذي يعمل في بيع الحوافظ الجلدية بالقرب من جراج العتبة ومن خلال حواره معه تبين أن هذا الشخص لديه أشخاص يمكن الاستفادة منهم بتهريب أشخاص نحو الأراضي المحتلة (عرب 48) مقابل مبلغ ثلاثمائة دولار عن كل شخص يتم تهريبه إلى أراضي 48 لتجربة تهريب السلاح إلى داخل أراضي 48 .....

( 8 ) قَرَّرَ ( صـ83 ) ما نصه :

بقيت أنا لمتابعة ما كلفني به محمد قبلان وهو شراء أنبوبة غاز وعمل مخبأ بداخلها للاستفـادة منهـا بنقـل السـلاح والعتـاد من البرث الحدودية إلى الأراضي الفلسطينية...

( 9 ) قَرَّرَ ( صـ85 ) ما نصه :

اتفقت مع المصدر أيمن مصطفى على مقابلته في ميدان رمسيس لأخذ الأنبوبة التي قمت بشرائها إلى بورسعيد بعدما تعذر عملها وتصنيعها في شمال سيناء وكان الاختيار على بورسعيد لمعرفة المصدر أيمن بشخص يعمل بالحدادة الإفرنجية في بورسعيد وبالفعل التقيت مع المصدر أيمن مصطفى في منطقة السبتية قرب ميدان رمسيس وسلمته الأنبوبة لكي ينقلها إلى بورسعيد وإجراء ما اتفقت معه من فتح قطعة منها وتصنيعها كمخبأ للاستفادة منها لاحقا....

 ( 10 ) قَرَّر ( صـ92 ) ما نصه :

بتاريخ 19/8/2008م وهو يوم سفري من مصر إلى لبنان قام محمد قبلان بلقاء ناصر أبو عمرة بحديقة الحيوان بالجيزة وأعطاه مبلغ عشرة آلاف دولار لتوصيلها إلى البدوي/ سالم العايد وتكليفه بشراء سيارة نصف نقل للاستفادة منها لاحقا من قِبَلِنا في نقل الأسلحة والعتاد إلى غزة .....

( 11 ) قَرَّرَ ( صـ93 ) ما نصه :

بتاريخ 3 سبتمبر ( أيلول ) عام 2008م كُلفت بالسفر من قبل محمد قبلان لمصر وذلك تمهيداً لوصوله بعدي للقيام بمهمة تهريب شخصين فلسطينيين استشهاديين من كتائب أبو الريس (هذه الكتائب تابعة لفتح)وهما المكنَّى أبو وليد والمكنَّى أبو رماح وذلك من شمال سيناء إلى منطقة بئر السبع بأراضي (48) ..... وبعد ذلك تمَّ تزويد الاستشهاديين بحقيبة لاب توب بداخلها عبوة ناسفة وحقيبة ظهر بداخلها عبوة ناسفة أيضًا وملابس جديدة لهما لكي تستعمل عند الوصول إلى عمق أراضي (48) ......

( 12 ) ثمَّ فَصَّلَ مهمته المكلف بها من قبل حزب الله ( صـ113، 114 ) أشدّ ما يكون التفصيل، فقرر صراحةً ما نصه :

من خلال عملي في قسم مصر علمت أنَّ هدف هذا العمل دعم القضية الفلسطينية وتوفير السلاح والعتاد وقد علمت من مسؤولي المباشر محمد قبلان أنه قد سعى مع بعض العاملين معه بمصر وأوكَلَ إليهم مهام توفير السلاح من خلال إنشاء علاقة مع المهربين وتوفير مركب صيد للعمل عليه مستقبلا وتوفير السلاح من بعض الدول مثل السودان وإرتيريا لنقلهـا نحـو غزة عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتهريب الأشخاص من شمال سيناء إلى الحدود مع السودان، واستقطاب عناصر جدد وعلاقات مع المهربين في شمال سيناء، واستقطاب طلاب فلسطينيين يقيمون بمصر، وكذا شراء أنبوبة الغاز من القاهرة إلى بورسعيـد للاستفادة منها في نقل السلاح، وكذلك استلام ناصر أبو عمرة حقيبة من شخصين فلسطينيين في شمال سيناء بداخلها مادة (سى فور) المتفجرة لتوصيلها إلى الخبير عباس وذلك بدون علم ناصر أبو عمرة بمحتوى تلك الحقيبة وكان الهدف من ذلك هو قيام الخبير عباس بمراقبة محمد قبلان بتصنيع حزامين ناسفين وحقيبتين ظهر وحقيبة لاب توب للاستفادة منهم لتهريبهم لغزَّة واستعمالهم في عمليات استشهادية ضد العدو الإسرائيلي في غزَّة وأراضي 48 ....

هذه مقتطفاتٌ من كل ما أدلى به المتهم الثاني بالتحقيقات، وهي مقتطفاتٌ صدرتْ عن المتهم المذكور في لغةٍ صريحةٍ لا لبس فيها ولا غموض، ظاهِرُها كباطنها، ليس فيها ما يَشين أو يُدين .. أو يُجَرَّمْ، وهي جزءٌ من كلٍّ، وكُلها لا يُنافي ما اجتـزأناهُ منها، وليس في أقوال باقي المتهمين ما يُنَاقِضُهَا أو يُقوِّضها، أو يُوضح أنها تُظهِر خلاف ما تُبطن، إن كان فيها باطنٌ من الأساس !!

فالنشاط الذي قام به المتهم المذكور على الأراضي المصرية، والتنظيم، واللقاءات، والتحركات، والأهداف المعلنة والخفية كلها تَصُبُّ في بوتقةٍ واحدةٍ، هي بوتقة الجهاد والنضال ضد العدو الصهيوني، ونقل خبرة المقاومة اللبنانية إلى الفصائل الفلسطينيـة في غزة ومساعدتها ودعمهـا بالسـلاح بأنواعه كافة، وتدريب عناصرها وتجهيزهم للقتال.

ومما يزيد هذا الأمر وضوحًا، ويثبتَّه في يقين المحكمة الموقرة، أن ملاحظات النيابة العامة على قائمة أدلة الثبوت تضمنت ذكر مسألة تهريب السلاح إلى غزة، وإلى فلسطين، وذكر دعم المقاومة، والقيام بعمليات استشهادية ضد العدو الصهيوني (22) مرة، في الصفحات 22 و23 و24 و25 و26 و28 و30 و32 و35 و36 و37 و38 و39 و40 و42 و43 و44. وقد جاء ذلك على ألسنة جمهرة المتهمين لا واحد ولا اثنان ولا ثلاثة.

وفي سبيل هذه المقاومة يجوز في القانون الدولي، وفي الممارسات الفعلية للمقاومين أفرادًا ومنظمات، وفي السلوك النضالي المصري دعمًا لحركات التحرر من الاحتلال على مدى عقود ثلاثة، يجوز ما قد يبدو في الظاهر غير جائز، ويعامل على أنه مشروع مباح ما لو وقع لغير أغراض المقاومة لكان غير مشروع ولا مباح.

انتفاء أركان الجرائم الموصوفة

في أمر الإحالة في جانب المتهم الثاني

إن النظر الصحيح إلى الأفعال المنسوبة إلى المتهم الثاني، بل إلى المتهمين كافة، يظهر بلا مجالٍ للشك أن أفعالهم لم تجاوز مراحل الأعمال التحضيرية التمهيدية غير المجرّمة.

فلم تقع أية جريمة مما وردت الإشارة إليه في أمر الإحالة.

ولم يشْرع المتهمون في أية جريمة من تلك الجرائم.

وعلى الرغم من أن المحاولة غير مجرّمة قانونًا، ما لم تبلغ درجة الشروع، إلا حيث ينص القانون على ذلك كما في جرائم استعمال النفوذ (م/106 مكررا عقوبات) والتربح (م/115 عقوبات)، فإن الدفاع يعنيه أن يؤكد أن القراءة المتأنية لأوراق الدعوى، والوزن الدقيق لأدلتها يقطع بأنه حتى المحاولة لم تكن، وأن الأمر وقف عند دراسة المواقف والأوضاع، وعند التمهيد لبعض الأعمال التي كان مرماها كلها مساعدة المقاومة لا الإرهاب، والوقوف إلى جانب الفلسطينيين لا العمل ضد مصر وأمنها وأهلها ونظامها الحاكم أو حكومتها القائمة.

ولا ريب في أن هذا الإجمال يقتضي بعض التفصيل.

1-            في شأن الجريمتين المنصوص عليهما

في المادتين 40 (ثانيًا) و(ثالثًا)

تقضي المادة 40 (ثانيًا) بأن الشريك هو من اتفق مع غيره على ارتكاب الجريمة فوقعت بناءً على هذا الاتفاق.

وتقضي المادة 40 (ثالثًا) بأن من أعطى للفاعل أو الفاعلين سلاحًا أو آلات أو أي شيء آخر مما استعمل في ارتكاب الجريمة مع علمه بها أو ساعدهم بأي طريقة أخرى في الأعمال المجهزة أو المسهلة أو المتممة لارتكابها، يكون شريكا في الجريمة.

والثابت من أوراق الدعوى، كما سلف بيانه، أنه ليس هناك جريمة ولا شروع في جريمة، قد ارتكب في هذه القضية. وأن الاتهامات كلها تؤول في النهاية إلى أنها أعمال تمهيدية وتحضيرية غير مجرمة.

وأن ما قد تثبت صحته من أفعال فهو داخل في إطار المشروعية التي يقررها القانون الدولي، والممارسة المصرية، للمقاومة ضد الاحتلال في أي أرض كان. وفي سبيل هذه المقاومة كان كل ما وقع من المتهم الثاني بغير استثناء.

وإذا صح هذا، وهو صحيح لا ريب فيه، فإن الاتهام المسند إلى المتهم الثاني بموجب نص المادة 40 (ثانيًا) و(ثالثًا) يكون غير قائم على أساس صحيح من أوراقالدعوى.

 

2-             في شأن الجريمتين المنصوص عليها في

المادتين 86 و86 مكررا ج من قانون العقوبات

ينبغي أن نقرر، ابتداءً، أن جرائم أمن الدولة من جهة الداخل، التي تقع ضمنها جرائم المادتين 86 و86 مكررا ج من قانون العقوبات، تستهدف حماية النظام السياسي للدولة بصرف النظر عما إذا كان هذا النظام عادلا أو ظالمًا، محققًا لآمال شعبها أو مهدرًا لها، مرضيًا عنه من غالبية الناس في المجتمع أو هو محل سخطهم ونقمتهم.

وهذه الجرائم مما يسميه الفقه الجنائي (الجرائم القانونية) التي«يخلقها القانون المقرر في المجتمع خلقًا إما بغرض التهديد بالعقوبات المقررة لها حتى يضمن قدرًا كافيًا من الحماية القانونية للأنظمة المختلفة التي تحدثها الدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والصحية وغير ذلك من شؤون المجتمع.

وإما ليفرض عن طريقها احترام التدابير الاجتماعية الرامية إلى الإصلاح الاجتماعي والوقاية بالتالي من مظاهر الإجرام التي مصدرها اضطراب أو خلل في أحوال المجتمع» [دكتور علي راشد، القانون الجنائي، ط الثانية، دار النهضة العربية القاهرة 1974 ص 240].

فكل عمل، أو نشاط، أو تدبير، ومن باب أولى، كل تحضير أو تفكير أو دراسة لا ترقى إلى المساس بنظم المجتمع أو تهديدها لا يصح إدخالها في إطار الجرائم الماسة بالأمن الداخلي، ولا العقاب عليها بالعقوبات المقررة لهذا المساس.

عرَّفت المادة 86 من قانون العقوبات الإرهاب بأنه: «كل استخدام للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي» وبعد هذا التعريف جاء الوصف أو الشرط الذي إذا لم يثبت توافره لا يكون ثمة محل لتطبيق نص المادة 86 ولا نص المادة 86 مكررا ج؛ ذلك هو أن يكون الاستخدام المذكور للقوة أو العنف...إلخ «بهدف الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر». هذا هو الوصف أو الشرط الأول، ثم يأتي في النص نفسه شرط ثانٍ: «إذا كان من شأن ذلك إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بالاتصالات أو المواصلات أو بالأموال أو بالمباني أو بالأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها أو منع أو عرقلة ممارسة السلطات العامة أو دور العبادة أو معاهد العلم لأعمالها أو تعطيل تطبيق الدستور أو القوانين أو اللوائح».

فنحن أمام جريمة من جرائم القصد الخاص ما لم يتوافر تنتفي الجريمة أصلا،ولا يكون ثمة مجال إلا لتبرئة المتهم بها. وهذا القصد الخاص هو الذي عبرت عنه المادة 86 عقوبات بقولها: «بهدف الإخلال بالنظام العام...إلخ» واستلزمت أن يكون التوسل إلى تحقيق هذا القصد بواحدة أو أكثر من الوسائل المنصوص عليها فيها «استخدام القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع». [مضبطة مجلس الشعب، الجلسة الثانية بعد المائة، 15 يوليو 1992؛ والمستشار مصطفى هرجة، التعليق على قانون العقوبات ط الثانية القاهرة، ص 632 وما يليها].

والقصد الجنائي الخاص، الذي يعبر عنه بـ «النية الإرهابية» يؤدي دورا مهما في إضفاء الوصف القانوني لجريمة الإرهاب وفقًا لنموذجها العام [دكتور أحمد فتحي سرور، السابق ص 253].

وصور هذا القصد، في التشريع المصري اثنتان، أولاهما: هي اتجاه نية الجاني إلى إشاعة الخوف العام أو الترويع، وهذه النية هي جوهر القصد الخاص في الإرهاب. وثانيتهما: هي نية إكراه إحدى السلطات على تغيير موقفها سواء بإرغامها على أداء عمل ما أو الامتناع عنه. [دكتور أحمد فتحي سرور، المصدر السابق ص 254 و255 و258].

ويقرر الدكتور أحمد فتحي سرور أن«صياغة المادة 86 عقوبات مصري قد أصابها الاهتزاز إذ أدت إلى إدماج قصد الترويع في إطار القصد العام. وقد تجلى ذلك من استخدام الترويع كصورة للسلوك الإجرامي أسوة باستخدام القوة أو «العنف» أو التهديد. ومن اعتبار (إلقاء الرعب بين الأشخاص) إحدى النتائج الحتمية التي تقع بناء على السلوك الإجرامي باعتبار أن من شأن هذا السلوك وقوع هذه النتائج فما دام (إلقاء الرعب بين الأشخاص) نتيجة للسلوك الإجرامي ـ في نظر المادة 86 عقوبات المذكورةـ فإن اتجاه الإرادة إليها يكون من قبيل القصد العام، وذلك باعتبار أن القصد الخاص يتمثل في غاية يتوخاها الجاني بعيدا عن السلوك الإجرامي ونتيجته. ولهذا يجدر عند إعداد قانون جديد لمكافحة الإرهاب الأخذ بصياغة جديدة تتجنب الخلط بين الركن المادي للجريمة والركن المعنوي فيما يتعلق بالقصد الخاص، وهو ما يعبر عنه بالنية الإرهابية أو القصد الإرهابي.»... «هذه الملاحظات تكشف عن عدم دقة الصياغة التي استخدمتها المادة 86 عقوبات مصري.

ونرى وجوب أن تكفل صياغة المادة التي تحدد النموذج القانوني للإرهاب التمييز بين السلوك الإجرامي (العنف بمعناه الواسع) ونتائجه الحتمية الماسة بالحقوق والمصالح المحمية، وهي ما ينصرف إليها القصد الجنائي العام، مع الإشارة بوضوح إلى قصد جنائي خاص في صورة محددة يوضح الأهداف والبواعث المنهي عنها، وهو ما عبرنا عنه بالنية الإرهابية. وننبه في هذا الصدد إلى وجوب استجلاء أن القصد الخاص يقوم على هدف «عام» وليس مجرد باعث يعبر عن مصلحة شخصية للجاني كالابتزاز الشخصي أو الهدف السياسي أو الأيدلوجي». [دكتور أحمد فتحي سرور، المصدر السابق ص 263 و265].

ولا مراء في أن أوراق هذه القضية تقطع بأن القصد الجنائي الخاص والعام ـ كما وصفهما الدكتور أحمد فتحي سرورـ منتفيان جملة وتفصيلا، في فعل المتهم الثاني، بل وفي فعل سائر المتهمين.

فكل ما ثبت من التحقيقات، بل كل ما حوته من أقوال متهمين، أو شهادة شهود، أو تقارير، أو تحريات سرية أو غير سرية، بما في ذلك شهادة وتقارير وتحريات رجال مباحث أمن الدولة الذين كشفوا هذا التنظيم، ليس فيه كلمة واحدة، أو حتى مجرد إشارة، تفيد بأن المتهم الثاني استخدم القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع، أو حَرَّضَ أو اتفق أو اشترك مع أحد من المتهمين للقيام بهذا، كما أنَّ أحداً من المتهمين لم يقم به.. ويشهد لذلك أن المتهم الثاني ظَلَّ متردداً وماكثاً بالأراضي المصرية لما يربو على ثلاث سنين، تَنقَّلَ خلالها بين كثيرٍ من المدن المصرية، وأقام بمنطقة المهندسين بالجيزة، لم يشك فيه أحدٌ، ولم يَخَفْ منه أحدٌ، ولم يأتِ بفعلٍ واحدٍ يظهر منه التلويح بالقوة أو العنف أو الترويع، إلى أن تلقفتهُ أيدي رجال أمن الدولة وأشاعوا أنه إرهابي!! على ذلك كان الحال، وهو حال باقي المتهمين أيضًا.. وبالطبع فإن هذا ليس حال من يُخطط ويهدف للإخلال بالنظام العام أو لتعريض سلامة المجتمع وأمنه وأمن ممتلكاته وسلطاته ومؤسساته للخطر، كما هو صريح نصّ المادة 86 عقوبات..

فركنا الجريمة المبينة في المادة المذكورة ـ العام والخاص ـ منتفيان بالكلية في جانب المتهم، فحيث لم يكن هناك أيُّ استخدامٍ للقوة أو العنف أو التهديد أو الترويع انتفي الركن المادي للجريمة، وحيث لم تكن هناك أيةُ نيةٍ للإرهاب أو أيُّ قصد للإخلال بالنظام العام أو لتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر انتفي الركن المعنوي للجريمة، ولم يعد من شأن الفعل أن يحقق شيئًا من محظورات النص. وإذا انتفي ركنا الجريمة، المادي والمعنوي، على النحـو السالف شرحه، انتفت الجريمة في جانب المتهم الثاني، وباقي المتهمين.

وبصفةٍ عامةٍ فإن موضوع السعي والتخابر، الذي هو محور الاتهام وصلبه، هو أمرٌ في حد ذاته لا وجود له، لأن المعلومات والتقارير التي تلقاها المتهم الثاني في هذا الشأن من بعض المتهمين، والمشار إليها بالتحقيقات، لا تمثل سعياً أو تخابراً على الإطلاق كما سيتبين من استعراض صلة نص المادة 86 مكررا ج بالأفعال المنسوبة للمتهم الثاني.

فهذه التقارير، جميعها، تتحدث إمَّا عن دراسات جدوى لشراء أو استئجار مراكب صيد، أو لمحلات أسماك في بورسعيد، أو علاقات جديدة نشأت بين بعض المتهمين وبعض مهربي الأسلحة، وإما تقارير تفيد شراء سيارات أو منازل، وتقرير من قناة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله بشأن أحد المصريين الذي طلب العمل في القناة للاستفادة منه في برنامج ترجمة اللغة العبرية، وإما تقارير عن زيارات السياح الإسرائيليين لمصر بهدف التعرف عليهم والتواصل معهم للاستفادة منهم ـ كما سلف القول ـ في تهريب السلاح للفلسطينيين.

الخلاصة إذن أنه ليس في هذه التقارير ما يتضمن أخباراً أو أسراراً حربية، أو أماكن منشآت عسكرية، أو هيئات أو سفارات أو أي منشآت حكومية. وبناءً على ذلك فلا محل بأي وجه من الوجوه للادعاء بوجود لجريمة تخابر أو سعى لدى جماعة أجنبية بهدف القيام بعمليات إرهابية كما زعمت النيابة.

وأمَّا المادة 86 مكرراً ج من قانون العقوبات، فإنها وإن كانت قد نصَّت على عقوبة تصلُ إلى حد السجن المؤبد لكلِّ من سعى لدى دولةٍ أجنبيةٍ أو جمعيةٍ أو هيئةٍ أو منظمةٍ أو جماعةٍ أو عصابةٍ خارج البلاد، أو تخابرَ معها.... إلا أنها اشترطت شرطاً واضحاً ولازماً لإعمالها، وهو أن يكون هذا السعي أو ذلك التخابر من أجل القيام بعملٍ من أعمال الإرهاب داخل مصر أو ضدِّ مُمتلكاتها أو مؤسساتها أو موظفيها أو ممثليها الدبلوماسيين، أو مواطنيها أثناء عملهم، أو وجودهم بالخارج، أو الاشتراك في شيء مما ذكر.

وأعمالُ الإرهاب المذكورة في هذه المادة حددتها ووصفتها المادة السابقة، (86 عقوبات). وقد انتهينا سابقاً إلى أن المتهم الثاني ـ وباقي المتهمين ـ لم يقُمْ أحد منهم بأي عملٍ يمكن أن يوصف بالإرهاب. ويضاف إلى ذلك أن التحقيقات لم تُشر إلى استهداف مواطنين مصريين أو موظفين أو دبلوماسيين أو ممتلكات أو مؤسسات مصرية في الداخل أو الخارج. فكل هذه الأهداف، المحددة حصرا في نصي المادتين سالفتي الذكر، لم تكن هدفاً للمتهم الثاني، أو لحزب الله نفسه، يوماً من الأيام. وما قرره المتهم الثاني في هذا الشأن تحديدا، بالتحقيقات، قاطع الدلالة على أن هـذه الأهداف، المجرّم العدوان عليها، مُحرَّم عليه وعلى غيره المساس بها. ذلك هو ما أكده المتهم الثاني عندما قرر أن قيادة حزب الله رَفَضَت القيام بأية أعمال ضـد الإسرائيليين على الأراضي المصرية. فإذا كان القيام بأية أعمال ضد الإسرائيليين على الأراضي المصرية أمرًا مرفوضًا ومُحرَّمًا في شرعة حزب الله، فمن باب أولى أن يكون القيام بأعمال ضد مصر نفسها أمرًا أشدَّ حرمةً، خاصةً وأن إسرائيل هي العّدوُّ الأصلي والفعلي، وهي المقصودة والمعنية بنشاط المتهم وفعله، وبنشاط باقي المتهمين وأفعالهم أيضًا، وبنشاط الحزب نفسه منذ وجد إلى يوم الناس هذا.

ولا يفوت الدفاع أن يشير إلى أن المتهمين الفلسطينيين صَرَّحوا ـ صُراخًاـ وهم ماثلون أمام المحكمة الموقرة، داخل قفص الاتهام، بأنهم كانوا (يدافعون عن وطنهم). وليس في الدفاع عن الوطن ـ على وصفنا تفصيلاـ ما يجوز تجريمه أو تحريمه.

ويضاف إلى ذلك أن الجماعة التي ينتمي لها المتهم الثاني، وهي حزب الله اللبناني، ليست جماعةً إرهابيةً، إلا في نظر الإسرائيليين والأمريكيين ومن والاهم. وهي في حقيقتها، وفي نظر جمهرة العرب والمسلمين، فصيلٌ من فصائل المقاومة العربية الإسلامية الشريفة، ومُعترفٌ بها دولياً بنص القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، واتفاقيات جنيف الأربع، وقرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الإقليمية العربية والأفريقية والإسلامية التي مصر طرف فيها.

ولو كانت هذه الجماعة تنوي أو تُخطط للقيام بأعمالٍ إرهابية ضد مصر، حكومةً أو شعباً أو ممتلكات أو قيادةً، لقامت بها إبان الخلاف الذي ثار بين القيادة المصريـة وبينها العام الماضـي، قبل أن تُطبِقْ أجهزة الأمن المصرية قبضتها على المتهمين الماثلين، ولكن كيف تقومُ بذلك وهي التي أكدت قيادتها ـ في أمر صريح صادر إلى المتهم الأول والمتهم الثاني ـ أن الأمن المصري خطٌ أحمرٌ يجبُ الوقوف عنده، بل ورفضت القيام بأية أعمال ضد عدوها الأصلي ـ إسرائيل ـ على الأراضي المصرية على نحو ما شرحنا آنفا؟!!!

ومما يجب التأكيد عليه ـ في هذا المقام ـ أمور

الأمر الأول: أن كل ما أشارت إليه ملاحظات النيابة العامة من أقوال قررها المتهم الثاني عن انتمائه لحزب الله في لبنان، وعمله في صفوفه وتدريبه على أعمال مختلفة، يخصه وحده. ويخص الحزب المنتمي إليه. وليس في شيء من هذه التقريرات ما يدخل في نطاق مواد الاتهام أو يعد جريمة في القانون المصري.

الأمر الثاني: أن حزب الله ليس منظمة محظورة في مصر، ولا هو منظمة محظورة في لبنان. بل هو بموجب وثائقه السياسية العلنية (وسنتشرف بتقديم صورة آخرها الصادرة في نوفمبر 2009) حركة مقاومة وطنية عربية إسلامية تشارك ـ منذ نشأتهاـ في العمل السياسي، ولها في حكومات لبنانية متعاقبة، بما فيها الحكومة الحالية، وزراء. ونظرة على خريطة تشكيل مجلس النواب اللبناني الحالي تدل على مدى قوة الوجود السياسي للمقاومة الإسلامية، وعلى قوة المعارضة التي يقودها حزب الله (الخريطة النيابية مقدمة لاطلاع المحكمة الموقرة). وقد صرح رئيس الوزراء اللبناني الشيخ سعد الحريري في زيارته الأخيرة للقاهرة (يناير 2010) بأن حزب الله شريك سياسي في لبنان، وحاضر في البرلمان والحكومة وأن لبنان بلد ديمقراطي تشارك فيه كل القوى في العمل السياسي بلا حظر (نص تصريحاته مقدم للمحكمة الموقرة).

الأمر الثالث: أن الهدف الرئيسي لحزب الله هو مقاومة العدو الصهيوني، وفيما عدا ذلك فإن الأعمال الأخرى للحزب كلها ـ اجتماعية وثقافية وسياسيةـ لا أثر فيها لاستعمال القوة ولا التهديد بها. ونظرة عجلى على التحليل العلمي الأكاديمي للتطورات التي مر بها حزب الله منذ نشأته وحتى الآن (مقدمة في حافظة مستقلة للمحكمة الموقرة) تثبت أن طبيعة الحزب هي أنه منظمة مقاومة إسلامية ذات دور سياسي مؤثر في السياسية اللبنانية والإقليمية على حد سواء. [الصفحات في الحافظة المرفقة مأخوذة من: يوسف الأغا، حزب الله: التاريخ الأيدلوجي والسياسي، ترجمة نادين نصر الله، دراسات عراقية،
بيروت ـ بغداد ـ أربيل 2008].

لما كان ذلك، وكانت مصلحة أو قصد أو نية الجماعة الخارجية التي ينتمي لها المتهم الثاني (حزب الله) في القيام بأية أعمال إرهابية ضد المصالح المصرية، أو ضد أي أحدٍ آخر على الأراضي المصرية منتفيةً بالكلية. وقد تأكد انتفاءُ المصلحة المذكورة ـ وانتفاء التفكير في أي عمل إرهابي ـ بعدم القيام الفعلي بأي عمل إرهابي على الأراضي المصرية، أو ضد مصالحها بصفةٍ عامةٍ، فقد انتفى بذلـك الركن المعنوي للجريمة محل المـادة 86 مكـررا ج من قانون العقوبات، انتفاءً تاماً، بحيث لا تقومُ لها قائمة في جانب المتهم الثاني، وباقي المتهمين.

وبذلك، فالاتهام الأول، الاشتراك بطريق الاتفاق والمساعدة مع المتهمين من الثالث حتى الثاني والعشرين في ارتكاب جريمة السعي والتخابر لمصلحة المنظمة التابع لها المتهم الثاني للقيام بأعمال إرهابية داخل مصر وخارجها، أصبح غير قائمٍ على أساسٍ يحمله، لانتفاء الركنين المادي والمعنوي لجريمة الإرهاب، المنصوص عليها في المادة 86 عقوبات، ومن بعده انتفاء الركن المعنوي (القصد الجنائي) لجريمة السعي والتخـابر المنصوص عليها في المـادة 86 مكرراً ج من قانون العقوبـات، لأنه بانتفاء الجرائم محل الاشتراك لا يمكن القول بوجود اشتراك، لا باتفاق ولا بمساعدة. ويصبح المتهم الثاني بريئاً تماماً من هذا الاتهام على النحو المشروح آنفاً.

3-   في شأن الجريمة المنصوص عليها

في المادة 102 (أ) من قانون العقوبات

هذا الاتهام حاصله أن المتهم الثاني حَاَزَ وأحرَزَ وآخرون مجهولون مواد تعتبر في حكم المفرقعات [ فلمينات الزئبق، آزيد الرصاص، ثلاثى نتروتولوين، "تى . إن . تى"، الهيكوجين "آر . دى . إكس"، النيتروبنتا "بنتا"] بغير ترخيص وبقصد استعمالها في نشاطٍ يُخل بالأمن والنظام العام. وهذا الاتهام منهدم البنيان لأنه موجه بغير أساسٍ ولا ظلٍ من الأوراق، وعلى رأسها قائمة أدلة الثبوت التي أعدتها النيابة العامة وارتكزت عليها في إسناد هذا الاتهام للمتهم المذكور.

فالثابت أن المتهم الثاني اعتُقِلَ، بتاريخ 25/11/2008م، بموجب أمر اعتقال صادر من وزير الداخلية بذات التاريخ، بموقف مدينة السلام بمعرفة المقدم سامي محمد إبراهيم، من ضباط أمن الدولة، وقام الضابط نفسه بتفتيش شخصه، وعثر معـه على جهاز لاب توب، وثلاثـة أجهزة تليفون محمول، وفلاش ميمورى، وكاميرا ديجيتال، وجواز سفر لبناني، وتذكرة طيران، ومبلغ 2400 دولار أمريكي، ومبلغ 499 جنيه مصري. وفي اليوم التالي، بتاريخ 26/11/2008م، قام المقدم المذكور ـ بناءً على قرار الاعتقال أيضًا ـ بتفتيش مسكن المتهم، الكائن برقم 20 شارع هارون ـ الدقي، وكانت نتيجة التفتيش أنه لـم يُعثـر على ثمة مضبوطات !! أمَّا المضبوطات التي عُثر عليها مع المتهم حال تفتيشه بشخصـه فقد تم تحريزها وعرضها على النيابـة مع المتهم، حيث قامت النيابـة بفض الحرز، بتاريخ 13/4/2009م، وأثبتت المضبوطات في محضرٍ خاصٍ مرفقٍ بالتحقيقات، وهي ذات المضبوطات المذكورة في محضر الضبط والاعتقال، المؤرخ 25/11/2008م، والمشار إليها بصدر هذه الفقرة.

والمتأمل لهذه المضبوطات، الخاصة بالمتهم الثاني، الثابتة بمحضر الاعتقال وبتحقيقات النيابة، لا يجدُ من بينها أية مواد مما تعتبر في حكم المفرقعات، من تلك التي أشار إليها أمر الإحالة على أن المتهم المذكور حازها وأحرزها بنية استعمالها في نشاطٍ يخلُّ بالأمن والنظام العام. بل إنَّ المضبوطات ليس من بينها أو فيها أية مواد من أي نوع، لا مفرقعة ولا في حكم المفرقعة ولا حتى غير مفرقعة !!! فكيف للنيابة أن تسند للمتهم اتهاماً بحيازة وإحراز مواد تعتبر في حكم المفرقعات وهو لم يُضبط معهُ أية مواد من هذا النوع؟!!

وفوق هذا فلا أثر إطلاقاً في أوراق القضيـة يدل على حيازة المتهم الثاني وإحرازه لمواد مفرقعة، ولا حتى في قائمة أدلة الثبوت بما حوته من خلاصةٍ لأهم ما استندت إليه النيابة في اتهاماتها للمتهمين، ففي ملاحظات النيابة الثابتة بقائمة أدلة الثبوت ( صـ43 منها )، وتحديداً في الملاحظات 23، 24، 25، 26 أثبتت النيابة بلسانها أن المواد المضبوطة، والتي هي في حكم المفرقعات، لم تضبط في حوزة المتهم الثاني، ولم تكن تحت سيطرته المادية، وأن من قام بتجهيز المفرقعات هو المتهم الأول / محمد قبلان، بالاستعانة بخبير مفرقعات لبناني الجنسية، وأن التكليفات الصادرة بشراء هذه المواد كانت صادرة مباشرةً من المتهم الأول / محمد قبلان .. وأن المتهم الثاني لم يكن مُحرزاً أو حائزاً لمادةٍ واحدةٍ من هذه المواد المفرقعة يوماً من الأيام.

ولا يمكن القول هنا بأن هذا الاتهام وجهته النيابة للمتهم الثاني على أساس أنه كان حاضراً معظم اللقاءات الخاصة بالحصول على المواد المفرقعة أو تصنيعها. أولاً : لأن التكليف بالحصول على هذه المواد صدر عن المتهم الأول / محمد قبلان. ثانياً : لأن المتهم الثاني انحصر دوره في الحضور العارض لبعض هذه اللقاءات. ثالثاً : لأن تصنيع العبوات المفرقعة باستخدام هذه المواد تمَّ بمعرفة المتهم الأول/ محمد قبلان وآخر مجهول ( خبير المفرقعات اللبناني ). رابعاً : لأن المتهم الثاني ليست لديه أية معرفة بصناعة العبوات المفرقعة، ولو كانت لديه هذه المعرفة لاستعان به المتهم الأول في هذا الخصوص، بدلا من اللجوء إلى خبير مفرقعات لبناني. خامساً : أن هذه المواد حين ضُبطت لم تُضبطْ في حوزة المتهم الثاني، ولا في مسكنه أو تحت سيطرته المادية .

وحتى لو افترضنا أن تكليف المتهم الأول لبعض المتهمين بالحصول على المواد المفرقعة، وتصنيعه عبوات ناسفة منها كان في حضور وبعلم المتهم الثاني، فإن ذلك لا يكفي لحمل الاتهام المسند للمتهم الثاني بإحراز وحيازة مواد تعتبر في حكم المفرقعات، لأن ثَمّة فارقًا شاسعًا بين الحيازة والإحراز وبين مجرد التواجد في لقاء الاتفاق على تدبير المواد المفرقعة، بحيث لا يمكن أن يُحاكم بتهمة الحيازة والإحراز من اقتصر فعله على مجرد حضور لقاء الاتفاق أو التكليف.

وأقوى من ذلك في الاستدلال على براءة المتهم من هذه التهمة أن النيابة لم تجد أقوى من تعبير أن المتهم الثاني (تعرَّف) على المضبوطات الموصوفة بأنها مفرقعات محظور حيازتها. وليس في القانون تجريم للتعرف على المفرقعات أو الأسلحة أو الذخائر. ثم هذا (التعرف) يفترض أن المضبوطات هي أعيانٌ متميزة لا تختلط بغيرها، وهذا غير قائم في حالة تلك المواد. فزعم أن (تعرَّفه) عليها دليل حيازتها لا يقوم على ساقٍ، ولا تحمله حقيقة من الحقائق التي يمكن الاستناد إليها في إثبات الحيازة والإحراز المؤثمين قانونًا.

وإذ كان الثابت في التحقيقات عدم حيازة المتهم الثاني أو إحرازه لأية مواد، مفرقعة أو غير مفرقعة، وعدم وجود شيء منها تحت سيطرته المادية والفعلية، لا في أثناء الاتفاق على توفيرها، ولا في أثناء تصنيعها، لأنه لا علم لديه إطلاقاً بأمر تصنيعها. ثم تأكد ذلك حال اعتقاله وتفتيشه وتفتيش مسكنه، حيث خلت مضبوطاته تمامًا من أية مواد مفرقعة أو غير مفرقعة. لما كان ذلك فإن القطع يكون صحيحًا بانتفاء الجريمة المسندة للمتهم الثاني انتفاءً تامًا، ويتحتمُ على المحكمة القضاء ببراءته منها.

القسم الرابع : التعليق على قائمة أدلة الثبوت،

والاستدلال على براءة المتهم الثاني من خلالها

 أعدت النيابة العامة، نيابة أمن الدولة العليا، قائمةً بأدلة الثبوت في أربع وخمسين ورقةٍ، عرضت فيها لخلاصة ما وقفت عليه من أسباب وأدلة على ارتكاب المتهمين للجرائم المنسوبة إليهم في أمر الإحالة. فأوردت خلاصة ما أدلـى به خمسة وعشرون شاهداً في التحقيقـات، على اختلاف صفاتهم، منهم أعضاء بجهاز مباحث أمن الدولة (رُتَب مختلفة) وشهودٌ آخرون عاديون ممن كان المتهمون يتعاملون معهم. ثم عَرَضت بعد ذلك ـ ونعنى النيابة العامة ـ لملاحظاتها المستخلصة من كل ذلك، وهي تمثل أساس أمر الإحالة بما حواه من تهم وجهت إلى المتهمين. وإذا أعملنا العقل والبصر في ذلك كله لألفيناهُ يؤكدُ حقيقةً واحدة لا مناص من الاعتراف بها، وهـي أن المــتهمين ـ وعلى رأسهم المتهم الثاني ـ لم يقوموا بشيء مما هو منسوبٌ إليهم إلا لمقاومة العدوّ الإسرائيلي، وهو ما يندرجُ تحت باب مقاومة الاحتلال، باعتبار أن إسرائيل تحتل الأراضي الفلسطينية، وكانت من قبل ولا تزال تحتل أجزاء من الجنوب اللبناني، والمتهم الثاني تحديداً، وآخرٌ غيره ضمن باقي المتهمين، ينتميان لحزب الله اللبناني، وحزبُ الله اللبناني ـ بحكم ميثاق الأمم المتحدة والقرارات الصادرة عنها واتفاقيات جنيف الأربع والاتفاقات الإقليمية لمكافحة الإرهاب، والفقه والقانون الدولي ـ يعتبر حركـة من حركات المقاومة، لها شرعيتها وقانونيتها على المستوى الدولي وتنطبق عليه جميع الشرائط التي استلزمها القانون الدولي في حركات المقاومة الشرعية، وبالتالي فهي تنطبق على أفراده ما داموا يتحركون في ذات الاتجاه.

وليس فيما ورد على لسان الشهود، أو أقوال المتهمين أنفسهم، أو ملاحظات النيابة ذاتها ما يَدُلُّ على أن المتهمين كانوا ينوون القيام بعملياتٍ إرهابية ضد المصريين، أو أنهم كانوا يقصدون بأعمالهم وترتيباتهم تلك مصـر قيادةً أو شعباً أو ممتلكات عامةٍ، أو غير ذلك. وقائمة أدلة الثبوت التي أعدتها النيابة العامة على أنها أدلة لرجحان إدانة المتهمين، هي في الحقيقة أدلة على براءتهم من كل ما هو منسوبٌ إليهم، وهو ما نوجزه في الآتي:

الدليل الأول: النفق السري الموجود

أسفل منـزل المتهم الثالث والعشرين

أفادت التحريات السرية للشاهد الأول، العقيد/ أحمد عاطف، وجود نفق أسفل منـزل المتهم الثالث والعشرين ( سلمان كامل حمدان رضوان )، وأن الهدف الأساسي من حفر هذا النفق كان بقصد تهريب البضائع والسلع لقطاع غزة، بهدف التجارة والربح ليس إلا، وقد قام المتهم المذكور بحفره أسفل منـزله الكائن بشارع صلاح الدين بمدينة رفح المصرية بامتداد ثلاثمائة متر، ليصل بينه وبين منـزل الفلسطيني/ خالد قشطة، بحيّ القشوط بمدينة رفح الفلسطينية، وأن المتهمين، الرابع والعشرين والخامس والعشرين، استطاعا ـ فيما بعد ـ التسلل إلى داخل البلاد عبر هذا النفق..

وقرر المتهم الثالث والعشرون أنه قام، بالتنسيق مع المتهم السادس والعشرين، بحفر النَفَق المذكور آنفاً، وأن هذا الحفر كان بقصد تهريب البضائع والأشخاص، وأنه في غضون أكتوبر 2008م تسلل فلسطينيان عبر النفق وطَلَبَا منه نقلهما لمدينة الشيخ زويد، وفي نوفمبر 2008م استقبل المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين، ونقلهما إلى محطة غاز رفح، وسلمهما لشخصٍ يدعى/ أحمد المنيعي..

وهذا الذي أوردنا آنفاً ـ من فحوى التحريات السرية أساس هذه القضيةـ دليلٌ قاطع على أن محاربة العدو الصهيوني، وإمداد أفراد المقاومة الفلسطينية في غزة بالسلاح كان هو الهدف الرئيسي من أعمال المتهمين جميعًا في جميع مراحل نشاطهم، بدليل أنه تم تجنيد المتهم الثالث والعشرين فقط لوجود نفق بمنـزله يؤدي للأراضي الفلسطينية، ذلك أن النفق المذكور كان موجوداً بالفعل قبل تجنيد المتهم الثالث والعشرين، وأن الأخير قام بحفره بهدف التجارة في السلع المهربة لغزة، أي أن الربح كان الهدف والدافع الوحيد لحفر هذا النفق، ولذلك كان تجنيد المتهم المذكور بهدف الاستفادة من النفق في تهريب الأسلحة لغزة، كما أن دخول المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين إلى البلاد عبـر هذا النفق كان بقصد تسفيرهما لدولة لبنان، لتلقي تدريبات عسكرية هناك، ثم العودة إلى الأراضي الفلسطينية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وليس للقيام بعمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية !!

وما قرره المتهمان المذكوران، الرابع والعشرون والخامس والعشرون، بالتحقيقات من أن المتهم الثاني أفهمهما بأنه سيستخرج لهما جواز سفر وبطاقة هوية لبنانية لتسفيرهما لدولة لبنان لتلقى تدريباتٍ عسكريةٍ هناك، يُفيدُ قطعاً صحة ما انتهينا إليه آنفاً. وهو يتأكد كذلك بعبارة «لتلقي تدريباتٍ عسكرية»، لأن تهريب المتهمين المذكورين عبر الدول بهدف تدريبهما عسكرياً لا معنى له إلا أن يكون الغرض منه تهيئتهما للدخول في عمليات عسكرية حربية، عمليات قتالٍ على أرض معركة أو عبر الشوارع، وهذا غير متصورٌ القيام به على الأراضي المصرية، وغيرُ جائزٍ القول بأن تهريبهما عبر الدول وتدريبهما عسكرياً كان بغرض تهيئتهما للقيام بعمليات إرهابية في مصر كما ذهبت إليه النيابة. فهذه الأعمال لا تستلزم سفر القائم بها خارج البلاد لتلقي تدريباتٍ عليها.. ولذلك فإن مجرد تسفير المتهمين المذكورين للأراضي اللبنانية لتلقي التدريبات العسكرية هو دليل في ذاته على انتفاء فكرة القيام بأعمال إرهابية في مصر.

وهذا يقطع بأن تهريب الأشخاص خارج البلاد لتلقي التدريبات العسكرية إنما كان بهدف إعادتهم مدربين إلى داخل الأراضي الفلسطينية للقتال جنباً إلى جنب مع زملائهم وإخوانهم من أفراد المقاومة الفلسطينية، واطلاع الأخيرين على أساليب القتال الفريدة التي استطاع بها حزب الله هزيمة الإسرائيليين من قبل، وفي هذا ما يكفي لدفع تهمة الإرهاب والتخطيط للقيام بعمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية، على النحو الذي استظهرته النيابة العامة في أمر الإحالة.

والثابت من أفعال المتهمين، بصرف النظر عن تكييف النيابة لها، أنها لا صلة بينها وبين نص المادة 86 عقوبات، من حيث اشتراطها ـ لتحقق جريمـة الإرهاب المنصوص عليهـا فيهاـ استخدام القوة أو العنف أو التهديد أو الترويع وأن يكون الهدف من ذلك هو «الإخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر...»، لأن مقصد المتهمين من أفعالهم المذكورة كان، قطعا، غير مقصود نص المادة (86) عقوبات تماماً.

ولا دليلَ تقومُ عليه مزاعم الشاهد الأول، وتحرياته السرية (!!) من أن الهدف من حفر وتجهيز الأنفاق السرية، على النحو المتقدم، كان بهدف استخدامها في تهريب المواد المفرقعة، والأشخاص من وإلى داخل البلاد لتنفيذ عمليات إرهابية بها، لأن النفق المعني كان موجوداً قبل موافقة المتهم الثالث والعشرين على العمل بمقابل مادي مع المتهمين الآخرين، وكان محفوراً بقصد تهريب السلع والتجارة فيها، كما أن هذه المزاعم لا تستقيمُ مع ما هو ثابتٌ في خصوص المواد المتفجرة والأشخاص المهربة من هذه الأنفاق.

فأما عن المواد المتفجرة

فقد ثَبتَ من خلال التحقيقات أن المتهم الثالث تَسلَّمَ من المتهم الرابع حزامين ناسفين وحقائب مفرقعة وكمية من مادة الـ«تى إن تى»، واحتفظ بها جميعا في مسكنه لفترة قبل أن يقوم بتسليمها للمتهم التاسع عشر، ثُـمَّ تَـمَّ تسليم حقيبتين متفجرتيـن من تلك التجهيزات المفرقعة لشخصين فلسطينيين؛ وهو ما يعني أن التجهيزات المتفجرة تم تجهيزها لإمداد أفراد المقاومة الفلسطينية بها، وهو ما حدث فعلاً، إذ تم تهريب جزء منها لفلسطين.

كما أن تهريب جزء مـن التجهيزات المتفجرة لفلسطين، والاحتفاظ بجزءٍ آخر، لا يعني ـ بحال من الأحوال ـ أن هذا الجزء الأخير تمَّ الاحتفاظ به من أجل استخدامه في عملياتٍ إرهابيةٍ داخل البلاد. فهذا التصور لا يمكن التسليم به لسببين، أولهما: أن هذه المتفجرات في حوزة المتهمين منذ عام 2007م، ولم يستخدموها في أي عمليةٍ داخل البلاد. وثانيهما: أن قيام المتهمين بتهريب جزء والاحتفاظ بجزءٍ آخر أمرٌ طبيعي ومنطقي ومكرر في جميع عمليات الكفاح الشعبي المسلح ضد الاستعمار كما سيأتي لاحقًا في التعليق على مرافعة النيابة العامة في الدعوى.

 

أما بالنسبة للأشخاص

فلا يمكن التسليم بأن تهريبهم من وإلى داخل البلاد كان بهدف قيامهم بارتكاب عمليات إرهابية داخلها، كما جاء في أمر الإحالة وقائمة أدلة الثبوت. فالشخصان الفلسطينيان اللذان تَسَلَّمَا الحقيبتين المتفجرتين تمَّ تهريبهما بمساعدةٍ من المتهمين الرابع، والتاسع عشر، عبر طريق وادي العمر إلى الأراضي الإسرائيلية، أي إنهما حصلا على المواد المتفجرة وتسللا خارج البلاد إلى الأراضي الإسرائيلية لاستخدام هذه المواد المتفجرة بها!!

ودراسة مدى إمكان تهريب أشخاص إلى السودان كان بسبب عزم المتهمين الأول والثاني على شراء شحنة صواريخ من السودان ونقلها إلى غزة، عبر الأراضي المصرية، ولكن هذه الصفقة لم تتم، لصِغَر حجم تلك الصواريخ، غير أن الشاهد المهم في هذا الشأن هو أن الهدف من ذلك أيضًا كان تهريب السلاح إلى غزَّة، وليس القيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية.

وغني عن البيان أنه ليس شرطاً أن يكون تهريب أشخاص إلى داخل البلاد بغرض قيام هؤلاء الأشخاص بعملياتٍ إرهابيةٍ فيها، وإلا لاعتبرنا ـ من نفس المنطلق ـ أن المصريين الذين يهاجرونَ للدول العربية والأوروبية بحراً وبرَّاً، بطرقٍ غير شرعيةٍ، إرهابيون، شأنهم في ذلك شأن أولئك الذين تسللوا للبلاد عبر الحدود الفلسطينية والموصوفين في حالتنا الراهنة بالإرهابيين! ويقطع ببطلان هذا الوصف أن الأخيرين تسللوا إلى داخل البلاد ومكثوا فيها فترة من الزمن، ولم يقوموا بأي عمل إرهابي بأي شكل من الأشكال.

وتنبغي الإشارة هنا ـ مرة ثانيةـ إلى موقف مصر من موضوع الأنفاق الذي عبَّر عنه الرئيس محمد حسني مبارك في خطابه بمناسبة عيد الشرطة في عام 2009 سالف الذكر. وإلى كلام وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط عن أن غزة ليس لها سبيل لمواجهة الحصار إلا عبر مصر (مقدم في حافظة مستقلة إلى الهيئة الموقرة) ثم إلى التغير السياسي الذي طرأ على هذا الموقف ما بين 4 فبراير 2009 (يوم ألقى الرئيس ذلك الخطاب) و24/1/2010 يوم ألقى خطابه الأخير، في عيد الشرطة أيضًا. وفي المستند الذي نقدمه (مقال الكاتب الكبير فهمي هويدي في صحيفة الشروق القاهرية اليومية، الثلاثاء 16/2/2010) بيان كافٍ عن الطابع السياسي للمسألة برمتها ولمواقف مصر منها.

إننا نحاكم ـ بين ما نحاكم به ـ بمقتضى قرار رئيس الجمهورية رقم 298 لسنة 1995 بشأن تأمين الحدود الشرقية بجمهورية مصر العربية، ومُصْدِرُ هذا القرار نفسه هو الذي قال في 2009 إن الأنفاق من ضرورات التغلب على الحصار الظالم لأهل غزة، وإن مصر ستبذل غاية جهدها لفتح المعابر وإنهاء الحصار. ولا مراء في أن التأمين المراد في هذا القرار الجمهوري هو التأمين ضد العدوان لا ضد الذين يقاومون العدو ويقفون حجر عثرة في وجه تنفيذ مخططاته العنصرية للهيمنة على المنطقة كلها، والتوسع حيثما استطاع، في اغتصاب الأرض وتشريد ملاكها الأصليين إلى حيث ألقت، بلا وازع من ضمير أو شعور بالإنسان وحقوقه.

والدفاع يربأ بالهيئة الموقرة أن تأخذها السياسة في دهاليزها، أو تؤثر في قضائها اعتباراتها. وهو يوقن أن المستقر قانونًا هو الذي سوف ينطق به الحكم الذي تصدرونه إن شاء الله.

الدليل الثاني: الدراسة الميدانية للقرى والمدن والطرق الرئيسية بمحافظتي شمال وجنوب سيناء، سيما الواقعة منها بالمناطق الحدودية، دون غيرها من القرى أو المدن الواقعة في العمق المصري ذات الكثافة السكانية العالية مثل القاهرة والإسكندرية، أو المشهورة بالآثار السياحية مثل الأقصر وأسوان

  وهذا دليلٌ على أن ما قام به المتهمون إنما كان بهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وليس تمهيدًا لعمل إرهابي كما ذهب إليه أمر الإحالة! فرصدُ القرى والمدن الحدودية المتاخمة للأراضي الفلسطينية والإسرائيلية إنما يعني أن الأعمال المطلوب تنفيذها ستكون داخل هذه الأراضي، ويشهد على ذلك النفق السري المشار إليه سابقاً، والعبوات المتفجرة التي تمَّ تهريبها لهذه الأراضي مع الفلسطينيين اللذين تسللا إلى البلاد لأجل هذا الغرض خصيصاً.

ولو صَحَّ الزعمُ بأن رصد هذه القرى والمدن الحدودية كان بغرض استهدافها واستهداف السياح فيها، لكان من الأولى أن يستهدف المتهمون قرىً ومدنا أكثر كثافة سكانية، كالقاهرة والإسكندرية، وكثافةً سياحيةً، كالأقصر وأسوان، لأن مثل هذه المدن من السهل أن يتوارى فيها عن الأنظار من يريد أن يتوارى، بعكس المدن الحدودية مع فلسطين وإسرائيل، التي تشتهر بأن قبضة الأمن فيها قبضةٌ شديدةٌ، والدخول إليها والخروج منها يخضع لرقابةٍ أشدّ، وبها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي قرىً ومدن أهلها من أبناء القبائل والعشائر، يعرف بعضهم بعضًا، ولا يمكن للغريب أن يبقى بينهم غير ملاحظٍ وجودهُ وسلوكه وصِلاتُه، فهي أسوأ الأماكن وأقلها أمنًا لمن يريد التخريب ويقصد الإرهاب!! ولا يقصدها لمثل ذلك إلا غبيٌّ، وهي صفة يعلم العدو قبل الصديق أنها لا تصدق قط على حزب الله ورجاله!!

ويؤكد ذلك أيضًا ، ولا ينفيه!!، ما جاء بشهادة الشاهد الأول، العقيد / أحمد عاطف أحمد، من أن المتهم الثاني أصدر تكليفه للمتهم الثالث «برصد كافة القرى والطرق الرئيسية والفرعية والدروب الصحراوية المؤدية للمناطق الحدودية مع قطاع غزة..»، فالرصد كان واقعا على كل ما هو مؤدٍ إلى قطاع غزة، وليس كل ما هو مؤدٍ للقاهرة أو الإسكندرية أو الأقصر مثلا.

الدليل الثالث: الدراسة المطلوبة عن تكاليف

شراء أو تصنيع أو استئجار مركب صيد

وهذه الدراسة أشارت إليها النيابة العامة، في قائمة أدلة الثبوت، على لسان المتهم الثاني بقوله:

«إن المتهم الأول/ محمد قبلان أصدَرَ تكليفاً للمتهم السابع عشر بإعداد دراسة لشراء أو استئجار مركب صيد للاستفـادة منها في تهريب الأسلحة إلى قطاع غزَّة...». كما أشارت لها أيضًا، في ملاحظاتها، نقلاً عن المتهم الثاني عشر أنه ذكر أن«المتهم الأول كلَّفهُ لعلمه بعمله على مركب صيد بإعداد دراسة عن تكاليف شراء أو تصنيع مركب صيد، حيث أعدَّها فعلاً وسلمها له مقابل مبلغ أربعمائة جنيه....»، وجاء ذكر هذه الدراسـة أيضًا في موضع ثـالثٍ بقائمة أدلة الثبوت على لسان المتهم السابع عشر، بقوله«....إن المتهمين الأول والثاني أفصَحَا له في غضون عام 2007م عن عملهما في حقل الجهاد الفلسطيني وكلَّفاه بدراسة جدوى شراء أو استئجار مركب صيد مزوَّد بمخزن سرى لاستخدامه في تهريب السلاح إلى قطاع غزة ولبنان ...»

وأيًّا ما كان الموضع الذي جاء فيه ذكر هذه الدراسة، أو اللسان الذي جاءت عليه، فإن الحقيقة الوحيدة المؤكدة من ذلك هي أن المتهم الثاني، والمتهم الأول، قد طَلَبَا وكلَّفَا بعضا من المتهمين بهذه الدراسة، وهي تشير بوضوحٍ تامٍ إلى هدف المتهم الثاني، والمتهمين جميعاً، وهو تهريب السلاح إلى غزَّة ولبنان لمحاربة الإسرائيليين، وليس تهريب السلاح أو المتفجـرات إلى مدينةٍ مصريةٍ ساحلية لاستهدافها، أو للقيام بأعمال داخل مصر للإخلال بالنظام العام أو لتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، كما هو صريح نصّ المادة (86) عقوبات.

 ويؤكد ذلك، أيضا، ما جاء على لسان المتهم السابع عشر من «أن المتهمين الأول والثاني أخبراهُ بأنهما سيستخرجان له تأشيرة دخول إلى لبنان لمعاينة ميناء وصول المركب المزمع تصنيعه، وسلَّماهُ مبلغ خمسمائة جنيه لهذا الغرض...»

فَوِجهةُ المركب، المقصودة للمتهم الثاني وسائر المتهمين ذوي الصلة بهذا الأمر، كانت هي لبنان، أو غزة، ولو كانت الفكرة قد اكتملت، سواءً بشرائهِ أم بتصنيعهِ أم باستئجاره، فإنه كان سيستخدم في تهريب السلاح إلى لبنان، أو غزة، ولا مجال بعدئذٍ للحـديث عن أنَّ المتهمين بأفعالهم تلك كانوا يستهدفون ـ في مصر ـ  الإخلال بالأمن والنظام العام، أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر.

الدليل الرابع: إخفاء النيابة العامة التَامّ والمقصود

وإغفالها العمدي لأقوال المتهمين، الرابع والعشرين

والخامس والعشرين، التابعين لحركة فتح الفلسطينية

في الوقت الذي عرضت فيه النيابة لأجزاء مبتورة من أقوال بعض المتهمين، رأت أنها تُفيدُ حتماً ـ وهي مبتورة ـ في الانتهاء إلى إدانة المتهمين، وجدناها ـ عمداً ومع سبق الإصرار ـ أعرَضَت إعراضاً تاماً عن، بل أخفت، كل الإخفاء، أقوال المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين، واكتفت في إشارتها لأقوالهما بأنهما تسللا للبلاد عبر النفق المشار إليه قبلاً، وأن أقـوال ثانيهما جاءت بنفس مضمون أقوال أولهما، ولكن السـؤال:

ما هي أقوال أولهما؟!

وما هي أقوال ثانيهما التي جاءت بنفس مضمون سابقتها؟!!!

وما السبب الحقيقي في إخفاء النيابة لأقوال المتهمين المذكورين عمداً ؟!!

ما من شكٍ في أن النيابة العامة وهي تُعد قائمة أدلة الثبوت، لم يسقُط منها سهواً عرض أقوال المتهمين المذكورين ! ولكنها أسقطتها بعمدٍ مقصودٍ، أو قصد متعمد(!!) لأن أقوال المتهمين المذكورين تفيدُ حقيقةً واحدةً : وهي أن الهدف من نشاط المتهمين كاملاً كان مساندة القضية الفلسطينية، ودعم المقاومة الفلسطينية، بتدريب عناصرها وإمدادهم بالسلاح والعتاد .. وأن هذا في حد ذاته ينفي عن المتهمين جميعاً تهم الإرهاب والسعي والتخابر. ولذلك كان على النيابة أن تستبعد من قائمة أدلة الثبوت كل ما يحول دون هدفها المنشود وعقيدتها التي عليها عقدت العزم منذ البداية، فالمتأمل في أقوال المتهمين المذكورين الثابتة بتحقيقات النيابة العامة يقتنع بصدق روايتنا، لا بصدق ما أورده أمر الإحالة ومرافعة النيابة، عن قصود المتهمين ونياتهم، وذلك ما نشير إليه فيما يأتي:

(أولا): بالنسبة للمتهم الرابع والعشرين الواردة أقواله

بالجزء السابع والعشرين من التحقيقات

( 1 ) قرر ( صـ5 ) ما نصه :

«أنا مُنضَم لكتائب شهداء الأقصى الفلسطينية .... وتدريبي سيكون في غزة أو لبنان وتنفيـذ العملية سيكون في إسرائيل طبقاً لما أبلغت به من قيادتي في شهداء الأقصى... أنا عاوز أنفذ عملية استشهادية ضد اليهود سواء في إسرائيل أو أي دولة أخرى ماعدا الدول العربية طبعاً ......»

( 2 ) قرر ( صـ12 ) ما نصه:

« أنا علمت من قيادتي في شهداء الأقصى أنني سأتوجه إلى العريش لكي أقابل أشخاص سوف يختبرونني ولم يحددوا لي طبيعة هذا الاختبار وذلك لأنني كنتُ مرشحاً لتنفيذ عملية داخل إسرائيل وأن قيادتي أخبرتني أن هؤلاء الأشخاص ليسوا تابعين لكتائب شهداء الأقصى ولكنه تنظيم جديد ولم يحددوا لي هذا التنظيم ......»

 ( 3 ) قرر ( صـ29 ) ما نصه :

«بعد تسللي من غزة إلى مصر عبر الأنفاق توجهت مع زميلي محمد رمضان برفقة المدعو أبو محمد بسيارة أجرة إلى منـزل موجود بالعريش حيث تقابلنا مع أبو حسن (محمد يوسف منصور) وسألَنا عن سبب رغبتنا في تنفيذ عملية استشهادية في إسرائيل فأجبنا بأن ذلك حُباً لفلسطيـن وضيقا من الاحتـلال وأن هذا هو الجهاد في سبيل الله، وسألنا أبو حسن ( محمد يوسف منصور ) إذا ما سافرنا إلى أوروبا للعمل هناك هل سنكون بنفس العزيمة والقوة والرغبة في الجهاد فأجبنا بأن عزيمتنا قوية ونرغب في تنفيذ عملية ضد اليهود داخل إسرائيل، فقال لنا بأنه ممكن يرجعنا غزة تاني علشان يتم تدريبنا على تنفيذ العملية ضد اليهود وأن التدريب ممكن يكون في غزة، وأخْبَرَنا بأننا نجحنا في الاختبار .....»

( 4 ) قرر ( صـ31 ) ما مضمونه:

«أنه من المعروف منذ مجيئهم من فلسطين أن هذه العملية ستكون داخل إسرائيل رداً على سؤال وجه إليه وهو : هل حدد المتهم محمد يوسف منصور الشهير بأبو حسن مكان تنفيذ العملية ؟»

 ( 5 ) قرر ( صـ32 ) ما مضمونه :

«رداً على سؤال وجـه له : هل أبلغه المتهم محمد يوسف منصور عن كيفية الدخول لإسرائيل ؟ فأجاب : بأن محمد يوسف لم يحـدد له الكيفية ولكنه علم وهو في فلسطين من أبو صهيب وأبو علاء [ القياديين بكتائب شهداء الأقصى ] أنه من الممكن أن يدخل إسرائيل عن طريق غزة أو لبنان أو سوريا وأنهم عندما يذهبوا لمصر ويتقابلوا مع التنظيم الجديد سوف يحدد لهم الطريقة ....».

 

 

 

 

(ثانيًا) : بالنسبة للمتهم الخامس والعشرين الواردة أقواله

بالجزء السابع والعشرين من التحقيقات

( 1 ) قرر ( صـ13 ) ما مضمونه :

«أن أبو صهيب وهو قيادي في كتائب شهداء الأقصى قال له هو والمتهم نضال فتحي (الرابع والعشرين) أنهما سيذهبان إلى مكان وسيقابلان في هذا المكان شخص يدعى أبو حسن الذي سيقوم بدوره بتسفيرهما إلى لبنان لكي يتلقيا تدريباتٍ عسكرية للقيام بعملية ضد اليهود ....»

 ( 2 ) قرر ( صـ17 ) ما مضمونه:

« أنه تقابل مع أبو حسن ( محمد يوسف منصور ) في العريش وكان معه زميله المتهم الرابع والعشرين، وأن أبو حسن سألهما عن معنوياتهما وهل عندهما رغبة أكيدة في تنفيذ عملية استشهادية، وتحدث معهما عن إسرائيل، وسألته عن مكان تنفيذ العملية فأجابه (المتهم الثاني) بأنه بعد تدريبهمـا في لبنـان سيتم تنفيذ العملية في إسرائيل ..»

( 3 ) قرر ( صـ30 ) ما مضمونه:

« أن كلا من المدعو أبو علاء حجازي وأبو صهيب القياديين في حركة فتح أخبراه بأنهما تعرفا قريباً على شخص لبناني يدعى أبو حسن وأن هذا الشخص سيعاونهم، وأنه من الممكن أن يعاون أي تنظيم شعبي في غزة .....»

( 4 ) قرر ( صـ31 ) ما مضمونه:

« أن أبو علاء وأبو صهيب قالا له إن أبو حسن سوف يساعدهما في تدريب العناصر التابعة لحركة فتح والتي ترغب في الاستشهاد بإسرائيل وأنه سوف يأخذهما إلى لبنان لتدريبهما وبعد ذلك تعود تلك العناصر مرة أخرى بعد تدريبها إلى إسرائيل للقيام بعمليات استشهادية أو هجومية.....»

( 5 ) قرر ( صـ31 ) أيضًا:

«رداً على سؤال عن كيفية نشأة تلك الصلة بين حركة فتح ممثلة في كتائب شهداء الأقصى وبخاصة تلك المجموعة المذكورة وبين المتهم أبو حسن (محمد يوسف منصور) أجاب بأن هذا التعارف جديد وتم بطريق النت وفقاً لما سمعه ....»

( 6 ) قرر ( صـ32 ) ما مضمونه :

« أن قيادته قالت له إن أبو حسن ( محمد يوسف ) رجل يساعد الحركات الشعبية الضعيفة التي لا يصلها أية مساعدات من الخارج مثل حركة فتح .....»

 ( 7 ) قرر ( صـ33 ) ما مضمونه :

« أن الهدف من العلاقة التي ربطت بين المتهم أبو حسن ( محمد يوسف ) وعناصر حركة فتـح أن المتهم المذكور سيساعدني في التدريـب العسكري لعناصر الحركة، وإعادتهم بعد التدريب لأداء عمليـات استشهادية ضد الإسرائيليين في إسرائيل، وأن وسيلتـه هي إرسال العناصـر الراغبـة في الاستشهاد إلى لبنان حتى يتم تدريبهم هناك.....»

( 8 ) قرر ( صـ42 ) ما مضمونه :

«أنه سيتم دخولهم بعد تدريبهم في لبنان إلى إسرائيل لتنفيذ العملية وذلك عن طريق الجنوب اللبناني وأن من سيتولى تدريبهم في لبنان هم الذين سيقومون بإدخالهم إلى إسرائيل وفقاً لما قاله له أبو صهيب وأبو علاء القياديين في حركة فتح ....»

كما جاءت تحريات مباحث أمن الدولة التي قام بها العقيد / أحمد عاطف، بتاريخ 4/4/2009م، لتُثبت أنَّ المتهمين المذكورين، الرابع والعشرين والخامس والعشرين، ينتميان لكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح، وأن وجودهما بمصر واتصالهما بالمتهم الثاني كان بتكليفٍ من قياديين بارزين بكتائب شهداء الأقصى وحركة فتح، هما أبو صهيب وأبو علاء، وأن الهدف من ذلك كله كان مساعدة حركات المقاومة الفلسطينية ممثلةً هنا في حركة فتح (كتائب شهداء الأقصى) في نضالها ضد إسرائيل، وأن هذه المساعدة من جانب المتهم الثاني كان مقدرًا لها أن تكون بتدريب العناصر في الجنوب اللبناني، وإعادة دفعهم إلى قطاع غـزة، والإمداد بالسلاح والعتاد ..

فالتحريات، والتحقيقات، وأقوال المتهمين المذكورين تُثبت جميعها أن المتهمين لم يكونوا ينتوون القيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية، وأن نشاطهم لم يكن أبداً بهدف السعي والتخابر لدى حزب الله اللبناني للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر أو ضدها، خاصةً وقد ثبت من التحقيقات والتحريات وأقوال المتهمين أن هناك تنظيماً آخر، أو جماعةً أخرى، بل حركة مقاومة أساسية، ضد الصهيونية والاحتلال، ضالعة في هذا الأمر هي حركة فتح (كتائب شهداء الأقصى) وأن من بين المتهمين من هو مُنتَمٍ لهذه الحركة، كالمتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين، وأن دخولهما للأراضي المصرية واتصالهما بالمتهم الثاني كان بغرض قيام الأخير بتسفيرهما للجنوب اللبناني ليتلقيا التدريبات اللازمة تمهيداً لإعادة دفعهما إلى داخل إسرائيل للقيام بعمليات استشهادية أو هجومية ضدها، كان هذا هو المقصد، وفي إطاره كان نشاط المتهمين جميعًا.

فإذا ما استقام ذلك فليس لعاقلٍ أن يزعم أو يتصور أن عُضوي حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى (ذراعها العسكري)، المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين، تسللا للأراضي المصرية للقيام بعمليات إرهابية ضد المصالح المصرية بإيعازٍ واتفاقٍ ومساعدةٍ من المتهم الثاني. لأن التحقيقات والتحريات أثبتت أن المتهمين المذكورين تابعان لحركة فتح وكتائب شهداء الأقصى، وأن تسللهما لمصر كان بتكليفٍ من قيادتهما ممثلةً في القياديين أبو صهيب وأبو علاء، وليس يخفى على أحد أن حركة فتح شريكٌ أساسي للقيادة المصرية، وأن قيادتها على وفاقٍ كامل مع القيادة المصرية، بل إن جميع الفصائل الفلسطينية والكتائب التابعة لها، بمـا فيها حمـاس، على وفاقٍ مع القيادة المصرية، وتجمعهما لقاءات متعددة بالأراضي المصرية، بل إن كل تحركاتهم تقفُ عليها القيادة المصرية أولاً بأول . فهل يُعقل أن يأتي أفرادٌ تابعون لهذه الفصائـل بتكليفٍ من قادةٍ بارزين بهذه الفصائل، كأبـي صهيب وأبي علاء، للقيام بعمليات إرهابيـة على أرض مصر أو ضد أمنها واستقرارها ؟!!

لو صَحَّ هذا التصُّور المزعوم لكان على النيابة، المنصفة والأمينة على الدعوى الجنائية، أن تتهم حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى كما اتهمت حزب الله !! خاصةً وأن اثنين من المتهمين عضوان تابعان لحركة فتح وكتائب شهداء الأقصى . ولكان على الإعلام الحر البنَّاء أن يتناول قادة فتح وكتائب شهداء الأقصى باللوم والتقريع والهجوم اللاذع، أو بشيء، ولو قليل، مما ناله حزب الله من هذا الإعلام الحر نفسه!!!

ولا يقدح في ذلك أن النيابة العامة لم تُوجِّه للمتهمين المذكورين، الرابع والعشرين والخامس والعشرين، تهمة السعي والتخابر للقيام بعمليات إرهابية على أرض مصر أو ضدها، واكتفت بتوجيه تهمة التسلل للبلاد بطريقٍ غير مشروعٍ لهما !!

وذلك لأن المتهمين المذكورين هما المقصودان بالعبارة الواردة بالاتهام الأول «البند أولا» من أمر الإحالة، والتي فيها تتهم النيابة المتهمين من الثالث حتى الثاني والعشرين بأنهم تعاونوا مع مندوبي حزب الله «في تسهيل سفر البعض ممن يعملون لأهداف هذا الحزب إلى خارج البلاد بطرقٍ مشروعةٍ وغير مشروعةٍ لتلقي التدريبات العسكرية.... ثم العودة للبلاد لتنفيذ عمليات إرهابية على النحو المبين بالتحقيقات»، وفي البنديـن سادسـا /3، وثامنا، وصفت النيابة نشاطهما بقولها إنهما «يمارسان نشاطا يُخل بالأمن والنظام العام على النحو المبين بالتحقيقات»...

بل إن المتهمين المذكورين هما المعنيان ـ فرضا لا واقعاـ والمقصودان بالعبارة المشار إليها آنفاً بالبند أولاً من أمر الإحالة، فهما المعنيان بالسفر خارج البلاد بطرقٍ مشروعة وغير مشروعة لتلقى التدريبات ثم العودة للقيام بأعمال إرهابية بمصر، إذ ليس من بين المتهمين جميعهم من أُثير بالتحقيقات أنه سيسافر إلى الخارج ( الجنوب اللبناني ) لتلقي تدريبات عسكرية إلا المتهمان المذكوران، وليس من بين المتهمين من ثَبت أن مهمته كانت من البداية للنهاية هي السفر عبر الأراضي المصرية إلى الجنوب اللبناني لتلقي تدريبات عسكرية إلا المتهمان المذكوران. وبالتالي فقد ارتكب المتهمان المعنيان الجريمة التي تتحدث عنها النيابة في البند أولا من أمر الإحالة، وهي السفر خارج البلاد لتلقي تدريباتٍ عسكرية للقيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية [ وهذا كله حسب تصوير النيابة للواقعة في اتهامها الوارد بالبند أولا من أمر الإحالة، بفرض صحته فرضاً جدلياً ليس إلا]. وبالتالي كان على النيابة اتهام المتهمين الرابع والعشرين والخامس والعشرين بالتخابر والسعي لدى حركة فتح للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر، وكان على النيابة أن تتهم حركة فتح بأنها تخطط للقيام بعمليات إرهابية داخل مصر، لاسيما وأن المتهمين المذكورين قد جاءا لمصر بناء على تكليفٍ من قيادتهما ممثلة في أبو صهيب وأبو علاء، القائدين بكتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح.

 

الدليل الخامس: تقليد النيابة العامة لصاحب

 محضر التحريات في كلمات أو عبارات أنشأها

من عند نفسه، وفي إضافته إياها لأقوال المتهم

الثاني وهي لم ترد على لسانه أصلا

أضافت النيابة العامة كلمات أو عبارة في قائمة أدلة الثبوت نسبتها للمتهم الثاني وهي لم ترد على لسانه إطلاقاً بالتحقيقات !!! وهذه الكلمات تحديداً تقوم عليها جميع الاتهامات في القضية الماثلة، ولذلك فقد رددتها النيابة العامة كثيراً بقائمة أدلة الثبوت، وبالمرافعة الشفهية بجلسة 26/1/2010 وجعلتها مُتممة لجميع الأقوال. وهـذه الكلمات أو العبارات هي: «تمهيـداً لاستهدافهـم» أو« لاستهدافها» أو« للقيام بعمليات إرهابية»!!!

فالقارئ لأقوال المتهم الثاني بالتحقيقات أمام النيابة، أو لما قيل أنه أورى به للمقدم/ سامي إبراهيم، الذي تولـى اعتقاله، والثابت بمحضـر الاعتقال، لا يجد لهذه العبارات أساساً إطلاقا، ولم ترد على لسان المتهم الثاني أصلا، ولكن النيابة وهي تعرض لملاحظاتها بقائمة أدلة الثبوت، وتحديداً في الصفحتين ( 24، 25 ) أضافت هذه العبارات من عندها لأقوال المتهم المذكور مرددة بذلك أقوال الشاهد الأول، العقيد/ أحمد عاطف، صاحب التحريات السرية، بحروفها!! وأقواله ثابتة أيضا ببداية قائمة أدلة الثبوت وبها نفس العبارات الزائدات من عنده، كما تمسكت بها النيابة وأخذت ترددها على أنها ضمن أقوال المتهم الثاني، فكلما تحدث المتهم عن الإسرائيليين أضافت النيابة عبارة لاستهدافهم!! وحيثما تحدث عن السفن الإسرائيلية أضافت النيابـة عبارات لاستهدافهـا أو للقيام بعمليات إرهابية ضدها، هكذا من عندهاأو من عند الشاهد الأول، لا فرق بين الأمرين، فكلاهما إضافة مفسدة لأقوال المتهم لا يجوز أن يقع في صنعها مأمور الضبط القضائي ولا النيابة العامة.

وهـذه الكلمات لو لم تقم النيابة بإضافتها من عندياتها ـ أو من عند الشاهد الأول تقليدًا له ـ لأقوال المتهم المذكور، لأصبحت التهم المسندة إليه لا أساس لها ولا سند، ولأصبحت القضية لا وجود لها ولا عَمَـد، وهي، حقيقةً وفعلاً، كذلك. فلا تهمة ولا قضية ولا جريمة لولا هذه الكلمات المضافة بقلم النيابة ولسانها، ومن قبلها بلسان ضابط مباحث أمن الدولة ـ الشاهد الأول ـ فيما سطره بقلمه من تحرياته!!.

القسم الخامس : عدم جدية أو معقوليـة التحريات

وبطلان كل ما ترتب عليها من آثار

(أولا) : الدفع بعدم جدية تحريات مباحث أمن الدولة وبطلانها

هذا الدفعُ، والدفعُ التالي له، كان يجب إبداؤهما في بدايةِ دفاعنا ومرافعتنا عن المتهم الثاني، ولكنَّا آثرنا أن نعرض لهما في النهاية بعد أن نكون تناولنا ما عداهما من أوجه الدفاع، لأن هذين الدفعين يرتكزان على تحريات مباحث أمن الدولة باعتبارها الدليل الوحيد الباقي على إدانة المتهم الثاني، وباقي المتهمين، بعد أن تهاوت جميع الأدلة على نحو ما شرحنا آنفاً.

 وهذا الدفع نتناولُ فيه تحريات العقيـد/ أحمد عاطف أحمـد، الضابط بجهاز مباحث أمن الدولة، التي هي أساسُ القضية الماثلة وعمادها، وهي تحرياتٌ سريةٌ، لم يكشف صاحبها عن مصادرها واحتفظ بها لنفسه، وهذه التحريات جعلتها نيابة أمن الدولة العليا بمثابة شهادة إثبات أولى ورئيسية ضد المتهمين، وعرضت لها بقائمة أدلة الثبوت على رأس هذه الأدلة، وافتتحتها بها.

كما نتناولُ في هذا الدفع أيضًا مذكرة تحريات المباحث التي أُودعت ملف القضية أثناء تداول القضية بالجلسات، وذلك فيما يخص المتهم الثاني / محمد يوسف منصور.

أمَّا الأولى، تحريات العقيد / أحمد عاطف، فقد عرضت النيابة لها في مستهل قائمة أدلة الثبوت على لسان العقيد المذكور، والذي شهد ـ بحصر اللفظ ـ بأنه:

«من نحو ستة أشهر سابقة على شهر نوفمبر عام 2008م وردت إليه معلومات من مصادره السرية مفادها اضطلاع حزب الله اللبناني بالتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد، مستهدفاً التأثيـر على مقوماتهـا الاقتصادية، وتحريض الجماهير ضد الشرعية تحت ستار دعم المعلومات، وأنه في غضون عام 2005م بدأ المتهمان الأول والثاني (عضوا حزب الله) في وضع البرنامج الحـركي بلوغـاً لأهـداف الحزب الإرهابيـة داخل مصر، حيث كـان من بينها ......... رابعاً: إعداد وتصنيع العبوات المفرقعة وحيازتها بقصد استعمالهـا في تنفيـذ العمليـات الإرهابيـة داخل البلاد مع تهريب جـزء منها عبـر الأنفاق.........، خامساً : رصد وتحديد أعداد الأفواج السياحية المترددة على جنوب سيناء تمهيداً لاستهدافهم بعمل إرهابي، سادساً : استئجار بعض العقارات المطلِّة على المجرى الملاحي لقناة السويس لرصد البوارج الأمريكية والإسرائيلية بقصد استهدافها بعمليات إرهابية، سابعاً : استقبال وإيواء العناصر المتسللة للبلاد عبر الأنفاق وتسهيل سفر بعضهم للبنان لتلقى دورات عسكريـة تدريبية ثم دفعهم داخل البلاد لتنفيذ عمليات إرهابية ....».

وهذه التحريات السرية، التي اعتبرتها النيابة دليل الإثبات الأول واعتبرت صاحبها شاهد الإثبات الأول أيضًا، لا يصح إطلاقاً أن تكون ـ بشكلها السابق ـ وحدها دليـلاً أو قرينـةً على إدانـة المتهمين وثبوت التهم في جانبهم، وذلك لأسباب ثلاثة :

السبب الأول: أن هذه الشهادة وهذه التحريات السرية، التي لم يُفصح لنا العقيد / أحمد عاطف عن مصادرها، ولم يُفِد المحكمة علما بمن أجروها وتوصلوا إليها وكيفية وقوفهم عليها ودلائلهم على ذلـك، وإمساكه في شهادته أمام النيابة بشأنها عند حد القول بأنها «معلومات وردت إليه من مصادره السرية ...» لا تُفيد إطلاقاً في صحة الاتهام المسند للمتهمين، ولا يصحُ أبدا في مجال المحاكمة الجنائية الأخذ بها كدليلٍ وحيدٍ ـ بعد تهاوى باقي الأدلة ـ على القضـاء بالإدانـة، حتى لو لم يُنازع الدفاع فيها، لأنها في النهاية لا تعـدو أن تكون مجرد تعبير عن رأي قائلها ومجريها لا أكثر، ولذلك، فإن الأخذ بهــا ـ في هذه الحالة ـ يكون اعتناقاً من القاضي الجنائي لرأيٍ وعقيدةٍ خاصين بسواه، تدخل فيهما الأهـواء، ويُصيبُهمَا الشَطَطُ والمُبَاَلغةُ، وهذا محرمٌ في المحاكمات الجنائية، ولذلك استقر قضاء النقض على أنه:

«وإن كان الأصل أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة طالما أنها كانت مطروحة على بساط البحث، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون قرينةً معينةً أو دليلا أساسيا على ثبوت التهمة. ولما كان الثابت أن ضابط المباحث لم يبين للمحكمة مصدر تحرياته لمعرفة ما إذا كان من شأنها أن تؤدي إلى صحة ما انتهي إليه، فإنها بهذه المثابة لا تعدو أن تكون مجرد رأي لصاحبها تخضع لاحتمالات الصحة والبطلان، والصدق والكذب، إلى أن يعرف مصدره، ويتحدد كنهه، ويتحقق القاضي منه بنفسه، حتى يستطيع أن يبسط رقابته على الدليل، ويقدر قيمته من حيث صحته أو فساده وإنتاجه في الدعوى أو عدم إنتاجه، وإذ كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها رأي محرر محضر التحريات، فإن حكمها يكون قد بنيعلى عقيدة حصلها الشاهد من تحريه، لا على عقيدة استقلت المحكمة بتحصيلها بنفسها، فإن ذلك مما يعيب الحكم المطعون فيه، بما يتعين معه نقضه والإحالة بغير حاجة إلى بحث باقي ما يثيره الطاعن في طعنه»[ نقض 17/3/1983، مج سنة 34، القاعدة رقم 79، ص 39؛ونقض 18/3/1968 مج سنة 19، القاعدة رقم 62، ص 334 ].

السبب الثاني: أن هذه الشهادة وهـذه التحريـات السرية ليس فيها أي قدر من الجدية، وغير مقبولـة عقلا أو منطقاً، لأنه وحسبما هو ثابتٌ بنصها كما عرضنا لها آنفاً على لسان صاحبهـا، العقيـد / أحمد عاطف، أنه«ومن نحو سـتـة أشهر سابقة على نوفمبر عام 2008م ...... وَرَدَتْ إليه معلومات من مصادرهالسرية تفيد بأن حزب الله يخطط للقيام بعمليات إرهابية داخل البلاد، وأن هذه العمليـات تتـم على عدة أصعـدة، منها تصنيع المتفجرات، واستهداف السائحين،واستهداف السفن والبوارج الإسرائيلية في قناة السويس، وتهريب بعض العناصر داخل البلاد للقيام بعمليات إرهابية ... إلخ».والسؤال الذي يطرح نفسه على الأذهان،هنا، هو:إذا كانت هذه التحريات جدية وصادقة،وإذا كانت قد وردت لصحابها قبل سـتـة شهور سابقة على شهر نوفمبر من عام 2008م، وهو الشهر الذي شَهِدَ اعتقال المتهمين، فلماذا سكت العقيد المذكور طوال سـتـة أشهر كاملة ؟!!

ولماذا انتظر جهاز أمن الدولة كل هذه المدة ـ ستة أشهر كاملة ـ وهو يعلم أن هناك من يخطط للقيام بالعمليات الإرهابية المذكورة ؟!!

وهل كان جهاز أمن الدولة ينتظر كل هذه المدة حتى يقـوم المتهمون بعملية أو عمليات إرهابيـة مما اضطلعوا به حسب التحريات المذكورة ؟!!

هل كانضابطأمن الدولة ينتظر أن تتم عمليات تفجيرية بالبلاد، وأن تُفَجِّرَالسفن والبوارج بقناة السويس، وأن يُقتَلَالسائحـون الأجانب بجنوب سيناء، وأن يُخرب اقتصاد البلاد، وأن يتم تحريضُالجماهير ضد الشرعية القائمة، وأن يَعيثَ المتهمون في الأرض فسادا وتقتيلا وتفجيرا حتى يتم القبض عليهم واعتقالهـم ؟!! هل كانضابطأمن الدولة ينتظر ذلك كله ؟!! بالطبع لا.فما هي الحال إذن؟؟

الحال ـ سيدي الرئيس ـ أن التحريات لا جديةفيها، ولا صحة لها من الأساس، وبالتالي لم يكن هناك خوف من قيام المتهمين بشيء من هذه العمليات الرهيبة، ولم يكن هناك أي توجُّسٍأو قلق من ترك المتهمين طوال ستة أشهر كاملة دون القبض عليهم ؟!! هذا هو الصحيح الذي لا يصح سواه، لأن صاحب التحريات، ومن يشرفون على عمله، علموا علمًا يقينيًا أن هؤلاء المتهمين كل عملهم، بغير استثناء، موجه نحو العدو الصهيوني لا نحو غيره. وليس في ذلك شيء يمس الأمن المصري، دخل أم لم يدخل في نطاق التجريم المنصوص عليه في مادتي الإحالة الرئيسيتين: 86 و86 مكررا ج من قانون العقوبات.

السبب الثالث: أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة، ومنها مجتمعة تتكون عقيدة القاضي، بحيث إذا سقط أحدها تهاوى الاتهام برمته، وعلى ذلك استقر قضاء محكمة النقض بلا خلاف، وحيث إن جميع الدلائل السابقة قد ثبت من قبل تهاويها وسقوطها الواحد تلو الآخر، بحيث لم يبق إلا هذا الدليل المتعلق بهذه الشهادة وتلك التحريات، فإنه لا ينهض بذاته ـ على أي وجه ـ بحيث يكون دليلاً وحده على الاتهام المنسوب للمتهمين.

وفي هذا المعنى استقر قضاءُ محكمة النقض، على أنَّ:

«الأدلة في المواد الجنائية متساندة ومنها مجتمعة تتكونُ عقيدةُ المحكمة فإذا استبعد أحدها تعذر التعرف على أثر ذلك في الرأي الذي انتهت إليه» [نقض 28/3/1985، مج سنة 36، القاعدة رقم 38، ص 500].

 وإذا كانت تحريات الشاهد المذكور، العقيد/ أحمد عاطف، المبنية على معلومات مصادرهالسرية التي لم يفصح عنها لا ترقى إلى مرتبة الدليل الذي يصح أن تنبنيعليه الإدانة، فإن الطبيعة القانونية لهذه التحريات لا تختلفُ، سواء وَقَفَ الأمر عند حد تسطيرها في محضر أو تَعدَّاهُ إلى قيام صاحبها بترديد مضمونها أمام سلطة التحقيق أو أمام المحكمة، إذ هو لا ينقلبُ في هذه الحالة شاهد إثباتٍبالمعنى الدقيق، لأن العبرة هي بمضمون ما يشهد به، سواءٌ أحلف اليمين أملم يحلفها، وهذا ما استقرت عليه محكمة النقض بمثل قولها«إن التحريات وأقوال من أجروها لا تعدو أن تكون قرينة لا تنهضُ بمجردها دليل إدانة.» [ نقض 1/11/1995، مج سنة 46، القاعدة رقم 170، ص1134].

 وأمَّا الثانية، مذكرة التحريات الخاصة بالمتهم الثاني تحديداً، التي أُودعت ملف القضية في أثناء الجلسات، والتي جاء بها أن:

« المذكور من العناصر النشطة المتحركة التي تنتميلتنظيمٍ سرى محظور بالمخالفة لأحكام القانون والدستور ويعتنق أفكارا متطرفة يقوم على استغلال الدين كستار لممارسة نشاطه المؤثم وممن يضطلعون بالتخطيط والتدبير لتنفيذ العمليات الإرهابية (سطو / اغتيالات / تخريب / تعدى) .

ـ وأنه سبق رصد انتهاجه لأسلوب العنف في فرض سطوته ونشر فكر التنظيم والترويج له في محيط مخالطيه والأوساط الجماهيرية من منطلق مفهومه الخاطئ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهدف استقطاب عناصر جديدة لصالح التنظيم .. ومشاركة هذه العناصر لقاءاتهم ومخططاتهم الهدامة بهدف زعزعة الاستقرار والأمن العام ونظام الحكم».

فإن ما قلناه آنفاً بشأن التحريات السرية الأولى، تحريات العقيد/ أحمد عاطف، ينطبق تمام الانطباق على هذه التحريات أيضًا، من حيث كونها هي الأخرى سرية، ولا تصلح كدليلٍ على الإدانة بعد تهاوى جميع الأدلة الأخرى.

لكن هذهالتحرياتزادت الطينَ بِلةً، وجاءت بما لم يأت به الأولون والآخرون!!

فالمستقرئ لهذه التحريات يقطع بأنها لا تخص المتهم الثاني محمد يوسف منصور،

وبأنها تحريات عبثية هزلية،

وبأنها تحريات باطلة لا أساس لها إلا خيال جامح لا يحده حدٌ؛ أو أن تكون المذكرة التي تضمنتها نموذجًا روتينيًا معدًا على بياض يقدم خبط عشواء في كل حالة يراد فيها اعتقال شخص لأي سبب كان، أو بغير سبب على الإطلاق.لأنه لا يقبل المنطق ولا يستسيغُ العقلـ إذا عرف صاحبهما حقيقة انتماء المتهم الثاني ـ ما ذهبت إليه مذكرة التحريات هذه، إلا أن يجيب مجريها وكاتب سطورها عن الأسئلة الآتية:

ـ ما هو التنظيم السريالمحظور المذكور فيها؟! وعلى أي أساسٍ هو محظور ؟!

ـ وإذا كان يقصد حزب الله فهل هو محظور في مصر أم محظور في لبنان؟ وما الأساس القانوني لهذا الحظر؟

ـ ولماذا هو مخالف لأحكام القانون والدستور ؟! وقانون ودستور أي دولةٍ يقصد ؟!

ـ وإذا كانيقصدتنظيم حزب الله ؟!فهل هذا التنظيم مؤسس على خلاف القانون والدستور المصري ؟! وما علاقة حزب الله بالقانون والدستور المصري ؟!

ـ وكيف وَقَفَ مُجري هذه التحريات على أن المتهم الثاني من العناصر النشطة ؟!

ـ وكيف حَكَمَ مُجرى هذه التحريات على فِكرهِ بأنه فكرٌ متطرفٌ ؟!

ـ وهل سبق اتهامه في عمليات سطو ؟!

ـ وهل سبق اتهامه في عمليات اغتيالات ؟!

ـ وهل سبق اتهامه في عمليات تخريب ؟!

ـ وهل سبق اتهامه في عمليات تعدىٍ ؟!

ـ وهل يمكن لمُجري هذه التحريات أن يُطلعنا على هذه العمليات أو يعطينا بيانًا رسميًا بها؟!

ـ وكيف سبق رصد انتهاجه لأسلوب العنف في فرضه سطوته ونشر فكر التنظيم والترويج له ؟!

ـ وما مصدر هذه السطوة؟ هل المتهم الثاني من معتادي ارتكاب جرائم (البلطجة) حتى يكون ذا سطوة تُفرض على الناس؟

ـ وهل سبق اتهامه في جريمة من جرائم العنف من أي نوع ؟!

ـ وماذا يقصـد بمحاولة المتهم المذكور نشر فكر التنظيم المحظور في محيط مخالطيه والأوساط الجماهيرية ؟!

ـ وماذا يقصد تحديداً بمحيط مخالطيه والأوساط الجماهيرية ؟!

ـ هل يقصد بذلك مصر ؟ أم لبنان ؟!

ـ وكيف قرر مُجرى هذه التحريات أن مفهوم المتهم الثاني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفهومٌ خاطئ ؟! وما هو المفهوم الصحيح إذاً ؟!

ـ وما هو مصدر هذه التحريات والمتهم الثاني ليس مصرياً ولكنه لبناني؟!

ـ وهل أمدته بهذه التحرياتمصادر تعمل لحسابمباحث أمن الدولة اللبنانية؟!

ـ أم عناصر تعمل لحساب مباحث أمن الدولة المصرية ؟!

ـ أم عناصر تعمل لحساب جهة ثالثة تريد لهذه الأمة، وشعوبها كافة، أن تقيم على المذلة والهوان، وأن ترضى بالعيش تحت مظلة الاحتلال الباطل الظالم المتجبر؟؟!!

ـ وإذا كان جميع الشهود الذين تضمنتهم تحقيقات النيابة والذين جاءت بهم وتعرفوا على المتهم الثاني، والذين منهم من أقام المتهم الثاني بجواره، أو في شقة بعمارته، أو تعامل معه،هؤلاء كلهمليس فيأقوالهمجميعاً كلمة واحدة مما جاءت به مذكرة التحريات هذه، فمن أين جاء صاحب هذه التحريات بهذه التحريات ؟!

ولذلك لم يكن عجبًا أنتلك التحريات الهزلية قد قُدمت إلى المحكمة الموقرةخلوا من أي توقيع أو خاتم أو تاريخ أو جهة صدرتعنها، وإنما هي مجرد ورقة لا قيمة لها، وقد أثبت الدفاع عن المتهم الثاني تعليقه هذا على هذه التحريات أمام الهيئة الموقرة، كما هو ثابت بمحضر جلسة 30/12/2009.

ثانياً : الدفع ببطلان إجراءات المحاكمة

لبطلان أمر اعتقال المتهم الثاني، وباقي المتهمين،

لقيامه على أسباب وتحريات باطلة وغير جدية ابتداءً

وهذا الدفع يجدُ أساسه فيما سبق شرحـه من أسبـابٍ لبطـلان تحريات العقيد / أحمد عاطف، الضابط بمباحث أمن الدولة، التي استشهدت بها نيابة أمن الدولة العليا على إدانة المتهم المذكور، وعرضت لها في بداية قائمة أدلة الثبوت بما مفاده أنها هي الدليل الرئيسيوالأول ضد المتهمالثانيفي هذه القضية، وضد سائرالمتهمين كذلك.

فأمر الاعتقال الخاص بالمتهم الثاني، صدر بلا ريب، من السيد/ وزير الداخلية، بناءً على معلوماتٍ وتحريات وردت إليه، مفادها أن المتهم المذكور، يَجِبُ اعتقاله فورا وتفتيش شخصه ومنـزله، إذ لا يُعقل أن يكون السيد / وزير الداخلية قد أصدر قرار الاعتقال هذا بناءً على رغبةٍ شخصيةٍ لديه، أو هوىً في نفسه يُلح على إرضائه، لأن السيد / وزير الداخلية لا يعرفُ هذا المتهم تحديدًا معرفة شخصية، وليس بينه وبين المتهم المذكور شيءمما يوغرُ الصدور، فلم يبْق إلاأن قرار السيد / وزير الداخلية باعتقال المتهم الثاني وتفتيش شخصه ومسكنه واحتجازه في مكانٍ آمن (كما ورد في القرار نصًا) كان قرارا مسببا ومرتكزا على تحريات ومعلومات وردتإليهمن أجهزة الأمن المعنية.

وهذه التحريات والمعلومات، التي بسببها صدر قرار الاعتقال، هي تلك التحريات التي جاء بها العقيد / أحمـد عاطف، الضـابط بجهاز مباحث أمن الدولة، من مصادره السرية، وهذه التحريات، كما شرحنا من قبل، باطلة لسببين:

أولهما، أن صاحب هذه التحريات لم يفصح عن مصدر هذه التحريات حتى تتمكن المحكمة من الوقوف على مدى صحتها، وبالتالي فهي لا تعدو أن تكونمجرد رأي لصاحبها.

وثانيهما، أن هذه التحريات غير جدية وغير مقبولة عقلا ولا منطقا، وغير مبنية على أساس مهما يكن وصفه. ومن هنا فإن القرار الصادر بناءً عليها باعتقـال المتهم المذكور، وتفتيشه وتفتيش منـزله أصبح قرارا باطلا هو الآخر، عملا بالقاعدةالأصولية، المتفق عليها، التي تقرر أن: «ما بنيعلى باطل فهو باطل».

وقرار الاعتقال الذي صدر بناءً على هذه التحريات الباطلة غير الجدية، ترتبت عليه جميع إجراءات المحاكمة في القضية الماثلة، التحقيق وأدلة الثبوت والإحالة واتصال المحكمة الموقرة بالقضية وما تلاها من جلسات حتى اليوم، وبالتالي فإن جميع إجراءات المحاكمة المذكورة انسحب عليها البطلان هي الأخرى، باعتبار هذه الإجراءات جميعها من الآثار الجوهرية المترتبة على قرار الاعتقال الباطل ابتداءً، عملا بما نصت عليه المادة 331 من قانون الإجراءات الجنائية، من أنه:

« يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري».

والمادة 336 إجراءات جنائية بنصها، على أنه:

« إذا تقرر بطـلان أي إجـراء فإنه يتنـاول جميع الآثار التي ترتبت عليه مباشرةً، ولزوم إعادته متى أمكن».

كما استقر قضاءُ النقض على أنه:

«من المقرر أن بطلان القبض لعدم مشروعيته ينبنيعليه عدم التعويل في الإدانة على أي دليل يكون مترتباً عليه، فإبطال القبض على الطاعن لازمه بالضرورة إهدار كل دليل انكشف نتيجة القبض الباطل وعدم الاعتداد به في إدانته، وبالتالي فلا يعتد بشهادة من قام بهذا الإجراء الباطل، ولما كانت الدعوى حسبما حصلها الحكم المطعون فيه لا يوجد فيها دليلٌ سواه، فإنه يتعين الحكم ببـراءة الطاعن عملا بالفقرة الأولى من المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض ...»[نقض22/3/1995، في الطعن رقم 1741 لسنة 63ق].

وتواتر عن المحكمة مثل قولها:

«للقاضيالجنائيأن يكون عقيدته من أي عنصر من عناصر الدعوى إلا إذا كان هذا العنصر مستمدا من إجراء باطل قانونا»[ نقض 19/2/1934، في الطعن رقم 40 لسنة 4ق]

لما كان ذلك، وكانت جميع إجراءات المحاكمة الماثلة أثراً مباشراً من آثار قرار الاعتقال، وقد صدر الأخيرُ باطلا لابتنائه على تحرياتٍ هي في الأساس غير جدية، بل وباطلة، فإنلازمذلك بطلان إجراءات المحاكمة برمتها، والقضاء ببراءة المتهم الثاني مما هو منسوبٌإليه، ولا ريب في انطباق هذا الدفع في شأن سائرالمتهمين.

ولا يقدحُ في ذلك كون قرار الاعتقال، طبقاً لنص المادة 3/أولاً من قانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958، لا يتقيدُ بأحكام قانون الإجراءات الجنائية، لأن هذا الأمر يَصِحُ لو أن عملية الاعتقال هذه توقفت عند هذا الحد، أي توقف الأمرفيهاعند حد الاعتقال دونالوصول إلىالمحاكمة الجنائيةبإجراءات لم تكن لتتم لولا قرار الاعتقال الباطل.أَما وأن الأمرقدتجاوز الاعتقالإلى محاكمة المتهم المذكور محاكمة جنائية كاملة، طبقاً لنصوص الدستور وقانون الإجراءات الجنائية وقانون العقوبات وغيرهامن القوانين والقرارات، فإن إعمال نصوص هذه القوانين يكون واجباً وحتماً مقضياً، خاصةً وأن الدليل الوحيد في هذه المحاكمة، تحريات العقيد / أحمد عاطف، كانت قبل قرار الاعتقال، بل إن الأخيـر صدر بناءً عليها، وهذا الدليل مطروح الآن أمام المحكمة الموقرة، وتملك أن تأخذ به أو تهدره، وقد بيَّنا من قبل أسباب بطلانه، ولذلك فإن كل ما ترتب عليه باطل.

القسم السادس : التعليق على مرافعة النيابة

بجلسة الثلاثاء، الموافق 26/1/2010م، أنهت النيابة العامة مرافعتها في القضية الماثلة، وقد كانت هذه المرافعة سياسية في المقام الأول، ظنيَّة وافتراضية في المقام الثاني، دينية في المقام الأخير.

وتعليقُ الدفاع على هذه المرافعة هو جزءٌ أصيلٌ من مرافعته ودفاعه عن المتهم الثاني، وباقي المتهمين، لأن النيابة ألقت تهمًا، وأسندت أفعالا للمتهم الثاني، في هذه المرافعة، وبالتالي فإن حق المتهم وحق دفاعه في الرد على ذلك هو حقٌ أصيلٌ، لا يجوز مصادرته أو الحيلولة بين الدفاع وبينه.

وتعليقُ الدفاع على هذه المرافعة يبدأُ بما وصفها به في مطلع دفاعه من كونها مرافعةً سياسيةً في المقام الأول، لأن النيابة فيها خرجت بالقضية تماما عن طريقها القانوني، وارتكزت فيها على ما لم يرد نصا ولا ضمنا في أوراق القضية البالغ عددها أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة !! فألفيناها ـ أي النيابة ـ في هذه المرافعة وقد تحدثت عن العدو، ولم تقل من هو ؟! وعن الدولـة الأجنبية، ولم تصرح باسمها ؟! وعن زعماء الأحقاد والفتن، ولم تبين قصدها ؟! وعن الخطاب الشهير، ولم تبلغنا عن ماهيته وفحواهُ وقائلهُ والهدف منه ومدى أهميته في القضية والإشارة المستفادة من الحديث عنه ؟! كما تحدثت النيابة عن تحريض الجماهير ضد الشرعية، دون بيان المُحرِّض وعبارات التحريض وألفاظه؟! وعن أن مصر لم ولن تتخلى عن مسؤوليتها ودورها، ولم تطلعنا على من زعم أن مصر تخلت عن مسؤوليتها ودورها ؟! بل لم تفهمنا أية مسؤوليةٍ وأيَّ دورٍ تتحدث عنهما؟!

والأهم من ذلك، أن النيابة لم تبين لنا من أين أتت بكل هذه الأفعال

والأقوال والعبارات السياسية الرنانة التي لا ظل لكلمةٍ واحدة

منها في أوراق القضية التي زادت على ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة ؟!

نعم، ليس في أوراق القضية قاطبةً ظلٌ لأي كلمة مما قالته النيابة وأوردناه آنفا. وما دامَ الظلُّ ليس موجوداً فالأصلُ مُنتفٍ ابتداءً، ولكن ذلك لا يخلو من ثمة فائدة أو إشارة من نوعٍ ما .

فحديثُ النيابة عن العدو وعن زعماء الأحقاد والفتن وعن تحريض الشعوب ضد الشرعية وعن تخلي أو عدم تخلي مصر عن دورها ومسؤوليتها، وعن الخطاب الشهيـر؛ حديثٌ لا علاقة له ـ قانوناً ـ بقضيتنا الماثلة، فضلاً عن أنه مُجهَّلٌ تماماً !! ولكن الواضح أن المتهمين يحاكمون بناءً على هذا الحديث، ويحملون وزر خـلافٍ سياسي بين القيادة المصرية وبين الدولة الأجنبية المزعومة، التي أشارت إليها النيابة في مرافعتها دون أن تصرح باسمها ! وهذا ما أحجمت النيابة عن تسطيره بقرار الإحالة أو قائمة أدلة الثبوت، لأنها تعلم جيـداً أنه لا دليـل عليه من الأوراق أو الأقوال، ولكنها لـم تَتَحَرَّجْ من الحديث عنه في مرافعتها الشفهية!!

الخلاصة أن النيابة العامة قدمت المتهم الثاني للمحاكمـة الجنائية استناداً لخطابٍ وصفته بالشهير، ولا ظلَّ له في الأوراق !!

واستناداً لاعتقادٍ بأن زعماء الدولة الأجنبية المقصودة من مرافعة النيابة زعماءُ أحقادٍ وفتن، ولم تصرح أصلاً باسم تلك الدولة الأجنبية !!

واستناداً لزعمٍ بأن حزب الله خطط لتنفيذ عمليات إرهابية داخل البلاد مستهدفاً الاقتصاد وتحريض الجماهير ضد الشرعية، ولم تعطنا دليلاً واحداً على هذا التحريض !!

وهذه جميعا في عرف القانون، ونظر الشارع، افتراضاتٌ وظنون لا ترقى لحمل الاتهام، فضلاً عن أنها، جملة وتفصيلا، كلام مرسل مجهل يعوزه الدليل والإفصاحُ والبيان. وهذا في مقام الدليل الجنائي والمحاكمة الجنائية يعد ضرباً من العبث غير المقبول، وهو في التعبير السوداني الدارج يقال له «كلام ساكت»!!، لأن الجرائم التي نحن بصددها، المنسوب للمتهمين ارتكابها، لا يجوز إثباتها دون دليلٍ جازم ينبسطُ على عناصرها جميعاً، ولا يجوز كذلك افتراض ثبوتها ـ ولو في أحد عناصرها المادية أو المعنوية ـ من خلال مزاعم وخطبٍ سياسية تُنشِئُهَا النيابة العامة، باعتبارها سلطة اتهام، اعتسافًا. ودون وجود ذلك الدليل، المستعصي على التفنيد والدحض، تصبح المحاكمة الجنائية عبثًا، والحكم الذي يصدر بالإدانة فيها عرضةً للميل والشطط.

·        من ذلك ما عرضت له النيابة في مرافعتها بقولها «إن ما جاء على لسان المتهم الثاني من أن المتهم الأول أبلغه أن قيادة الوحدة 1800 لم توافق على طرحه (طرح المتهم الأول لا المتهم الثاني) بشأن القيام بأعمال عدائية ضـد الإسرائيليين في مصر ورفض قيادة حزب الله لذلك رفضا تاما». وتعليقها ـ أي النيابة ـ على ذلك بقولها إن هذا من المتهم الثاني زعمٌ مفضوحٌ، ولا يعدو أن يكون عدولا لاحقًا عن الجريمة بعد التخابر وجمع المعلومات وتمام الجريمة، وقولها إن هناك اعترافات لاحقة تدل على كذب هذه المقولة وتدل على استمرار المتهم الثاني في العمل الإرهابي !!

فهذا دليلٌ ساطعٌ على أن النيابة أقامت اتهامها على افتراضاتٍ وظنونٍ لا أساس لها، ولا مجال للاستناد إليها في المحاكمة الجنائية. لأن تعليق النيابة السابق يحملُ تفسيرين متناقضين تمام التناقض، بما يعني أن أحدهما على الأقل افتراضٌ وتخمين، فإمَّا أن يكون ما جاء على لسان المتهم الثاني عدولا لاحقًا عن الجريمة، وإمَّا أن يكون المتهم المذكور كاذباً ومستمراً في جريمته، فلا يستقيم العدول عن الجريمة مع الاستمرار فيها، كما لا يستقيم أن يتلقى المتهم الثاني أمراً من قيادته متمثلة في حزب الله بالنهي عن القيام بعمليات عدائية على الأراضي المصرية، ثم يُصِّر المتهم الثاني على القيام بهذه الأعمال، لأن هذا معناه أن المتهم الثاني غيرُ تابعٍ لحزب الله، وغير متخابرٍ مع حزب الله، وغير عابئٍ بأوامر قيادة حزب الله، بما ينفي عنه تهمة التخابر من أساسها في هذه الحال.

ولذلك فإن دفاع المتهم الثاني في حيرةٍ من أمره بعد مرافعة النيابة العامة وما عرضنا له آنفاً منها، لأن الدفاع أصبح لا يعلم ما إذا كان المتهم الثاني عَدَلَ لاحقا عن الجريمة وامتثل لأوامر قيادته في حزب الله ؟! أم أنـه لازال مُصِّرا على المضي قدما فيها ضارباً بأوامر قيادته عُرْضَ الحائط ؟! وإذا كانت الأولى، العدول اللاحق عن الجريمة، فهل لازال المتهم الثاني متهماً بنفس الاتهامات الثابتة بأمر الإحالة، خاصة وأن النيابة العامة في مرافعتها زعمت أن معظم الأفعال المنسوبة للمتهم أتاها بعـد هذا العدول اللاحق ؟! وإذا كانت الثانية، فهل لازال المتهم متهماً بالتخابر والسعي لدى حزب الله الذي لم يمتثل لأوامره وضَرَبَ بها عرض الحائط ؟!! لا جدال في أن صورة الاتهام برمته مضطربة في ادعاء النيابة العامة كما تبين في مرافعتها، كما كانت من قبل مُشوشة وغير ثابتة في أمر إحالتها.

·        من ذلك أيضًا ما تحدثت عنـه النيابـة بقولها «إن ما كان في باطن المتهمين ويخفونه في صدورهم أكبر !!!»، ثم تعقيبهـا على سريـة المقابلات واللقاءات بين المتهمين بقولها «إن السرية تنبئ عن سوء القصد !!!»،

فالنيابة تتحدث عن بواطن المتهمين، وصدورهم، وعن أن السرية تنبىء عن سوء القصد والتخطيط لأعمالٍ إرهابية، وهنا لنا أن نتساءل: إن كان الأمر كذلك فما رأي النيابة العامة في مبدأ سرية المداولة القضائية ؟!! وهل عندما يختلي القضاة بأنفسهم في غرفة المداولة ويُسِرُّون بينهم مداولةً حول القضية التي ينظرونها يكونون سيئي القصد ؟! وما هو النص العقابي الذي يحاسب الناس على ما في صدورهم وبواطنهم؟!!

·        ومن ذلك أيضًا، ما افترضته النيابة من أن تصنيع المتفجرات والاحتفاظ بجزءٍ منها ـ بعد تهريب الجزء الأكبر للأراضي المحتلة ـ كان بهدف القيام بعمليات إرهابية على الأراضي المصرية، وما افترضته بقولها إن المتهمين الأول والثاني والسادس توجهوا لمدينة فايد لمعاينة وحدات سكنية لرصد السفن وكيفية استهدافها والهروب من مكان الحادث .

ففي الأولى افترضت النيابة أن الاحتفاظ بجزء من المتفجرات كان بهدف استخدامها في عمليات إرهابية داخل البلاد.

وفي الثانية افترضت أن معاينة الوحدات السكنية بمدينة فايد كان لاستهداف السفن والوقوف على طريقة، أو طريق، الهروب من مكان الحادث!!

 وهذان الافتراضان لا يقومان على دليلٍ يقيني واحدٍ من الأوراق أو اعترافات المتهمين أو التحقيقات بطولها وعرضها، فلا توجد كلمة واحدة في أقوال المتهمين أو شهادة الشهود تشير ـ مجرد إشارة ـ إلى صحة هذين الافتراضين أو أحدهما، أو تشير إلى أنهما ليسا افتراضين وإنما دليلان لهما ما يدعمهما ويرتكزان عليه من الأوراق والتحقيقات، وهذا كله يقطع، في النهاية، بأنهما افتراضان من صنع النيابة ووحي إرادتها إثبات الاتهام وهو غير ثابت، وتسويغه وهو لا يسوغ، وإلباسه ثوب الواقع الصحيح وما هو إلا خيال في خيال.

·        إن التفسير الوحيد لاحتفاظ المتهمين بجزءٍ من المتفجرات داخل البلاد لا يخرج عن كون عملية تهريب هذه المتفجرات لفلسطين كانت تتم على مراحل، أو على أجزاء، وما يُدَّعِمُ ذلك أنها كانت تتم سراً وخفية عن أعين السلطات المصرية، وبالتالي فليس من الحكمة أو من المنطق أن تتم عملية تهريب المتفجرات كلها مرة واحدة، حتى إذا أخفقت العملية أو ضُبطت، كما ضبطت السفينة (آتوس) في الجزائر وكما أخفق اليخت (الحظ السعيد) في رحلته الثانية إلى ليبيا، فُقِدَتْ المتفجرات دفعة واحدة. كما أن تهريبها على مراحل يجعل الأمر أكثـر سهولة ويسرًا، ويجعل القائمين على أمر التهريب أكثر خفة، وكل ذلك يَزيدُ من فرص نجاح عملية التهريب. هكذا يقول المنطق الذي لا يخفى على متابع للعمل السري، كما كان الرئيس جمال عبد الناصر يتابعه عندما كان يقوم به رجال المخابرات المصرية الأبطال.

·        ومعاينة المتهمين، الأول والثاني والسادس، لوحداتٍ سكنية بمدينة فايد لرصد السفن العابرة في قناة السويس، لا يمكن أن يكون بغرض استهدافها والهروب بسهولة من مكان الحادث، كما ذهبت إليه النيابة، لأن من ينوي القيام بعمل إرهابي في منطقةٍ ما ليس من الحكمة مطلقاً أن يشتري منـزلاً في هذه المنطقة تحديداً، ويقيمُ فيها إقامة كاملةً، ويتعرف على قاطني هذه المنطقة ويعرفونه جيداً، حتى إذا ما قام بعملٍ إرهابي سَهُلَ عليهم معرفته وإيجاده !! ولكن المنطق يقطع أن يكون الرصد في هذه الحالة لمعرفة عدد السفن الخاصة بالعدو، والعابرة لقناة السويس، ومعرفة حمولتها ومئونتها، والوقوف على خط سيرها بعد ذلك وهي في طريقها لإسرائيل عبر البحر الأحمر أو البحر الأبيض المتوسط، ومعرفة الموانئ التي سترسـو عليها في البحر المتوسط، ونقصدُ هنا الموانئ الإسرائيلية، الإسرائيلية دون غيرها !!

·        وهذان التفسيران، وإن لم يوردهما على هذا النحو أحدٌ من المتهمين بالتحقيقات، إلا أن أحداً من المتهمين أيضًا لم يقل بخلافهما مما قد يتشابه مع الافتراضين المقابلين لهما بمرافعة النيابة. ولم تأتِ التحقيقات بما يُرشِّحُ لصحة افتراضي النيابة فيهما. ولذلك، ونحن في مقام الدليل المعتبر في المواد الجنائية، لا مناص من إهدار افتراضي النيابة المذكورين، والأخذ بتفسيري دفاع المتهم الثاني المقابلين، الصحيحين في الواقع بلا مراء. وذلك هو شأنُ كلٍ افتراضٍ افترضته النيابة، وعرضنا له آنفاً، لا مناص من إهداره، لأن الفرض احتمال وما يدخله الاحتمال لا يصح به الاستدلال. ومن هنا جاءت قاعدة تفسير الشك لمصلحة المتهم المبنية على قاعدة البراءة الأصلية، قاعدة البراءة المقررة بمقتضى نص المادة 67 من الدستور، في فقرتها الأولى، بقولها:

«المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه...» بل إن هذا الأصل مقرر ولو لم ينص عليه في دستور ولا قانون.

·      وهذا هو ما عبرت عنه المحكمة الدستورية العليا بقولها:

«إن افتراض براءة المتهم لا يعـدو أن يكون استصحابا للفطرة التي جُبِلَ الإنسانُ عليها، وشرطا لازما للحرية المنظمة يكرسُ قيمها الأساسية التي لا يتصور أن تنفصل عنها الجماعة، وهو كذلك وثيق الصلة بالحق في الحياة، وبدعائم العدل التي تقومُ على قواعدها النظم المدنية والسياسية جميعها، ومن ثم كان أصلُ البراءة جزءًا من خصائص النظام الاتهامي، لازمًا لحماية الحقوق الرئيسية التي كفلتها المادة 67 من الدستور لكل متهمٍ، مرددةً بها نص المادة ( 11 ) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفقرة الثانية من المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، بما مؤداه أن هذه البراءة لا يجوزُ تعليقها على شرطٍ يحولُ دون إنفاذ محتواها، ولا تعطيلها من خلال اتهامٍ يكون متهاوياً، ولا نقضها سواء بإعفاء النيابة من التزامها بالتدليل على صحة اتهامها أو عن طريق تدخلها هي أو غيرها للتأثير دون حقٍ في مسار الدعوى الجنائية ومحصلتها النهائية. بل إن الإخلال بها ـ وباعتبارها مبدءًا بديهيا ـ يُعد خطأً لا يغتفر مستوجبًا نقض كل قرارٍ لا يتوافق معها» [المحكمة الدستورية العليا، 3/1/1998 في القضية رقم 29 لسنة 18 ق«دستورية»، مجموعة أحكامها، ج 8 ص 1042].

·        ولا يفوت الدفاع التأكيد على أن أوراق القضية برمتها جاءت خالية تماماً من أي دليلٍ يمكن أن يفيد أن المتهمين كانوا بنشاطهم المذكور ينتوون القيام بعمليات إرهابية أو عدائية على الأراضي المصرية.

·        لا ينالُ من ذلك مجرد رصد السائحين الصهاينة في الترابين ورأس شيطان، لأن رصدهم كان بهدف التعرف عليهم والتقرب منهم، عسى أن يكون من بينهم من يفيد بشكلٍ من الأشكال في عمليات المقاومة داخل إسرائيل وخارجها، ويدل على ذلك أن رصدهم كان عن طريق التعرف عليهم والحصول على أرقام هواتفهم ومعرفة عناوين بريدهم الإلكتروني للتعارف والتقارب والإفادة، لأن من ينوي أن يقتل أو يستهدف جماعةً ما دون تمييزٍ بين أفرادها لا يُفيدهُ بحالٍ من الأحوال معرفة أرقـام هواتفهم أو عناوين بريدهم الإلكتروني والتواصل معهم، هذا هو حكم المنطق الواقعي المعقول.

·        ولا ينال من ذلك، فضلا عما سلف كله، ما قاله المتهم الثامن في جلسة 26/1/2010، وتلاه الزميل الفاضل المحامي العام الأول قبل بدء مرافعته، فهو كله كلام لا يصح، والتعويل عليه لا يفيد في إثبات التهمة ولا نفيها، والطلب الذي من أجله قال المتهم المذكور كلامه وأرسل رسالته إلى السيد/ رئيس نيابة أمن الدولة العليا (معاملته بمقتضى مبادرة نبذ العنف) في غير محله، فهو ليس عضوا في تنظيم يتخذ العنف وسيلة للتغيير بغير حق، وهو عَمِلَ مقابل مالٍ تقاضاه، كما قرر في تحقيقات النيابة العامة، في جمع معلومات لا في اعتداء على أشخاص أو جهات أو مبانٍ...إلخ. وأيًا كان القول في دافعه إلى ما قاله بجلسة 26/1/2010 فهو لا تأثير له على موقف غيره من المتهمين من أي وجه كان هذا التأثير.

·        يؤكد ذلك كلَّه أقوالُ اثنين وعشرين متهماً وشهادةِ خمسة وعشرين شاهداً وأكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة ورقة، هي كل ما حواه ملف هذه القضية المثقل، لم تأت جميعها أو إحداها بكلمة واحدة يمكن أن تكون دليـلا على أن المتهمين كانوا يخططون للقيام بعمليات إرهابية وعدائية على الأراضي المصرية. ليس في ذلك كلمة واحدة يمكن الأخذ بها ـ ونحن في مقام الأدلة الجنائية المعتبرة ـ لتكون دليلا واحدا على انتواء المتهمين هذه النية الآثمة.

***

سيدي الرئيس..

حضرات المستشارين الأجلاء..

بقي للدفاع كلمات قصار يحاول بهن أن يوضح بها بعض ما أُبْهِمَ في مرافعة الزملاء المحترمين الذين تحدثوا أمام الهيئة الموقرة ممثلين لجانب الاتهام.

 

 

الدولة التي تحاول الهيمنة على

المنطقة، والعدو ذي العبث والغرور

لم يخبرنا الادعاء باسم الدولة التي عناها، ولا باسم العدو العابث المغرور، فكان من الواجب الذي يدعو إليه مبدأ التعاون على إظهار الحق أن ينطق الدفاع بما سكت عن النطق به الادعاء.

إن الدولة الوحيدة، سيدي الرئيس، التي تحاول الهيمنة على المنطقة كلها، وفرض إرادتها على شعوبها قَبْلَ دولها هي: إسرائيل.

إسرائيل التي تحتل حتى اليوم مرتفعات الجولان السورية، ومزارع شبعا وبلدة الغجر، وتلال كفر شوبا اللبنانية، وأرض فلسطين كاملة بما فيها القدس، وما أدارك ما القدس وما الذي يجري فيها.

إسرائيل التي شنت الحرب تلو الحرب (12 حربًا في ستين سنة كما كتب المستشار الجليل طارق البشري، في دراسته المرفقة) ولم تزل تهدد حتى اليوم بحرب جديدة، على لبنان، بسبب سلاح حزب الله وقدرته على البقاء في موقع التأثير على السياسة اللبنانية والإقليمية، وعونه المستمر، بل المتدفق، للمقاومة الفلسطينية بفصائلها كافة، بما فيها الفصائل التابعة لمنظمة فتح، كما تشهد بذلك أوراق هذه القضية وما فيها من ذكر أفرادٍ وقادةٍ من منظمة شهداء الأقصى، الذراع العسكرية التابعة لفتح.

هذه الدولة (إسرائيل)، سيدي الرئيس، لم يردعها عن العدوان على الدول العربية كلها شيء. بل لم يردها عن العدوان على مصر ومحاولة اختراق أمنها شيء.

لقد ـ بلغ عدد الجواسيس الصهاينة وعملاؤهم الذين ضبطوا في مصر منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1979 إلى سنة 2009 مائة وخمسة وسبعين جاسوسًا في خمسة وأربعين قضية جاسوسية لصالح إسرائيل. وفي المدة الواقعة بين سنة 1991 وسنة 2007 ـ وحدهاـ كان المضبوطون من جواسيس إسرائيل تسعة أشخاص، ومن المصريين الذين نجح الموساد في تجنيدهم ضد وطنهم ثمانية أشخاص، ومن الأجانب عن مصر وإسرائيل معًا ثلاثة أشخاص (روسي، وياباني، وأيرلندي).

وكانت الأعمال الموكولة لهؤلاء ـ اختراقًا للأمن القومي المصري ـ تتراوح بين أن تكون جمع معلومات عسكرية عن الشخصيات المهمة في مصر من خلال إقامة علاقات جنسية وانحرافية معهم، وجمع معلومات صناعية واقتصادية وعسكرية، ومعلومات سياسية واقتصادية، ومعلومات عن البرنامج النووي المصري ـ الذي لم ير النور بعد ـ ومعلومات عن العناصر العربية في خارج مصر للعمل على تجنيدهم لصالح إسرائيل، وجمع معلومات عن الاستثمار الأجنبي ـ بوجه خاص ـ في مصر، وجمع معلومات عن المواني والمطارات ووسائل المواصلات الداخلية في مصر.

إن بين مصر، الدولة، وبين اسرائيل اتفاقية (هدنة)، هذه هي حقيقتها، تسمى باتفاقية السلام. وإسرائيل تنتهكها يوميًا بغير شك، ومصر تسكت رعاية لهذه الاتفاقية نفسها. وهذا كله لا يعنيني هنا. لكن الذي يعنيني هو أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي تربطها بمصر مثل هذه الاتفاقية: لأنها الدولة الوحيدة العدو!!!

هل رأي الناس، على مر التاريخ، صديقًا يعيد صداقته بآخر بمعاهدة؟! اللهم لا.

لكن الدول تقيد عداوتها وتضبط وقع خطاها بمعاهدات تسميها بما شاءت من الأسماء.

وليس لاختصاص إسرائيل بتلك المعاهدة من سبب إلا أنها العدو الوحيد لمصر في منطقتنا كلها!!

هذا، سيدي الرئيس، حضرات المستشارين، هو العدو الذي يحاول الهيمنة علينا نحن في مصر أولا، وعلى المنطقة كلها ثانيا. يشهد لذلك ما جرى من إهانة للسفير التركي في تلك أبيب دعت استانبول للتهديد بسحبه في اليوم نفسه ما لم تعتذر إسرائيل قبل الساعة الثامنة من مساء ذلك اليوم. وقد كان. اعتذر وزير الخارجية، واعتذر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيليين. فقال الأتراك: إن على إسرائيل أن تعرف مع من تتعامل عندما تكون تركيا طرفًا في الأمر!!

والدفاع يقدر كل التقدير الأوضاع السياسية التي تحول دون ذكر إسرائيل باسمها في مرافعة الادعاء، وليس مرماه من هذا البيان إلا خدمة الهيئة الموقرة بالإفصاح عن المضمر وبرد المظنون، أو الذي يمكن أن يكون مظنونًا، عن المقصود بالعدو العابث المغرور.

وأي ظن عن أي طرف آخر، سوى إسرائيل، أنه المقصود بالعدو، في نعت النيابة العامة، أو أنه يحاول الهيمنة على المنطقة في وصفها، هو ظن لا يقوم عليه من الواقع دليل.

تخصيص وحدة في حزب

الله لدول الطوق (الوحدة 1800)

لم يذكر الزملاء المحترمون المترافعون عن الادعاء سرَّ وجود هذه الوحدة ضمن هيكل تنظيمات حزب الله. وتركوا السامعين يهيمون في أودية شتى ليس من بينها الوادي المؤدي إلى واحة المعرفة أو نهر الحقيقة في هذا الشأن.

والحقيقة، سيدي الرئيس، أن هذه الوحدة هي نظير قسم الدول العربية، وقسم الدول الأفريقية، في المخابرات العامة المصرية. هذان القسمان تحدث عنهما السيدان/ فتحي الديب ومحمد فائق في كتبهما عن دور الثورة المصرية في مناصرة حركات التحرر العربية والأفريقية. وهو دور لابد للقائم به من دراسة مجالات حركته والمعرفة بمن يستعين بهم أو يستعينون به. وهذا هو الدور الذي تقوم به (وحدة دول الطوق) في حزب الله.

دورها كله يعبر الدول المحيطة بإسرائيل. وعملها كله يتعلق بمقاومة العدو. والدليل أنه منذ قام الحزب سنة 1979 حتى يوم الناس هذا في سنة 2010 لم يزعم أحد أنه اعتدى على سيادة أية دولة عربية، أو قام بأية عملية على أرضها، أو جند ضدها أحدًا من أبنائها أو من غيرهم. في الوقت نفسه، الذي تجنب فيه الحزب أي عمل ضد أية قوة أو دولة عربية أو إسلامية، نجده أوقع بإسرائيل خسائر لا تحصى أمكنني ـ بإمكاناتي المحدودةـ أن أجمع منها:

-             666 قتيلا سوى قتلى حرب يوليو/ تموز 2006،

-             و276 جريحًا سوى جرحى حرب يوليو/ تموز 2006،

-             13 ضابطًا وجنديًا اختطفوا وتبودلوا، أو تبودلت جثث من مات منهم، بأكثر من ألفين من الأسرى العرب (لبنانيين وغيرهم) وبجثث بعض شهداء المقاومة لدى العدو الصهيوني(!!)

هذا هو حزب الله وصنيعه بعدوه إسرائيل. فلا تذهبن بأحد أوهام عبارة (وحدة دول الطوق) إلى أن الحزب يعمل ضد البلاد العربية وأهليها، فإن دون إثبات هذا الوهم خرط القتاد.

حزب الله ليس أداة لأحد

لقد حَرَص الدفاع على تقديم الوثيقة السياسية الأخيرة لحزب الله (نوفمبر 2009) ليثبت للهيئة الموقرة، من خلال الاطلاع عليها، بطلان الدعوى القائلة إن حزب الله أداة للدولة الأجنبية التي أشار إليها الزملاء المحترمون ممثلوا النيابة العامة في مرافعتهم الشفهية. وإذا انتفى القول بهذه التبعية انتفت من ثم النتيجة التي رتبها الادعاء عليها من تحقق وصف (الدولة الأجنبية) الوارد في المادة 86 مكررا ج من قانون العقوبات في شأن تهمة السعي والتخابر.

وليس من شك في أن النيابة العامة الموقرة لم تقصد بالدولة، التي ظنت حزب الله أداة في يدها، الدولة نفسها التي استظهر الدفاع أنها العدو الحقيقي للأمة العربية كلها وعلى رأسها مصر. لأنه من غير المعقول أن يقول أحد إن حزب الله عميل لإسرائيل.

فبقي ذكر هذه الدول (الأخرى) أمرًا مجهلا والحديث عنها كلامًا مرسلا لا تنبني عليه نتيجة ولا يترتب عليه حكم.

اسطوانة غاز السيارات

قرأنا في التحقيقات، واسمتعنا في مرافعة النيابة إلى حديث متكرر عن شراء اسطوانة غاز مما يستعمل في السيارات وعمل فتحة مستطيلة الشكل في جسمها ثم إعادة تثبيت الجزء المنزوع بعد ملء الاسطوانة بأشياء.

وذكرت النيابة في ملاحظاتها، المرفقة بقائمة أدلة الثبوت [ص49] عن هذه الاسطوانة أنها: «جرى إعدادها لاستخدامها في عمليات إخفاء، أو تهريب، أو لتجهيزها كعبوة مفرقعة...».

وهذه الجملة في ملاحظات النيابة العامة على قائمة أدلة الثبوت تدع الحليم حيران (!) كما تقول العرب. فإن استعمال حرف (أو) في الاتهام، بل في أدلة ثبوته، ينافي الثبوت من حيث أصل وضع اللغة، وينافي الثبوت في أي تركيب عربي صحيح، فاللغويون يقررون أن معاني (أو) انتهت إلى اثني عشر معنىً تدور حول الشك والإبهام والتخيير، ومعان أخرى مقاربة. [ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، بيروت 1996، ص 74].

وأهل اللغة مجمعون على أن (أو) لا تفيد تحديدًا ولا تعيينًا ولا الإشارة إلى شيء يستقر في الأذهان أنه المراد دون سواه.

فاستعمال النيابة لحرف (أو) ينفي التهمة ولا يثبتها!! والواجب في مثل هذا المقام أن تعين سلطة الاتهام فعلاً من الأفعال التي أبهمت المقصود من بينها، وتثبت وقوعه، وتقطع كل شك بما تقدمه من أدلة على ثبوت نسبته إلى المتهمين بارتكابه.

وهذا كله في هذه الدعوى محال. إذ هو معدوم لم يوجد. والمعدوم يستحيل إثبات وجوده. ويستحيل في العقل المجرد إثبات نسبته إلى شخص معين وعقابه عليه.

فلتكن الهيئة الموقرة في سعة من أمرها، ولتضرب الذكر صفحًا عن الاسطوانة وقصتها، فما شأنها إلا كشأن ما وصفه النبي rبأنه «حديث خرافة»!!

لقاء بعض المصادر بشخص إسرائيلي

وردت الإشارة إلى هذا الموضوع في صفحة (50) من ملاحظات النيابة العامة على قائمة أدلة الثبوت. وإذا كان عيب الملاحظة السابقة متعلقًا باللغة ومباني الكلام التي لا يصح معناه إذا اختلت أو ساء استعمالها، ولذلك رجحنا أن تُعرض المحكمة عنها جملة وتفصيلا، فإن عيب ملحوظة اللقاء بإسرائيليين أنها مجهلة تجهيلا تامًا.

فهي تبدأ بعبارة: «أشير في (بعض) تلك الرسائل إلى لقاء (بعض) المصادر بإسرائيلي الجنسية...» (لم أفهم ما إذا كان المقصود بلفظ إسرائيلي في العبارة السابقة شخصًا إسرائيليًا واحدًا أم جمعًا ويكون اللفظ في هذه الحالة ناقص البناء!).

 

وهذا التبعيض يجهل المعنى تجهيلا تامًا. ولا يترتب على الجهالة حكم. ولا تبنى على المجهول نتيجة إلا أن تكون الشك في الأمر كله، كالشك الذي ترتب في الأذهان على استعمال (أو). وكلاهما يوجب تبرئة المتهم، بل المتهمين كافة مما نسب إليهم.

 

 

 

 

 

إقرار المتهم الثاني بعدم الشروع

فضلا عن تنفيذ أية جريمة

على الفرض الجدلي أن المنسوب إلى المتهمين، والمتهم الثاني تحديدا، يشكل جريمة، فإن ملاحظات النيابة السالفة الإشارة عليها [ص51] تنقل عن المتهم الثاني ـ صادقة ـ أنه قرر في رسائله إلى قيادته في حزب الله: «أن الوضع الميداني في شمال سيناء لا يسمح بسهولة الحركة».

وليس أصرح من هذا إقرارًا بأن شيئا مما هو منسوب إلى المتهم الثاني من إدخال المتفجرات والأسلحة والأشخاص إلى داخل مصر أو إخراجها منها لم يتم أصلا. ولذلك قلنا إن جميع الأعمال المنسوبة إلى المتهمين لم تجاوز مرحلة الأعمال التحضيرية غير المجرمة قانونًا.

دخول المتهم الثاني إلى البلاد

باسم سامي هاني شهاب

أشارت التحقيقات وملاحظات النيابة العامة على قائمة أدلة الثبوت سالفة الذكر، إلى هذه الواقعة، وإلى أن الجواز الذي يحمل هذا الاسم استخدم طبقا لما هو ثابت بسجلات الجوازات بتواريخ 24/7/2008 و2/9/2008 و7/11/2008. وأنه كان جوازًا لبنانيا برقم 1341342.

وليس في هذا الصنيع شيء جديد، بل هو محاكاة مباشرة لما تعلمه حزب الله الذي ينتمي إليه المتهم الثاني، ومنظمات مقاومة الاستعمار بالكفاح المسلح كافة، من رجال المخابرات المصرية في سعيهم عبر عقود إلى محاربة الاستعمار في كل أرض عربية وأفريقية.

وفي كتاب فتحي الديب واقعة تزوير مركبة: لجوازي سفر مرتين، ولعقد شركة، ولعقد إبجار مقر لها، ولتسجيلها في سجل الشركات، ولاستخراج سجل تجاري باسمها ثم لمعاملات لا تحصى دولية ومحلية في تهريب الأسلحة إلى الجزائر وغيرها من البلدان [فتحي الديب، السابق، صفحات 169 و202 و203].

***

سيدي الرئيس، حضرات السادة المستشارين الأجلاء:

لعَلَّ قضيةً لم تشغل الرأي العام في مصر وفي الوطن العربي مؤخرا ـ فيما عدا قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم ـ كما فعلت هذه القضية. والدفاع عن المتهم الثاني قبل أن يتولى الدفاع عنه، وقبل أن يُحيط علماً بتحقيقات وأوراق هذه القضية، وتفاصيلها، كان يتابعُ الجرائد اليومية، ويقرأ كل ما نقلته الأخيـرة عن النيابـة في تحقيقاتهـا، والعناوين الصحفية المدوية التي كانت تُوضـع لهذه التحقيقات، والاتهامات الشنيعة التي كانت تُكَالُ بوفرةٍ للمتهمين، والمتهم الثاني تحديداً، صاحب الحظ الأوفر من هـذه الاتهامات الصحفية !!

لقد ظن الدفـاع وقتها أن المتهم الثاني هالكٌ لا محالة، وكذا شأنُ باقي المتهمين.

ولكن ظنَّ الدفاع في هلاك المتهم الثاني، تَحوَّلَ إلى يقيـنٍ ـ بإذن الله ـ في نجاته هو ورفاقه، خاصةً بعـد أن فَحَصَ الدفـاع الأوراق والملابسـات، وأحـاط بدلائل الثبوت المتهاوية، وادعاءات الإدانة المتخاذلة، وتَيَقَّن من أن المتهم الثاني ورفاقه لم يتحولوا عن أصل البراءة المفترض فيهم ابتداءً، ولازال هذا الأصل ثابتًا فيهـم، متعلقًا بهـم، لم يُفارقوه ولم يفعل هو. وأنه ليس في أوراق القضية برمتها، ولا مرافعة النيابة في إجمالها وتفصيلها، ما يناقضُ هذا الأصل الثابت أو يهدمه، أو حتى يهدد دعائمه، بما لازمه القضاء بهذا الأصل، والحكم ببراءتهم. تأسيساً على أن أصل البراءة، وحسبما وصفته المحكمة الدستورية العليا، في عديد من أحكامها «يعتبر جزءًا لا يتجزأُ من محاكمة تتم إنصافًا، باعتباره متسانداً مع عناصر أخرى تشكل مقوماتها، وتمثلُ في مجموعها حدا أدنى من الحقوق اللازمة لإدارتها، ويندرجُ تحتها أن يكون لكلٍ من المتهم وسلطة الاتهام الوسائل عينها التي يتكافأُ بها مركزاهما، سواء في مجال دحض التهمة أو إثباتها. وهي بعدُ حقوقٌ لا يجوز الحرمانُ منها أو تهميشها، سواءٌ تعلق الأمرُ بشخص يعتبر متهمـاً أو مشتبهاً فيه، وقد أقرتها الشرائع جميعها، لا لتظل المذنبين بحمايتها، وإنما لتدرأ بمقتضاها وطأة الجزاء المقرر للجريمة التي خالطتها شبهة ارتكابها، بما يحولُ دون القطع بوقوعها ممن أسند إليهمُ الاتهام بإتيانها، إذ لا يعتبـرُ هذا الاتهـامُ كافيا لهدم أصـل البراءة، وهو ما يعني أن كل جريمة يدعى ارتكابها لا يجوز إثباتها دون دليلٍ جـازمٍ ينبسط على عناصرها جميعا، ولا يجوز كذلك افتراض ثبوتها ـ ولو في أحد عناصرها ـ من خلال قرينةٍ قانونية يُنشئها المشرِّع اعتسافا، ودون ذلك لا يكون أصلُ البراءة إلا وهما». [المحكمة الدستورية العليا، مجموعة مبادئها في أربعين عامًا، مارس 2009 ص 497 وما بعدها].

بناء عليه

يلتمس الدفاع الحكم ببراءة المتهم الثاني مما منسوب إليه .

 

عن المتهم الثاني

 

أ.د. محمد سليم العوَّا

محام بالنقض