|
|
|
سجل الزوار
|
|
|
|
|
استشارات
|
|
|
|
|
استطلاع للرأي |
|
|
|
|
|
|
أحاديث مختارة من
مختصر صحيح مسلم
دكتور محمد سليم العوَّا
محاضرات جمعية مصر للثقافة والحوار
رجب 1424 ـ ربيع الثاني 1425هـ = سبتمبر 2003 ـ يونيو 2004
(2)
المختصر الذي نقرأه هو مختصر الإمام المنذري. حققه وعلق عليه تعليقات مختصرة جدًّا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه. وأنا أستعمل فيما أقوله من معلومات حوله أربعة كتب: شرح النووي وشرح القاضي عياض، وشرح السنوسي والأبي المطبوعين معًا. وهما تكملة لشرح القاضي عياض وشرح الشيخ موسى شاهين لاشين الذي كان عميد كلية أصول الدين فتح المنعم بشرح صحيح مسلم.
* * * * *
سنبدأ بالباب الذي عنونه الإمام المنذري بباب «أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» وأورد فيه حديثين أحدهما لأبي هريرة والثاني لعبد الله بن عمر بن الخطاب.
حديث أبي هريرة فيه أنه «لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي بكر رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله» هذا كلام سيدنا عمر وهذه روايته للحديث. فقال أبو بكر رضي الله عنه: «والله لأُقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه.» فقال عمر بن الخطاب: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق».
هذا الحديث من الأحاديث الأمهات في السنَّة الصحيحة وعليه كلام كثير من الأقدمين والمحدثين. وبعض الإخوان استبطلوا الحديث لأنه يتضمن جواز الإكراه في الدين، والإكراه في الدين منفي بنص القرآن الكريم الذي يقول فيه ربنا «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». واستبطل الحديث يعني طلب بطلانه،أو زعم بطلانه، وأنا أقول استبطل الحديث لأنه ليس باطلاً، فهو حديث صحيح ومعناه صحيح.
استبطل الحديث بأمرين: الأمر الأول أن فيه وجوب مقاتلة كل الناس إلى أن يقولوا لا إله إلا الله، والأمر الثاني أن أحد رواته متهم بالتدليس.
أريد أن أقف عند الأمر الأول لأن الأمر الثاني متعلق بعلم الرجال وعلم المصطلح وبمعنى التدليس نفسه، والتدليس طبقات وأنواع ومنه تدليس مقبول وتدليس غير مقبول، وتدليس عن ثقات وتدليس عن كذابين.
ولكن أُريد أن أقف عند الكلمة الأولى «أُمرت أن أقاتل الناس» الناس هنا ليسوا كل الخلق، الناس هنا هم فئة خاصة من الناس، قال العلماء إنهم مشركو العرب من عبدة الأوثان ونحوهم. لماذا قالوا عبدة الأوثان ونحوهم؟ لأنه كان هناك ناس يعبدون الأوثان ويقولون إنها آلهة تنفع وتضر، وناس يعبدون الأوثان لتقربهم إلى الله زلفى، وناس يعبدون الأوثان لأنهم وجدوا آباءهم على أمة وهم على آثارهم مقتدون. فليس كل الذين يعبدون الأوثان كانوا على نسق واحد أو نمط واحد، كان منهم أنماط وأنساق مختلفة.
فقالوا "الناس" في قول النبي «أُمرت أن أُقاتل الناس» مقصود بها مشركو العرب وعبدة الأوثان وغيرهم. واستدلوا على ذلك بأن الله تبارك وتعالى ذكر في القرآن لفظ الناس ولا يعني به كل الناس في الآية «الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم» فلا الناس الذين قالوا كانوا كل الناس، ولا الناس الذين جمعوا كانوا كل الناس. إنما الناس الذين قالوا كانوا ركبًا مسافرين، والناس الذين جمعوا كانوا بقايا من بقيَ من قريش أو من تجمع من قريش للرجوع إلى مكة بعد غزوة أحد.
فإذا فهم أحد من كلمة الناس أنهم الخلق جميعًا، فالمشكلة عنده هو، ويتعين عليه أن ينظر في التعبير العربي كيف مضى، وفي السُنَّة العربية كيف مضت.
أحد العلماء الأحناف يقول: إن للعرب في كلامها سمَتًا، من علمه علم معنى كلام الله ورسوله. ومن جهل سمت كلام العرب (السَمت هو الشكل، هو اللفظ، هو النسق) لم يستطع أن يدرك معنى كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن سمت كلام العرب أن تذكر الجزء تريد به الكل، وتذكر الكل تريد به الجزء.
والإمام النووي يقول في شرحه إن هذا كثير في لسان العرب: التعبير عن الجزء بلفظ يشمل الجميع، أو التعبير عن الكل بلفظٍ أصل دلالته جزئية.
والقاضي عياض يقول إنهم المشركون من عرب الجزيرة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» فجعل التخصيص بحديث آخر دل على اختصاص هذه الجزيرة بحماية الإسلام وحفظه، وأنها حوزته. وعندنا الحديث «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها» يعني يرجع وينحصر وتكون المدينة مصدر قوته ومصدر انفتاحه وانتشاره مرة ثانية. وعندنا الحديث «الإيمان يمان والحكمة يمانية» ليس معناه أن كل الإيمان في اليمن، ولا معناه أن أهل اليمن أكثر الناس إيمانًا. إنما الوفد الذي جاء للرسول صلى الله عليه وسلم كانت هذه صفتهم. فعندنا أحاديث كثيرة تدل على أن المراد بهذا اللفظ العام معنى خاص، فهو من العام الذي يراد به الخاص، وليس من العام الذي يراد به العام. وعندنا هذان النوعان من الألفاظ كثيرًا في كلام العرب.
الأمر الثاني أن هذا الحديث رُوِيَ بروايات عدة منها روايتان أخريان في مسلم إحداهما عن أنس والثانية عن عبد الله بن عمر وفيهما تفاصيل.
لكن الصاحبين الجليلين أبا بكر وعمر لم يسمعا هاتين الروايتين المفصلتين. في الروايات الأخرى «وصلى وصام وزكى وأكل ذبيحتنا واستقبل قبلتنا». إذن، هناك روايات مفصلة لو كان الصاحبان قد سمعاها لما وقع بينهما هذا الجدال ولما احتج أبو بكر بالقياس ولما استجاب عمر لدليل القياس. لأن الذي فعله أبو بكر أنه قال: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال» إذن هو استعمل القياس. وعمر يقول: «فما أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق» فاستجاب لدليل القياس.
لو كان عندهم الدليل النبوي، النص الذي سيأتي معنا في حديث عبد الله بن عمر وحديث أنس، ما كانا احتاجا لهذا الجدال لأن الحديث حُجة على عمر. إذاً يجوز أن يفوت على الكبير في العلم والمقام، والقديم في الصحبة والملازم للنبي صلى الله عليه وسلم، علمٌ حضره أو سمعه أو نقله، أو نُقِل إلى من هو أقل منه صحبة ودراية وأقل منه وقتاً قضاه مع النبي صلى الله عليه ومسلم أو علمًا بمجمل سنته. لأنه لا شك عند أحد أن أبا بكر وعمر كانا أعلم بمجمل السُنَّة من عبد الله بن عمر ومن أنس. ومع ذلك حفظ أنس وعبد الله بن عمر حديثًا لم يحفظه الصاحبان الكبيران أبو بكر وعمر.
ثم «فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عِقَالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...» هذه الكلمة أيضًا وقف عندها العلماء وقوفًا طويلاً.
العِقَال هو الحبل الذي يقاد به البعير، أو يربط به في سارية أو جدار حتى لا يفلت. فأبو بكر عندما يقول لو منعوني عِقالاً يريد أن يقول لو منعوني أدنى شيء كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن العِقال ليس من الزكاة. فقال العلماء: لا، بل العقال من الزكاة. لأن عمر عندما ولاه النبي صلى الله عليه وسلم الصدقات كان لا يأخذ بعيرًا ولا ناقة إلا بِعِقالها. وعندما ولّي محمد بن مسلمة زكوات البحرين كان لا يأخذ فريضتين إلا بعقالين، فريضتين يعني ناقتين أو جملين أو شاتين أو أي نوع من أنواع الإبل والغنم، لا يأخذها إلا ومعها عقالها. لكن هذا تكلف في الحقيقة لأن مقصود أبي بكر رضي الله عنه في هذا الحديث أن يقول لعمر: اعلم يا عمر أنهم لو كانوا يؤدون شيئًا مهما قلَّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بحكم كونه رئيسًا للدولة، وبحكم أنه تكليف على المؤمنين يجب عليهم أن يؤدوه مثل الزكاة، لقاتلتهم عليه مهما كان صغيرًا.
فجاء فريق آخر من العلماء قالوا: لا، هذه الرواية تجبَّها وتلغيها رواية أخرى صحيحة فيها «لو منعوني عناقًا» (العناق هو الأنثى من الماعز). فرد عليهم الأولون، قالوا: العناق الواحدة ليس فيها زكاة لأنه في كل أربعين شاة شاة واحدة. فهذا الموضوع لا ينطبق عليه.
وتجادلوا في معنى العقال والعناق، فقال قوم آخرون: لا هي عقال، ولكن المقصود بالعقال زكاة سنة كاملة، وهذا هو المقصود بقول أبي بكر: عقال.
فنقل النووي كلام أحد مشايخه الذين قالوا: أن نسبة هذه اللفظة إلى زكاة السنة تعسف وتكلف وخروج عن المراد بها؛ لأن المراد بها تقليل ما منعوه. مهما قل ما منعوه فأنا محاربهم عنه.
ثم «لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق»
هنا مسألة مهمة جدًّا:
لما يأتي إخواننا يدرسون الشورى ويقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المواقف لم يأخذ بالشورى، وأبو بكر رضي الله عنه في بعض المواقف لم يأخذ بالشورى، يضربون بهذه الحادثة مثلاً. لأنه في بعض روايات الحديث في الكتب الصحيحة أن أبا بكر قال: «والله لأقاتلنهم ولو خرجت إليهم وحدي» فقالوا لم تكن هناك شورى هذا كان أمر بالإكراه، فيُرد عليهم بأن عمر قال: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق» أي شخص سمع عن عمر وعن سيرته يقول إن عمر يرى الحق ويجانبه؟!.. أم يرى الحق فيتبعه؟!
لا شك أن عمر إذا رأى الحق كان يتبعه، النبي صلى الله عليه وسلم سماه الفاروق؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، وقال له إنه ما مشي في طريق إلا وهرب الشيطان منه. فعمر ليس الذي يرى الحق ويعدل عنه أو ينحرف.
فعمر كان إذا رأى الحق مضى وراءه، حتى عندما رده الرجل في موضوع منع طواف الرجال مع النساء في الحرم: فقد وجد عمر أن الدنيا زحمة والناس تطوف، فخاف من اللخبطة فنهى عن أن يطوف الرجال والنساء في وقت واحد. ثم في اليوم الثاني ذهب إلى المسجد فوجد رجلاً يطوف في وسط النساء في الوقت الذي كان مخصصاً للنساء. فضربه وقال له: "كيف تطوف في الوقت الذي نهيت عن الطواف فيه؟" فقال له: "أنا لم أسمع لك عزمة" (عزمة يعني أمرًا) يعني لم أسمع نهيك عن طواف الرجال مع النساء في هذا الوقت. فقال له عمر: "دونك القصاص" (فأعطاه الجلدة التي يضرب بها الناس ليقتص بها). فقال الرجل: "لا، تضربني في ملأ وتريد أن أقتص منك في خلوة(!) انتظر حتى إذا كان الغد في الموضع الذي ضربتني فيه تأتي فأضربك". فجاء عمر ثاني يوم ومعه الجلدة وأعطاها له وقال له تفضل القصاص. فقال له الرجل: "والله ما كنت لأقتص منك يا أمير المؤمنين ولكني أحببت أن يعرف من جاء للحج من قومي أنه ليس في هذا الدين فضل لأحد على أحد".
وهذا يذكرنا بالرجل، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كنت ضربت له ظهراً فهذا ظهري..." وهذا كان في وقت الوفاة، في آخر خطبة للنبي صلى الله عليه وسلم على منبره. لكن يوم غزوة بدر أثناء ما كان يسوي الصفوف، خبط واحد على بطنه وقال له: ارجع (يعني ادخل في الصف) فالرجل زعل وقال له: أنت آلمتني فتعال أقتص منك. فقال له: تفضل اقتص مني كما ضربتك اضربني. فقال الرجل: لا حتى تُعري بطنك (الرجل في الغزوة كان لابس رداء وإزار فهذا الجزء من بطنه كان عاريًا) فلما عرى النبي صلى الله عليه وسلم بطنه، أهوى إليه وقبَّله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصنع؟ قال: إنما أردت أن يكون آخر عهدي في الدنيا إذا مت في هذه الحرب أن يمس جلدي جلدك. ومات شهيدًا.
فهذه الوقائع كثيرة في التاريخ الإسلامي الصحيح، وتدلنا على أن هذه الأمة نشأت على العدل وعلى المساواة، وعلى الجرأة من الحاكم أمام المحكوم، ومن المحكوم أمام الحاكم. ولهذا استقام أمرهم، فلما تركت هذا كله جرى عليها الذي تعرفونه.
فهذه هي المسألة المتعلقة بالشورى، لم يكن في هذا الأمر إجبار، ولم يكن فيه مخالفة للشورى. بل كان عمر رضي الله عنه قد عرف أنه الحق لما رأى الله شرح صدر أبي بكر للقتال، ولا يمكن لعمر أن يعرف أنه الحق فيخرج عنه.
أحب أن أقول لكم عن الزهري، الراوي الذي قالوا إنه مدلس في هذا الحديث. فأثناء بحثي في الأقوال التي نسبت إليه التدليس وجدت كلمتين، جميلتين: الأولى كلمة عمر بن عبد العزيز قال: «لم يبق في زماننا على وجه الأرض أعلم بسنة ماضية من الزهري»؛ ليس هناك على وجه الأرض في زمن عمر بن عبد العزيز واحد أعلم بالسنَّن الثابتة، السنَّة الماضية يعني سنَّة ثابتة قديمة منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم نسبة صحيحة معمولاً بها، ونقلها العلماء وتلقاها الناس بالقبول فعملوا بها. والكلمة الثانية كلمة مالك بن أنس، ينقل عن شيخه ابن أبي ذئب يقول: "قال ابن أبي ذئب بقي ابن شهاب (وهو ابن شهاب الزهري) وليس له في الدنيا نظير" أي أنه عاش مدة من الزمن حتى أصبح وحيد زمانه ليس له في الدنيا نظير.
فالرجل بهذه المكانة، ثم يقرأ واحد كلمة مدلس، ويفهم كلمة مدلس على أنه كذاب، ثم يُكذِّب أحاديثه! فسيضيع لنا الثقة ليس بهذا الحديث فقط، ولكن بنصف أحاديث مسلم والبخاري وأبي داوود والترمذي وغيرها. إن ما يسمّى تدليس الزهري هو ما وقع في بعض ما رواه من الحديث مرسلا لا فيما رواه مسندًا، فإن ما أسنده لم يعبه أحد من أهل العلم بالحديث، بل هم مطبقون على الاحتجاج به والثناء عليه. قال الذهبي فيه، في سير أعلام النبلاء: «إمام العلم، حافظ زمانه» وقال عنه «الثبت الحجة. وأين مثل الزهري رحمه الله؟».
* * *
الحديث الثاني الذي أتى به المختصر هو حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أُمِرت أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله».
لو كان هذا النص ثابتًا عند أبي بكر وعمر، لكان كل الجدل الذي سمعناه في الحديث الأول ليس له لزوم، لأن أبا بكر كان احتج عليه بأن النبي أمر أن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا لم يفعلوا واحدة من الاثنتين يجوز له أن يقاتلهم.
تبقى عبارة: و«حسابهم على الله»، وهي واردة معنا في الحديثين. فما معناها؟ لأنه إذا أقام الصلاة وآتى الزكاة وأصبح مسلمًا ودخل في ملة الإسلام من سيحاسبه؟ بالطبع حسابه على الله.
قال العلماء: ليس هذا هو المعنى المراد، وإنما المعنى أنَّ حسابهم على الله فيما أخفوه، حسابهم على الله فيما أبطنوه، حسابهم على الله فيما لا نعرفه من أحوالهم؛ لأن لنا الظاهر والله يتولى السرائر. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرت أن أحكم بالظاهر» وقال للذين اختصموا إليه: «إنما أنا بشر وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه ظلمًا فلا يأخذه، فإنما أقضي لهم بجمرة (أو بقطعة) من النار».
إذن وحسابهم على الله فيما أخفوه، حسابهم على الله فيما أبطنوه، حسابهم على الله فيما لم يبدوه لنا، إما من معاصي إن شاء الله أن يغفرها أو شاء أن يحاسب بها فهذا أمره. وإما من طاعات لا نعرفها فلا نذكرها وتخفى، وتجد الواحد يموت فيقولون: والله كان فاتح كذا بيت، ده كان بيعمل كذا لفلان. وأهله وأولاده وزوجته لا يعرفون عنه شيئًا. هذا الإخفاء حسابه عند من؟ حسابه على الله تبارك وتعالى.
فكلمة حسابهم على الله ليست فقط العقاب إنما الحساب يشمل الثواب ويشمل العقاب، فمن أحسن فلنفسه ومن أساء فعليها، عليها هذه ليست لازمة، عليها هذه قد يغفرها الله تعالى وقد يعفو عنها، وقد يتجاوز. وقد تكون هناك أسباب لا نطَّلع عليها: ربنا اطَّلع على امرأة سقت كلبًا فأدخلها الجنة واطَّلع على امرأة حبست هرة فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض فأدخلها النار، والناس الذين من حولهم لا يعرفون. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لعمر:«ما يدريك لعل الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم». فنحن لا نعرف إطلاع الله على عباده وما أخفاه لهم من ثواب أو من عقاب. فمعنى حسابهم على الله في الحالين حساب المثوبة، أو حساب العقوبة كلاهما على الله سبحانه وتعالى ولا شأن لنا بها.
موضوع الردة: هذا القتال كان قتال المرتدين. موضوع الردة موضوع اختلطت فيه الآراء، وكثير من الناس قالوا كلامًا صحيحًا، وكثيرون قالوا كلامًا فاسدًا أكثر من الصحيح، وزعموا أن هناك إكراهًا للناس على الدين.
لكن حقيقة موضوع الردة لخصها الإمام الجليل أبو سليمان الخطَّابي صاحب «معالم السنن» ومعالم السنن هو شرح لسنن الإمام أبي داوود، وهو شرح كبير قال عنه العلماء: من اطلع على هذا الكتاب وحده من كتبه أيقن بإمامته.
الخطابي تكلم عن الردة فقال إن الناس كانوا صنفين:
صنف ارتد عن الدين ونابذوا المِلة وعادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة في قوله في هذا الحديث «وكَفَر منْ كَفَر من العرب» هؤلاء كفروا كفرًا صريحاً وأنكروا الإسلام وارتدوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية.
وهذه الفرقة طائفتان: أحدهما أصحاب مسيلِمة من بني حنيفة وغيرهم...، والأسود العنسي وسجاح.. وغيرهم من الذين صدَّقوهم على دعواهم النبوة، ومن كان يستجيب لهم من أهل الأمصار وأهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم مُدعيَّة بنبوة غيره. فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قَتَلَ اللهُ مسيلٍمة الكذاب باليمامة وكان الأسود العنسي قد قتل بصنعاء قبل موت النبي e بقليل ومن بقي من أتباعه قاتلهم عمال النبي e في عهد أبي بكر وقضي على فتنته بعودة غالب هؤلاء إلى الإسلام. وانقضت جموعهم وهلك أكثرهم. فهؤلاء قُوتِلوا على الكفر الصراح. هم ارتدوا وادعوا نبوة لغير محمد صلى الله عليه وسلم. والقرآن يقول «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين» فمن يدَّعي النبوة من بعده فهو كافر به وبالقرآن، ومن صدَّق بنبوة غيره بعده فهو أيضًا كافر به وبالقرآن؛ لأنه لا يجوز لمسلم أن يصدق بنبوة أحدٍ بعد محمد صلى الله عليه وسلم. فهذه هي الطائفة الأولى من المرتدين الذين كفروا كفرًا صريحًا.
والطائفة الثانية أنكروا الشرائع، كان ارتدادهم عن الدين بأن أنكروا الشرائع، وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية. حتى إنه لم يكن يُسجد لله تعالى في بسيط الأرض كلها إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس في البحرين (الأحساء الآن) في قرية يقال لها جواثى. وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم محصورين بجواثى (ذكر في اسمها أيضًا جواثاء، وجؤاثا)، لا يستطيعون الخروج من قريتهم إلى أن فتح الله على المسلمين اليمامة، فاستنجد بعضهم بأبي بكر. وهؤلاء كانوا عددًا قليلاً بضع عشرات أو مئة.
الصنف الثالث هم الذين رُويَ عنهم أنهم فرقوا بين الصلاة والزكاة، وقالوا نؤدي الصلاة ولا نؤتي الزكاة؛ لأن أداء الزكاة كان لمحمد صلى الله عليه وسلم لأن ربنا تعالى قال له: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم». فهؤلاء قالوا: لا نؤدي الزكاة إلا لمن كانت صلاته سكنًا لنا.
ثم إن المرتدين الذين تركوا الإسلام جملة لم يكونوا جالسين في بيوتهم، وإنما حملوا السيف واتبعوا نبيًا جديدًا، وتأهبوا لغزو المدينة، وأرادوا أن يفتكوا بمن بقي من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فلو قعد المسلمون عن مقاتلتهم لضاع الإسلام وقتها. فكان من رحمة الله وتوفيقه لأهله أن قيض أبا بكر لهذا الموقف العظيم.
* * *
جاء بعد ذلك إلى باب «من قتل رجلاً من الكفار بعد أن قال: لا إله إلا الله» وهذا من الأبواب الجميلة في الإسلام. وفي هذا الباب أورد المنذري الحديث الذي رواه مسلم: «عن المقداد بن الأسود أنه قال: "يا رسول الله أرأيت إن لقيت رجلاً من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذ مني بشجرة فقال: أسلمت لله. أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله"، قال: فقلت: "يا رسول الله إنه قد قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها، أفأقتله؟" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال».
المنذري أتى بهذا الحديث في الأول مع أن مسلم جاء به في آخر الباب، لأن المنذري اعتبر أن حديث المقداد سؤال في قضية عامة، سؤال في قاعدة عامة. مسلم جاء في أول الباب بحديث أسامة بن زيد؛ لأن رواته عنده أوثق، وإن كانوا كلهم من طبقة أهل الثقة.
وكما قلت، إن هذا كتاب آخر غير صحيح مسلم، هو مأخوذ مما في صحيح مسلم لكنه كتاب من تأليف المنذري على حسب فهمه للموضوع.
* * *
الحديث الرابع: جاء بعد ذلك بالحديث الآخر، وهو الحديث المروي عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فصبَّحنا الحروقات من جهينة (الحروقات بطن من بطون قبيلة جهينة) فأدركت رجلاً فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك (يعني حدثته نفسه أن هذا موضوع مهم) فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفًا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه (هل فتحت قلبه ورأيت أقالها خوفاً من السلاح أم قالها يقيناً) حتى تعلم أقالها أم لا؟! قال أسامة: فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكررها عليَّ حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ».
قال، (القائل هنا الراوي عن أسامة بن زيد. المنذري لم يأت باسمه لأن المنذري بدأ بالصحابي أول الحديث فقط). قال الراوي عن أسامة بن زيد إن سعد بن أبي وقاص الذي حدثهم بهذا الحديث عن أسامة قال: "وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين". يعني أسامة
(متى كان هذا؟.. هذا في فتنة علي ومعاوية رضي الله عنهما، عندما قالوا لسعد، خال رسول الله، ومُجاب الدعوة: "ترمي فتصيب من عشرة عشرة ثم تترك عليًّا وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يهلكهم أهل الشام؟" قال: «ما عندي إلا سيف من خشب» (أمسك بعصا) فقالوا له: ليس عندك سلاح تخرج تقاتل به؟ قال لنا: «حتى تأتوني بسيف يقول يا سعد هذا مسلم فلا تقتله، وهذا مشرك فاقتله» فقالوا له: كيف نصنع ذلك؟ وهذا بقية الحديث....قال: قال رجل ألم يقل الله تعالى «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله» فقال سعد: قد قاتلنا (يعني مع النبي صلى الله عليه وسلم) حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة» (أنتم تُقاتلون حتى توقعوا الفتنة بين فريقين كبيرين من المسلمين، على رأس هذا صحابي جليل وعلى رأس الثاني صحابي جليل، وأنتم تمشون بينهم بالفتن. قال سعد: نحن قاتلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتال المشركين، وبعد ذلك في الغزوات حتى لا تكون فتنة) فامتنع سعد عن القتال في فتنة علي ومعاوية أخذًا بحديث أسامة رضي الله عنه.
* * *
الحديث الخامس: «عن صفوان بن محرز أن جُنْدَبَ بن عبد الله البَجَلي (وهو صحابي) بعث إلى عسعس بن سلامة زمن فتنة ابن الزبير (فتنة ابن الزبير كانت أيام يزيد بن معاوية، يعني بعد فتنة علي ومعاوية بسنين) فقال اجمع لي نفراً من إخوانك (عسعس بن سلامة وإخوانه كانوا مع عبد الله بن الزبير) حتى أحدثهم، فبعث رسولاً إليهم، فلما اجتمعوا جاء جُنْدَبٌ وعليه برنس أصفر (البرنس هو رداء متصل به غطاء للرأس، ومزية لبسه أنه يخفي المعالم قليلاً) قال: تحدثوا بما كنتم تحدثون به، حتى دار الحديث، فلما وصل الحديث إليه، حسر البرنس عن رأسه (لكي يعرفوه قبل أن يتكلم) فقال: إني أتيتكم لا أُريد أن أُخبركم إلا عن نبيكم صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثاً من المسلمين إلى قومٍ من المشركين، وإنهم التقوا، فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد إليه فقتله، (كان شديد البأس كلما أراد أن يقتل واحداً من أبطال المسلمين يذهب ويقتله) وإن رجلاً من المسلمين تحين غفلته وفي رواية قصد غفلته، قال: وكنا نُحدَّث (إذن، جندب لم يكن حاضراً الواقعة لكن الناس حكوا له) أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف (رفع أسامة على هذا المشرك الذي يقتل كل مسلم يراه) قال (الرجل) لا إله إلا الله. فقتله أسامة بعد أن قالها. فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله (أي عن أحبار من جاء من عندهم من المسلمين)، فأخبره خبر الرجل وكيف صنع. فدعاه (أي دعا أسامة) فسأله فقال: "لم قتلته؟" فقال: "يا رسول الله أوجع في المسلمين، فقتل فلاناً وفلاناً" (سمى له نفراً من الصحابة) وإني حملت عليه فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله." قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أقتلته؟" قال: "نعم." قال: "فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!" قال: "يا رسول الله استغفر لي." قال: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!" قال:(يعني جندب) فجعل لا يزيده على أن يقول له «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة». فأسامة يستزيد صلى الله عليه وسلم طلب المغفرة والنبي صلى الله عليه وسلم لا يرد عليه إلا بقول «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة».
هذا الحديث برواياته المختلفة أصل لا يجوز لأحد أن يغفل عنه. ومن غفل عنه فإن أحسن حالاته أن يكون كأسامة بن زيد. على أن أسامة بن زيد لا يمكن أن يساويه أحد لأنه لم يكن قد أُخبر بعدم جواز قتل من قال لا إله إلا الله، لم يكن قد بلغه الحكم إنما جاء هذا التشريع بعد فعلة أسامة.
القاعدة العامة هي التي في حديث المقداد: لا يجوز أن يَقْتُل أحد أحدًا يقول لا إله إلا الله. طيب، فيأتي واحد يتأول أنه يقول لا إله إلا الله ولكنه يحكم بالقانون الوضعي وليس بالشريعة الإسلامية!!.. إنه يقول لا إله إلا الله ولا يطلق ذقنه، أو يقول لا إله إلا الله وزوجته غير محجبة!!...
مادام قال لا إله إلا الله فقد عصم منك ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله. طيب، إلا بحقه التي قيلت في حديث عمر وأبي بكر: إلا بحقهما. حقهما هذا يقوم بتقديره وتقريره ودعوة الناس للعمل به الحاكم الشرعي المسلم الذي يحكم بالشريعة، الذي يعرف الحلال والحرام، والذي إما أن يكون مجتهدًا وإما أن يكون عنده من المجتهدين من يدلونه على الأمر الواجب فيفعله، أو عن المنهي عنه فلا يفعله. ولكن ليس كل فتاة ولا شاب ولا رجل ولا جماعة يستطيع أن يقرر أن هذا خرج عن مقتضى لا إله إلا الله ولم يأت بحقها فيجوِّزُ قَتْلًه. لقد قُتِل أُناس كثيرون بغير حق على هذا التأويل، فتاوى باطلة قالها أناس ضلوا السبيل لأنهم ظنوا أن من حقهم أن يقرروا أن هذا قد أتى حقها وهذا لم يأت بحقها. حتى الحاكم لا يجوز أن يقتل إلا بحق، فإن قتل بغير حق فهو آثم ويحاسب بها يوم القيامة. فإيانا ثم إيانا أن نسمع لأحد أو نطيع أحدًا أو نداهن أحدًا يزعم أن من حقه أن يقرر من الذي يُقتَل ومن الذي يعيش. كل من يقول لا إله إلا الله معصوم الدم، ولا يجوز لأحد أن يترخص في هذا. والمترخص في هذا آثم إثمًا عظيمًا أدناه أن يكون كأسامة، ولا يمكن لأحد أن يكون كأسامة؛ لأن أسامة كما قلت قتل الرجل حين لم يكن التشريع قد نزل. التشريع نزل في حالته هو، فلا ينطبق عليه. وإنما كان هذا تحذيرًا من النبي صلى الله عليه وسلم وتخويفًا له، وترويعًا للمسلمين الذين يأتون من بعده من أن يقعوا في مثل هذه الفعلة، فيقتل بعضهم بعضًا. والنبي صلى الله عليه وسلم روي عنه أنه نظر إلى الكعبة فقال:«ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والله لمحجمة (التي تحجم الدم الفاسد) من دم امرئ مسلم أعظم حرمة عند الله منك». فإذا جاء الحاكم يوم القيامة محملاً بدماء الناس، قد قتل هذا، وسجن هذا ،وضرب هذا، أين سيذهب؟
* * *
الباب الذي بعد ذلك هو باب «من لقي الله تعالى بالإيمان غير شاك فيه» أي ليس عنده أدنى شك في هذا الإيمان، الإيمان مستقر في قلبه مستيقن في نفسه.
وفيه الحديث الخامس من أحاديث هذه المحاضرات المنذري عندما ألف، لم يفعل مثل مسلم ويرتب الأحاديث حسب رجاحة الرواة، إنما أتى المنذري في أول كل باب بحديث مثل القاعدة، وأتى هنا بحديث عثمان «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة» قاعدة لو حفظناها تكفينا عن الباقي.
* * *
الحديث السادس: «عن أبي هريرة رضي الله عنه أو عن أبي سعد رضي الله عنه (الشك من الأعمش) قال: لما كنا يوم غزوة تبوك (يعني في زمن غزوة تبوك وليس في يوم محدد لأنه ليس هناك يوم محدد لغزوة تبوك كانت مدة سفر وعودة) أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذِنت لنا فنحرنا نواضحنا (النواضح هي الإبل التي يحملون عليها الماء) فأكلنا وادَّهنّا (أكلنا لحمها واستعملنا دهنها لأجسامنا فيطرِّي الجلد ويجعله قادرًا على تحمل أشعة الشمس وما إليها) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا. فجاء عمر (وفي بعض الروايات فزعاً) فقال: يا رسول الله إذا فعلت قل الظهر (إذا ذبحوها لن تكون لدينا دواب كافية نركبها) ولكن ادعهم (اجمع أصحابك ومرهم أن يأتوا) بفضل أزوادهم (يأتي كل منهم بما بقي معه من الزاد) ثم ادع الله لهم بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك (يعني يجعل في ذلك بركة) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فدعا بنِطع فبسطه (النِطع هو قطعة من الجلد، بساط من الجلد، جلد بقرة أو ناقة فيفرشوه) ثم دعا بفضل أزوادهم قال: فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، قال: ويجيء الآخر بكف تمر، قال: ويجيء الآخر بكِسرة (أي من الخبز) حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، (قصة الدعوة على الطعام القليل متكررة جداً، قال النووي أنها بلغت مبلغ التواتر الذي لا ينكره إلا شاك، ولكن يجب أن نتوقف عند الألفاظ التي استعملت لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالبركة) قال: فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاءًا إلا ملؤه فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة (بعض الطعام) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيُحجَبَ عن الجنة».
وفي الوقائع الأخرى تكررت عبارات مثل هذه من النبي صلى الله عليه وسلم، فقال العلماء قولا جميلا:
قالوا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفيه أن يدعو بالبركة، فيُبَارِكَ الله في الطعام، ويأكل الناس ويعرفوا أنها معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويزيد إيمانهم ويستيقنوا أنه نبي من عند الله. إنما كرر رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ليعلموا أن المعجزة ليست من صنعه، وأن البركة ليست من عنده، وإنما هو داعٍ، والله هو الذي بارك في الطعام، وزود الأزواد.
لأننا لو ظننا أن للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا صنعًا، لكان النبي صلى الله عليه وسلم شريكًا لله تبارك وتعالى في قدرته، وهذا محال. وتفرد الله سبحانه وتعالى وحده بالقدرة على الإطعام وعلى الإشباع والرزق والزيادة والإنقاص إلى آخر ما نعرف هو الاعتقاد الصحيح الذي لا يجوز لمسلم مخالفته. واستجابة الله سبحانه وتعالى لدعاء نبيه e فضل منه سبحانه وإكرامٌ لهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
كلمة «لعل» التي قالها عمر للنبي e، لعل وقد وعسى ونحو ذلك لها استعمالات، ومن معانيها التحقيق. وإذا قيلت في حق الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم، أو في صحيح السنَّة، أو في كلام الصحابة، فمعناها التحقيق، لعل الله يعني أنا موقن أن الله سيبارك في هذا الطعام.
فهناك فرق بين التألي الذي يدَّعي فيه الإنسان أنه يعلم علمًا يقينيًا منفصلاً عن الإيمان بالله تبارك وتعالى، وعن رحمته وعن قدرته، وبين الذي يتيقن: بعلمه برحمة الله، ويقينه بسعة قدرته وعمق تصديقه بمحمد صلى الله عليه وسلم أن الله لن يضيعه.
فليس في مثل هذا تألٍ أن يقول لعل بمعنى أنا واثق، أنا متيقن، فذلك ليس فيه تألٍ. ذلك الذي تألى قال للرجل لن يغفر الله لك أبدًا، فغفر الله للعاصي وأحبط عمل الطائع المتألي. تيئيس الناس من رحمته والحكم عليهم بعدم دخول الجنة أو بالدخول في النار، هذا هو التألي على الله عز وجل.
وهناك فرق بين الاثنين: أن تُطمِع الناس، كما جاء الرجل لعبد الله بن عباس وقال له:«القاتل له توبة؟» فقال له: «توبة إن شاء الله» قال: «من أين؟» قال: ألم تسمع إلى قول الله تعالى: «إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» ألم تسمع إلى قول الله تعالى «إن الله يغفر الذنوب جميعًا» قال: «بلى» قال: "فللقاتل توبة".
ثم بعد عدة أيام جاء إليه رجل آخر يقول له: «أللقاتل توبة؟» قال: «لا» قال: «من أين؟» قال: «ألم تسمع إلى قول الله تعالى «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا...». فمجاهد تلميذه كان يمشي معه في الواقعتين فقال له: «يا ابن عم رسول الله قلت للأول كذا وقلت لهذا الرجل كذا» قال: «لقد رأيت في وجه الأول توبة وندمًا وعلمت أنه قاتل يريد أن يتوب فيتوب الله عليه، ففتحت له باب رحمته تبارك وتعالى. ورأيت في وجه الثاني غضبًا ونقمة، فخشيت أن يكون قد انتوى قتلاً فأردت أن أصده».
فهذه الفراسة عند المؤمنين، وبالذات عند الطبقة العليا من الصحابة، واردة ومتوفرة ومشهورة، ولا يمكن أن يكذبها أحد، فكلمة «لعل» هنا من باب اليقين في رحمة الله وليست من باب التألي الممنوع شرعًا؛ والله أعلم.
* * *
الحديث السابع: «عن عبد الرحمن بن عُسَيْلَة المرادي ثم الصُّنابحي (وهو تابعي جليل هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمات النبي قبل وصوله إلى المدينة بليالٍ معدودة. فكان يقول ليتني عجَّلت) عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال (الذي قال هو عبد الرحمن بن عُسَيلة) قال: دخلت عليه (على عبادة بن الصامت) وهو في الموت فوجدته يبكي فقلت: مهلاً لم تبكي؟ فوالله لئن استشهدُتُ (يوم القيامة) لأشهدن لك ولئن شُفِّعتُ لأشفعن لك ولئن استطعتُ (في الآخرة) لأنفعنك (هذا يقين وثقة بالله أنه يكرم عباده) ثم قال (عبادة بن الصامت): والله ما من حديث سمعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكم فيه خير إلا حدثتكموه، إلا حديثًا واحدًا وسوف أحدثكموه اليوم فقد أحيط بنفسي. قال (عبادة بن الصامت) سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرَّم الله عليه النار».
هذا هو الحديث الذي أخفاه عبادة بن الصامت إلى أن كان في الاحتضار فقاله لمن حضره ومنهم عبد الرحمن بن عسيلة.
لماذا يُخفي واحد أحاديث؟ هو بيَّنَ العِلَّةَ، قال: "ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكم فيه خير". العلماء بحثوا عن الأحاديث التي ليس فيها خير، قالوا إن بعض الصحابة لم يُحدِّثوا بأحاديث أشراط الساعة، وبعض الصحابة لم يتحدثوا عن أحاديث فيها ذكر أقوام بأعينهم، يعرفونهم لأنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، بأوصاف سوء أو بأوصاف غير مستحسنة، وبعض الصحابة لم يتحدثوا عن الأحاديث التي لا عمل تحتها مثل أحاديث يأجوج ومأجوج، وأحاديث عذاب القبر، وبعض الصحابة لم يتحدثوا بالأحاديث التي لا ضرورة لذكرها كأخبار المنافقين الذين أبادهم الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهد عمر وعهد عثمان، وبعض الصحابة لم يرضوا أن يتحدثوا بأحاديث خشية أن يكون قد اختلط عليهم ما سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمعوه من غيره.
عبارة «بيَّن السبب» قال أنا كنت حدثتكم بجميع الأحاديث التي فيها خير لكم، الآن أوشك أن أموت، وكما قال أبو داوود: إنما ترك عبادة هذا الحديث فحدث به عند موته تأثمًا، (خشية الإثم أو أن يقع في الذنب) أنه كتم علمًا مما ينفع الناس.
هذا الحديث والحديث الذي قبله والأحاديث التي ستأتي معنا بعد ذلك إن شاء الله كلها تدور في هذا المعنى، في معنى سعة رحمة الله تبارك وتعالى، وأن من آمن به إيمانًا لا يداخله شك دخل الجنة، وأن من اختلط في قلبه شك بالإيمان هو الذي عليه الخوف، وربنا سبحانه وتعالى يتولى أمره. حتى في هذا، ليس من حقنا أن نقطع في كلامنا بكفره أو دخوله النار؛ لأن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس بما علِم ونحن نحاسب الناس بما ظهر. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وحسابهم على الله» وقال عن شهادة ألا إله إلا الله: «فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم (أي في شأن الباطن الذي لا أطلع عليه، في الآخرة) على الله تعالى».
والله سبحانه وتعالى أعلم.
|
|
|
| البحـــــث |
|
|
 |
|
 |
|
جــــديد الموقـــع
|
|
|
|
|
|
قائمة الكتب
|
|
|
|
|
المكتبة المرئية
|
|
|
|
|
المكتبة الصوتية
|
|
|
|
|