|
|
|
سجل الزوار
|
|
|
|
|
استشارات
|
|
|
|
|
استطلاع للرأي |
|
|
|
|
|
|
الطريق إلى جهنَّم
د. محمد سليم العوا
في القرآن الكريم:"ومن يقتلْ مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعدَّ له عذاباً عظيماً" (النساء: 93).
فما القول فيمن يقتل عشرات المؤمنين؟ ويصيب المئات منهم؟ ويروع الآلاف أو الملايين؟
أسأل هذه الأسئلة بمناسبة الجرائم الشنيعة التي تأتي أنباء السوء من الرياض، عاصمة المملكة العربية السعودية. فعندما وقع انفجار "المُحَيّا" الذي لم يصب فيه إلا سكان عرب مسلمون ومسالمون من المقيمين في الرياض، أو من أبناء البلاد، تَنَادى عدد من العلماء غير قليل لإدانة هذه الجريمة، وأفتوا بأن فاعليها قتلة قتلاً عمداً، وبينوا حكم الإسلام في الذي يروع الآمنين ويسفك الدم الحرام.
ولكن هؤلاء المجرمين الذين يفعلون بالمسلمين، وبغير المسلمين الذين ليسوا أعداءً لنا ولا مقاتلين، ما نهى الله تبارك وتعالى عنه وتوعد عليه بأن يجعل جزاءَه جهنم، وبغضب الله تعالى، ولعنته، وبالعذاب العظيم، يبدوا أنهم لم يفقهوا القرآن، ولم يعلموا حلاله وحرامه، فأنى لهم أن يفهموا كلام العلماء أو يفقهوا ما بينوه من حكم الإسلام في جرائمهم؟!
ولو أن هذه هي المرة الأولى التي يسلك فيها بعض المنسوبين إلى الإسلام هذه السبيل لقلنا: لعل له عذراً وأنت تلوم(!) أو قلنا إنهم لم يعرفوا مغبة فعلهم وعاقبته ويجب على أهل البيان أن يبينوا ذلك لهم.
لكن العجيب أن هذا الطريق مجرَّب. وعواقبه لم تكن إلا هلاك من سلكوه، وارتدادهم عن أفكارهم الضالة المضلة، وإعلان من بقي منهم توبته ورجوعه وندمه؛ وهم لم يحققوا أي هدف من الأهداف التي زعموا أنهم يحققونها ـ أو يطلبونها ـ بما سمّوهُ "الجهاد"!
فلم يجاهدوا إلا ضد المسلمين والآمنين من غيرهم من أهل أوطانهم أو المقيمين فيها. وهذا عدوان يسمى في الفقه الإسلامي "حرابة" ويسمى في اللغة القانونية المعاصرة "إرهاباً".
وأنا أدعوا الكُتاب والمفكرين والقانونيين والسياسيين إلى استعمال اللفظ الإسلامي "الحرابة"، وتوقيع عقوبته المقررة في القرآن الكريم على مرتكبي هذه الجرائم، فإنهم لا يردعهم سجن ولا شنق، ولا يعتبر بهم سواهم ما لم توقع العقوبة القرآنية:"إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتَّلوا أو يصلَّبوا أو تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم" (المائدة:33). وهذه العقوبة الشديدة قررها القرآن الكريم لأن هذه الجرائم تذهب بالأمن من الأرض، وتنشر الخوف بين العامة والخاصة، وتنقض عرى البناء الحضاري الإنساني الذي هو سرُّ الاستخلاف الإلهي للإنسان في هذه الدنيا:"هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها" (هود:61).
لقد جربت مصر التعامل مع أمثال هؤلاء الخوارج الذين يعيثون فساداً في أرض المملكة العربية السعودية، واكتوت نحو عقدين من الزمان بنيران الجرائم التي ارتكبوها في كل بقعة وصلت إليها أيديهم وسولت لهم ظنونهم أنها تضعف الدولة وتذهب بقوتها وتكسر شوكتها. فماذا كانت النتائج؟ لم تزد يد الدولة على الإسلاميين البرءاء إلا شدة. وضُيِّق على العلماء وعلى الدعاة الصالحين لأن التجمع حولهم كان مصدراً لا ينضب لهؤلاء الخوارج يجدون فيه بغيتهم من ضعاف العقول، مشبوبي العاطفة، فيقنعونهم أنه لا وسيلة لنشر هذا العدل الإسلامي الذي يسمعون عنه من الدعاة والعلماء، ولا طريق لعودة المجتمع الفاضل الذي يتشوقون إليه كلما استعاد المتحدثون مآثره إلا إسقاط هذه الحكومات الظالمة(!).
والحكومات لا تسقطها جرائم القتل والتدمير بل تزيدها قوة وتماسكاً وإصراراً على تتبع المجرمين ومعاقبتهم. والناس لا يقبلون ممن يحمل السلاح عليهم بلا تمييز فيقتل الأبرياء ويسفك الدماء أن يحدثهم عن القيم والمبادئ والأخلاق، لأن عدالته وصدقه أصبحا مطعونين ساقطين بفعله الذي يناقض قوله وسلوكه الذي يهدم به أركان دينه. ولما مكث من بقي حياً من زعماء هؤلاء الخوارج في مصر في السجون عشرات السنين، وأصبح الشاب كهلاً، والرجل شيخاً، والصحيح البنية سقيماً مريضاً، والنافذ العزم واهناً ضعيفاً، ظهرت المراجعات التي أعلنوا فيها توبتهم وتنكروا لكل ما فعلوه في ماضي سنينهم واستدلوا بأقوال العلماء والدعاة الذين كانوا يكفرونهم على المنابر ويصفونهم بممالأة الحكام ومصانعة أعداء الدين(!)
فهل بعد هذا الخزي خزي؟
وهل غاب ذلك كله عن خوارج الرياض وغيرها من المدن السعودية فلم يتعلموا الدرس، ولم يروا النهايات؟ أم أنهم يحتاجون إلى ذلك الذي كان يقوله الخطيب كل جمعة:"واعلموا أن ملك الموت كما تخطاكم إلى غيركم سيتخطى غيركم إليكم" فكذلك سيفعل ملَك الهزيمة الذي لاحق خوارج مصر؛ سيلاحق خوارج الرياض ويقودهم في الطريق الذي انتهى إليه أسلافهم وهم لا يشعرون: طريق الهزيمة والصّغار الذي كانوا في غنى عنه لو عقلوا واتعظوا بمن سبقهم.
إننا لا نتوقف عن إدانة الصهاينة لما يرتكبونه من جرائم قتل يومية يرتفع نتيجة لها أبطال المقاومة الفلسطينية شهداء مقبولين بإذن الله. ولا نكف عن استنكار ما يصنعه جنود الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق المحتل من جرائم يومية ضد العُزَّل الآمنين في البيوت من القرى والمدن، وفي الشوارع والمدارس والمستشفيات والمساجد. فبأي لسان ـ إذا لم ندِن بالقوة نفسها، ونستنكر وننكر بالعنف ذاته جرائم هؤلاء الخوارج ـ نستطيع أن نواجه عدوَّنا المحتل في فلسطين والعراق وأفغانستان؟
إن عداوة أبناء جلدتنا، وعدوانهم علينا أشد خطراً وأعظم إيلاماً من عدوان الأجنبي المحتل الغاصب. والواجب الفردي والجماعي على الناس كافة أن يقفوا في وجه مرتكبي هذه الجرائم بكل ما يملكونه من وسائل، وألا تأخذهم فيهم لومة لائم، فإن لم يكن في وسع الفرد أن ينكر عليهم فيمنعهم من ارتكاب جرائمهم فعلى الأقل لا يكون بسكوته نصيراً لهم ولا ظهيراً.
وليعلم أولئك الذين يستحلون الدم الحرام، ويفقدون الناس نعمة الأمن أن "الله من ورائهم محيط".
|
|
|
| البحـــــث |
|
|
 |
|
 |
|
جــــديد الموقـــع
|
|
|
|
|
|
قائمة الكتب
|
|
|
|
|
المكتبة المرئية
|
|
|
|
|
المكتبة الصوتية
|
|
|
|
|