|
|
|
سجل الزوار
|
|
|
|
|
استشارات
|
|
|
|
|
استطلاع للرأي |
|
|
|
|
|
|
رؤية فقهية أخرى:
هزت العملية الإجرامية التي وقعت في مدينة الرياض يوم الثلاثاء الماضي مشاعر العقلاء في الوطن العربي كله، بل في العالم بأسره·
لم يكن السبب في ذلك هو كثرة الضحايا، ولا البشاعة التي ارتكبت بها الجريمة بقلوب ميتة، ولكن المكان والزمان كانا أكثر العوامل التي بعثت على الصدمة والدهشة، ثم الخوف مما قد يحمله المستقبل من مثل هذه الجرائم الشنيعة التي يرتكبها أصحابها تحت زعم، أو تحت وهم، أنهم يقاتلون عدواً أو ينتصرون لقضية·
والواقع أن هذه الجرائم تدخل في تصنيف الفقه الإسلامي للأفعال المعاقب عليها تحت باب جرائم الحرابة· وهي الجرائم التي حدد القرآن الكريم في سورة المائدة جزاء مرتكبيها بقوله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتّلوا أو يصلّبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (المائدة: 33)·
وقد وصف القرآن الكريم هذه الأفعال بأنها حرب الله ورسوله لأنها اعتداء على الأمن الذي فرضه الله لخلقه ومتعهم به رحمة منه وفضلاً، فالذي يبدل الناس من بعد أمنهم خوفاً بأفعاله الإجرامية التي ما أنزل الله بها من سلطان فهو محارب لله تعالى، منازع له في حكمه وأمره· وهي حرب للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان هو المبلّغ عن الله تعالى، وهو رئيس الدولة الإسلامية في عصره، ولذلك فالحرابة جريمة ضد هيبة الدولة وسلطتها وسلطانها وضد واجبها الذي هو سر الولاء لها: أن تمكن الناس من العيش آمنين مطمئنين يعمرون الأرض ويمشون في مناكبها ابتغاء رزق الله وفضله·
وليست هذه العقوبة المغلّظةُ -بنص القرآن الكريم- مستحقة للقتلة وحدهم، بل هي عقوبة المخططين والمنفذين والمفكرين الذين يسوغون هذه الجرائم، جميعاً· ولذلك قال إمام المدينة مالك بن أنس عندما سئل عمن يعين المحاربين برأيه وفكره ولا يشارك في جريمتهم بفعله، قال: رب محارب لا يقتل وهو أخوف (أي لدى الناس) وأشد محاربة ممن قتل· وهذا، لعمري هو الفقه، فإن هؤلاء لا يصدرون عن هوى نفوس مريضة، وإنما عن عزم وتصميم وإرادة فاسدة أملاها الفكر المنحرف الذي يبيح الدم الحرام والمال الحرام بزعم نصرة الإسلام!!
وقد صدرت بيانات وفتاوى عديدة، من علماء فضلاء، تدين هذه الجريمة البشعة ومرتكبيها، وتندد بما أسفرت عنه من خسائر بشرية ومادية ومعنوية·
واستوقفني في هذه البيانات جميعاً، والفتاوى التي قرأتها كافة، أنها تدور حول حرمة دم المسلم، والذمي الذي لم ينقض عهداً، والمستأمن الذي يقيم في أرض الإسلام بأمان الحاكم أو الإمام·
وهذا النظر الفقهي التقليدي صحيح عندما نتحدث عن أحكام الحرب في الإسلام، لكنه غير صحيح قطعاً عندما نتحدث عن أفعال الإجرام المنتهكة لكل حرمة، الضاربة عُرْضَ الحائط بكل قيمة·
فالحديث عن هذه الأفعال، وتحريمها، مبناه عندي العصمة العامة للنفس الإنسانية، وهي عصمة ثابتة للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن دينه أو عرقه أو لونه أو مذهبه أو ملته· ولذلك قال ربنا ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق ولم يقل المسلم، ولا المؤمن، ولا الذمي، ولا المستأمن، ولا المعاهد، لكنه قال النفس التي تشمل هؤلاء جميعاً وتشمل غيرهم من خلق الله· وإذا كان قتل الحيوان غير المؤذي محرّماً إلا لضرورة أو حاجة مشروعة فما بالك بالإنسان المنصوص على حرمة دمه؟
وقد فات هذه الفتاوى والبيانات الصادرة عن أولئك العلماء أن معنى كلامهم أن غير المستأمن والذمي من غير المسلمين في بلاد الإسلام يكون قتله حلالاً(!) وهي نتيجة لا يقبلون بها قطعاً· إن غير المسلم الذي يتجاوز الإقامة المصرّح بها في بلاد المسلمين يفقد عقد أمانه بمجرد انتهاء المدة المسموح بها، فهل نقول إنه بذلك يصبح حلال الدم؟ والمعاهد الذي يدخل البلاد لغرض معين يتمه في مدة معلومة إذا خالف الغرض الذي دخل من أجله لا يصبح للإذن له قيمة فهل نرتب على ذلك أن دمه وماله يصبحان بلا حرمة؟ والذمي -وأنا لا أرى لهذا الاسم في الدول الإسلامية العصرية محلاً- الذي يرتكب بعض أنواع الجرائم يفقد في نظر الفقه التقليدي صفته هذه، فهل نقول بانحسار سلطات الدولة عنه وفقدانه حمايتها، ونجيز لمن شاء العدوان عليه؟ أم نقول إن الدولة وسلطاتها ومحاكمها هي التي تعنى بشأنه وتحاسبه عما أجرم، وتحاكمه محاكمة عادلة تكفل له فيها الضمانات الكافية للدفاع عن نفسه، قبل أن يدان أو يبرأ؟
إنني أرى أن الرؤية الفقهية التقليدية في هذا الشأن أصبحت غير مجدية· والواجب علينا أن نعالج الأمر في ضوء كليات الإسلام وقواعده المحرّمة لكل دم إنساني، لئلا نقع في مثل المحظورات التي ذكرتها ترتيباً على المقدمات التي لا تناسب المقام أو على الوقوف عند المفاهيم التي تخطاها الزمن·
د· محمد سليم العوّا
كاتب ومفكر - مصر
|
|
|
| البحـــــث |
|
|
 |
|
 |
|
جــــديد الموقـــع
|
|
|
|
|
|
قائمة الكتب
|
|
|
|
|
المكتبة المرئية
|
|
|
|
|
المكتبة الصوتية
|
|
|
|
|