|
أحاديث مختارة من
مختصر صحيح مسلم
دكتور محمد سليم العوَّاِ
محاضرات جمعية مصر للثقافة والحوار
رجب 1424 ـ ربيع الثاني 1425هـ = سبتمبر 2003 ـ يونيو 2004
(3)
لا نزال في أحاديث الباب الذي سمّاه الإمام المنذري «باب: من لقي الله تعالى بالإيمان غير شاكٍ فيه دخل الجنة».
* * *
الحديث الأول: وقفنا في هذا الباب عند حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنا قعودًا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في نفر (في نفر يعني في جماعة، جماعة من الصحابة) فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا (قام من المجلس الذي كانوا فيه، انتقل إلى مكان آخر يؤدي عملاً، أو لحاجة لم يعرفوها، من بين أظهرنا يعني من جماعتنا، وليس معناها أنه أعطى لهم ظهره. من بين أظهر الناس وبين ظهرانيهم يعني من وسطهم، من جماعتهم. ولها أصل لغوي جميل: واحد ظهره للآخر، ظهره عضد للآخر أو حماية للآخر عندما يكون الإنسان في وسط ناس، لأنه عندما يكون منفردًا يُخشى عليه) فأبطأ علينا (تأخر) وخشينا أن يقتطع دوننا (خافوا أن يكون يجده بعض أعدائه المشركين من الكفار منفردًا فيغتاله أو يضربه أو يعتدي عليه أي عدوان. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معصومًا من هذا، هو كان معصومًا من أن يخطئ في تبليغ الرسالة أو يحال بينه وبين تبليغها {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك والله يعصمك من الناس وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس} فالعصمة في التبليغ، أما في الحرب فهو جُرح وكُسِرت رباعيته وضُرب على ترقوته، فكان من الممكن أن يصيبه ما يصيب الناس) وفزعنا فقمنا (قاموا يبحثون عنه) قال أبو هريرة فكنت أول من فزع (أنا أول من أسرعت في أثره) فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يعني أبحث عنه) حتى أتيت حائطًا للأنصار (الحائط يعني البستان، حديقة صغرت أم كبرت، والمزروعة بالذات بالفواكه أو نخيل فهذه يسمونها حائط لأنها كانت تسور عادة بحائط) لبني النجار فدرت به (يعني دار حول هذه الحوطة، أو الحائط) فلم أجد له بابًا فإذا ربيع يدخل في جوف الحائط من بئر خارجها (الربيع هو الجدول، هو جدول الماء الصغير، النُهير الصغير) فاحتفزت فدخلت على رسول الله (احتفز يعني صغَّر نفسه حتى يدخل من هذا المكان) مع الربيع فقال: أبو هريرة؟ (يعني النبي صلى الله عليه وسلم سأل هل الداخل هو أبو هريرة) فقلت نعم يا رسول الله. قال: ما شأنك؟ (ما الذي أحضرك) قلت: كنتََ بين أظهرنا فقمتَ فأبطأتَ علينا فخشينا أن تُقتطع دوننا (بين له العذر، أي أنه لا يتجسس عليه أو يريد أن يرى ماذا يفعل، أو دخل عليه دون إذن) ففزعنا فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي (كل الذين كانوا معك يبحثون عنك معي وورائي) فقال: يا أبا هريرة (!) وأعطاني نعليه وقال: اذهب بنعليَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبهُ فبشره بالجنة....»
أريد أن أقف هنا قبل أن أكمل الحديث. أبو هريرة يحكي لنا عن نفر معين من الناس كانوا جالسين مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقام فاستبطأوه فخافوا أن يقتطع من بينهم، ففزع أبو هريرة أولَ الناس، ثم سيأتي الباقون لأنهم وراءه. هذا الكلام كان موجهًا لمجموعة معينة، ولقد قلتُ كثيرًا، ولا زلت أقول، إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فهذه الواقعة تخص أناسًا معينين، أما عموم الحديث فيخص كل المسلمين: «من لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة». فنحن من حقنا أن نبشر كل من استيقن قلبه بلا إله إلا الله بأنه من أهل الجنة إن شاء الله، رغم أن هذه الواقعة متعلقة بقوم معينين كانوا جلوسًا في وقت محدد وقاموا يبحثون عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يصح أن يقال، كما يقول بعض الناس في الآيات والأحاديث التي عرفنا أسباب نزولها أو ورودها "إنها خاصة بهؤلاء". لا، هي ليست خاصة بهؤلاء، لأنه قال له من لقيت وراء هذا الحائط، فالعبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب.
قال أبو هريرة: «... فكان أول من لقيتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ (ارتاب؛ وجده حاملاً نعلين ووجد نعلين في قدميه) فقلت هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما؛ من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بَشَّرْتُهُ بالجنة. قال: فضرب عمر بيده بين ثَدْيَيَّ (ضربه في صدره) فخررت لاستي (وهو المقعدة؛ المكان الذي يجلس عليه) فقال: ارجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاءً (أول ما وصل عند النبي صلى الله عليه وسلم، عارفين الطفل يظل متماسكاً إذا أغضبه أحد، وأول ما يرى أمه أو أباه أو أخاه أو أخته ينفجر بكاءً. لماذا؟ لأنه وجد الذي سيحميه. فهكذا كان أبو هريرة مع النبي صلى الله عليه وسلم. أبو هريرة كان فقيرًا ومن أهل الصُفّة ولما جاء احتضنه النبي صلى الله عليه وسلم، وأنفق عليه وكان يطعمه، وكان يعطيه من ماله الذي يأتيه. فكان يشعر مع النبي صلى الله عليه وسلم بشعور خاص، فأول ما رآه انفجر في البكاء) وركبني عمر فإذا هو على أثري (ركبني يعني جاء يجري وراءه، ولم يتركه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أبا هريرة؟ فقلت: يا رسول الله لقيت عمر، فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثدييّ ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع. (وكان عمر قد وصل) فقال له رسول الله e: يا عمر ما حملك على ما صنعت؟ (ما الذي فعلته؟ أنا أرسلت رجلاً برسالة تقابله وتضربه وتوقعه على الأرض وتقول له ارجع؟) قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي (هذا أدب عظيم من الصحابة مع النبي e؛ يريد أن يقول له: أنا لست مخالفًا لأمرك، أنا لست عاصيًا، لست معترضًا على ما وجهت به أبا هريرة. فقال له بأبي أنت وأمي. العرب لما يقولوا بأبي أنت وأمي يعني أفديك بأبي وأمي وهذا من أعظم الثناء وأبلغ التقدير) يا رسول الله أبعثت أبا هريرة بنعليك؛ من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه بشره بالجنة. قال: (يعني الرسول صلى الله عليه وسلم) نعم. قال: فلا تفعل يا رسول الله (قال لي أحد أبنائنا في المرة السابقة: هذا اعتراض على كلام النبي صلى الله عليه وسلم. لا، هذا ليس اعتراضًا، هذه هي المشورة الواجبة لكل مسلم على كل مسلم، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم. عندما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قالوا لمن يا رسول الله؟» لمن نقدم هذه النصيحة ؟.. هل أجول في الطرقات فأنصح كل واحد ألقاه؟ أم ما هي النصيحة؟ المورد الأول لله، أنصح لله بأن أدل الناس على ما أمر به وعلى ما نهى عنه، وأعلمهم ما علمني ـ سبحانه ـ من علم، وأبين لهم ما أنزل في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من الأحكام. إذن، لله. ولكتابه (القرآن أعلُّم منه ما أعلم وأسأل العلماء عما لا أعلم) ولرسوله (يعني أبين السنة وأعلم الناس إياها وأدلهم عليها وهكذا). ولأئمة المسلمين وعامتهم. فكلام عمر هذا من باب النصيحة، لمن؟ لإمام الأئمة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. جاءه عمر ينصحه وتلطف في النصح فبدأ بقوله بأبي أنت وأمي يا رسول الله. ثم أورد السؤال عن صحة ما قال له أبو هريرة. (لماذا؟ هل أبو هريرة كذاب؟ هل يخطر ببال أحد أن رجلاً يخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومن المكان الذي دخل منه مع الماء، يخرج ليقول إن النبي بعثني بكذا وكذا، ومعه النعلين، كل ذلك ويكون كاذبًا؟.. هذا السؤال سؤال استيثاق وتمهيد للنصيحة التي سيقدمها عمر للنبي صلى الله عليه وسلم.) فإني أخشى أن يتكل الناس (عندما يعرفون أن من قال لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، فيقصرون في الطاعات ويزيدون في المعاصي، ويؤخرون الزكوات، ويقصرون في الصلاة والصيام، وكلما اشتاقت نفسه إلى هفوة هفاها، وإلى شهوة يشتهيها أصابها. ثم بعد ذلك يقول: قلبي مستيقن، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، ولا أعبد صنمًا ولا وثنًا ولا حاكمًا ولا محكومًا، إذن سأدخل الجنة). لكن هذا ليس هو المقصود. المقصود هو أن الاستيقان بلا إله إلا الله يؤدي بالمرء إلى أن يعمل بمقتضاه، وإلى أن يسمع ما أُمِر به فيعمله، وما نُهي عنه فيجتنبه، إلى آخر المأمورات والمنهيات. هذا هو المقصود بلا إله إلا الله واستيقان القلب بها. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الآخر:«الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل» فهذا معنى مستيقنًا بها قلبه. إنما عمر لأنه فهم المعنى الصحيح للبشارة النبوية قال له: أخاف لو أن أبا هريرة قال هذا للناس على وجه العموم "مستيقنًا بها قلبه دخل الجنة" سيهملون العمل بمقتضاها، يعني يخشى أن يتكلوا) قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فَخَلِّهِم يعملون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فَخَلِّهِم»
هل خسرنا شيئاً بمنع سيدنا عمر لأبي هريرة بان يبلغ الناس بهذا الحديث؟ لم نخسر أبدًا. ولا الإسلام في زمن النبي صلى الله عليه وسلم خسر، لأن النبي قال هذا الكلام لأكثر من عشرة من الصحابة، فهذا المعنى مروي عن أكثر من 11 أو 12 من الصحابة بصيغ وألفاظ مختلفة.
فجيل الصحابة الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يخسروا شيئًا، والجيل الذي يليه، جيل التابعين رووا هذه الأحاديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فما هي إذن حكاية «أخشى أن يتكلوا»؟. كانت هذه مرحلة لحظية، كان الإيمان في أول أمره والإسلام في بداية تشريعه في المدينة المنورة، والناس بين مؤمن إيمانًا يقينيًا وبين نصف مؤمن وربع مؤمن، وواحد مؤمن من أجل المال، أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألف قلبه بالهدايا، والمسألة مازالت غير مستقرة. قال عمر أخشى أن يتكلوا الآن. ولكن بعد أن يستقر الإيمان فالاتكال قليل ومن اتكل فهو المخطئ.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال خلِّهم وكأنه قال خلِّهم الآن، خلِّهم في هذا الزمن، خلِّهم في هذا الجيل، خلِّهم فيما بينكم أنتم مجموعة الصحابة.
والعلماء لهم كلام كثير في مسألة مَنْ الذي كان موجودًا في ذلك الوقت، ومن كان فيهم، ومن منهم قال ماذا، كل هذا كلام جميل، ولكن ليس له دلالة خاصة في معنى الحديث ونتيجته.
دلالة الحديث الذي معنا، ونتيجته، أنه من قال لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه ومعنى ذلك أن يكون أدى العمل بمقتضاها، فإنه إن شاء الله من أهل الجنة.
* * *
الحديث الثاني: الحديث الذي يليه في هذا الباب عند المنذري، باب: من لقي الله بالإيمان غير شاكٍ فيه دخل الجنة هو حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم (الردف هو ما يأتي بعد الشيء، شيء يأتي بعد شيء، والرديف والردف كلمتان بمعنى واحد، وتكون غالبًا في الركوب، في المسير وتستعمل في البقاء. وعندنا كلمة في العربية المعاصرة مشهورة في تقسيم جنود الجيش وهي الرديف، ويقصدون به الاحتياط الذي لا يعمل في خدمة القوات المسلحة أو الجهات العسكرية طول الوقت لكنه تحتد الاستدعاء عند الحاجة إليه). إذن، كان معاذ خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الرحل (في الناقة أو الجمل أو الحصان) ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل (يريد أن يقول إنه كان قريبًا جدًّا، والمؤخرة هي العود الذي يوضع على نهاية سنام الجمل أو الحصان أو الحمار لكي يفصل بين راكبين، وهي قطعة خشب، إذن، ليس بيني وبينه غير قطعة الخشب هذه التي تفصل بين راكبين) فقال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ( الساعة في أصل اللغة تعني مدة وليس معناها 60 دقيقة كما هو تقسيمنا الآن للوقت) ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة. (لبيك يعني طاعة بعد طاعة، في الحج لبيك يعني طاعة لله بعد طاعة، متكررة، دائمة، أبدية لا تنقطع من جانب المسلمين. وسعديك يعني أنا أساعد نفسي على طاعتك، أساعد نفسي بالطاعة على الطاعة؛ لأن الإنسان إذا أطاع استحلى الطاعة فيستمر فيها، وإذا لا قدر الله، عصى يغلبه الشيطان وتحلو المعصية في عينيه ويستسهلها. فأنا أساعد نفسي مرة بعد مرة على أن أعمل مزيدًا مما تأمر به. فقال له كل مرة لبيك يا رسول الله وسعديك) ثم قال يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. (هل هناك أبسط من ذلك؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. هذا مصداق من قال لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، يعبد الله ولا يشرك به شيئًا. والعبادة كما نعرف ليست هي مجرد هذه الشعائر التي نؤديها من صوم وصلاة وصدقة وحج....إلخ إنما حياتنا كلها عبادة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون} كل حياتنا عبادة، أداؤنا للعمل عبادة، زيارتنا لصديقنا عبادة، صلة الرحم عبادة، تعليم العلم عبادة، تعلم العلم عبادة، هذا كله من العبادة. فقال e حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ (ذلك يعني الذي ذكره من قبل: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. تأمل هذا اللفظ النبوي الجميل: حق العباد على الله! هل لنا نحن حق عند ربنا؟! الذي خلقنا وأوجدنا ورزقنا، وبعث الأنبياء ليهدونا، وأنزل الكتب لتبقى بين ظهرانينا. أنعم علينا بهذه النعم حتى سمى نفسه رب العالمين يعني مربيهم بنعمه. لنا عليه حق بعد هذا كله؟! هذا من تفضل الله علينا ومن إنعامه، ومن تحببه إلى خلقه حتى يحبوه ويطيعوه) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: أن لا يعذبهم».
هذه هي الصفقة، هذه هي المقايضة، هذا هو الثمن. إذا عبدنا الله لا نشرك به شيئًا؛ العبادة بمعناها الكامل الشامل. فنحن في أمن من العذاب. تدفع الثمن مقدمًا تأخذ السلعة مؤخرًا، تدفع الثمن وأنت قادر وتأخذ السلعة يوم لا يكون بيدك أن تنفع نفسك ولا أن تضرها، فضلاً على أن تنفع غيرك أو تضره. حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك، إذا عبدوه ولم يشركوا به شيئًا، ألا يعذبهم. معادلة بسيطة جدًّا لكن أكثر الناس لا يعلمون.
* * *
الحديث الذي يليه عن محمود بن الربيع عن عِتْبان بن مالك قال: "قدمت المدينة فلقيت عِتْبان (اسمه عِتبان على قول الأكثرين وعُتبان بضم العين عند بعضهم) فقلت حديث بلغني عنك (يعني هناك حديث من الأحاديث النبوية بلغني، ولك علاقة به أو لك شأن فيه، لك قصة مع الحديث. فما هو هذا الحديث؟. محمود بن الربيع صحابي لقي عِتبان وهو صحابي آخر ـ في زيارة لمحمود بن الربيع للمدينة ـ فسأله عن حديث له به شأن؟ ولنلاحظ هنا أننا مع رجلين من الصحابة يروي أحدهما الآخر. وفي أصل الحديث عند مسلم أن أنسًا يرويه عن محمود بن الربيع الذي يرويه عن عِتبان، فهم ثلاثة من الصحابة يروي بعضهم عن بعض وهذا دليل اهتمامهم العظيم بحديث النبي e لم يكن أحدهم يكتفي بما سمعه بنفسه مباشرة بل كانوا يتتبعون مالم يسمعوه لئلا يفوتهم من السنة شيء. وفي هذه الرواية دليل على أنه لا كبر في العلم، فإن أنس أكبر سنًا ومقامًا من محمود بن الربيع، ومع ذلك يروي عنه. وهذا كثير في الرواية في مختلف الأجيال لأن العلم علَّمهم أن العبرة به، لا بالسن ولا بقدم الإسلام والصحبة ولا بالمكانة الاجتماعية أو غيرها) قال: أصابني في بصري (إخواننا الذين عندهم هذه النسخة من مختصر مسلم للمنذري سيجدون هذه الكلمة، «في بصري»، للأسف في طبعاتها الخمس مكتوبة "في بعدي" ولم ينتبه أحد لهذا الخطأ. الخمس طبعات فيها هذا الخطأ، بما فيها طبعة الكويت، وما انتبه أحد ، مع أن المراجعة دقيقة جداً، لكن سبحان الله، أبى الله أن يُتم إلا كتابه. ويحكى عن الشافعي أنه كان يقول لو روي عني كتاب ألف مرة فلابد أن يوجد فيه الخطأ؛ لأن الله أبى أن يصح إلا كتابه. فلا يستكثرن أحدكم أن يراجع كتابه المرة بعد المرة. راجع ألف مرة ستجد أخطاء، لأنه لا يوجد كتاب في الدنيا بلا خطأ. وهذه من المعجزات الغريبة، أن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يخلو من الخطأ إلى يوم القيامة) أصابني في بصري بعض الشيء ( يعني بصره ضعف، هو لم يقل إنه عميَ، ولكن بعض مفسري الحديث قالوا إنه فقد بصره، لكنه لم يقل إنه فقد بصره وإنما استعمل تعبيراً أرق وقال أصابني في بصري بعض الشيء) فبعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مُصلى (قال له تعال صَلِّ في مكان في بيتي أتخذه للصلاة وأتوجه للقبلة كما توجهت وأقف حيث وقفت وأجلس حيث جلست. حدد لي مصلى أصلي فيه في البيت. لماذا؟ لأنه أصيب في بصره ولن يستطيع الذهاب إلى المسجد. أصبح كفيفاً أو ضعيف البصر، لو سار يخاف أن يقع، يخاف حشرة أو دابة أو غيره. فكان هذا عذره كي يصلي في البيت. والنبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا العذر وذهب إلى بيته) قال: فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه (لم يأت بمفرده، جاء ومعه جماعة من أصحابه، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) فدخل وهو يصلي في منزلي، ويتحدثون بينهم (النبي دخل يصلي وحده، ده منزل صغير مش عدة غرف، هو غرفة بالكثير غرفتين، منهم غرفة فيها الدابة أو بعض الأكل أو كذا) ثم أسندوا عُظْمَ ذلك وكُبْرَهُ إلى مالك بن دخشم ( ما هي هذه الحكاية؟.. النبي صلى الله عليه وسلم دخل يصلي في بيت الرجل والصحابة جالسون، يتحدثون فأتوا على ذكر المنافقين وقالوا فيهم مقالة سوء ونسبوا أكثر ما قالوه عنهم إلى مالك بن دخشم) قال: ودوا أنه دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والتفت إليهم (إذن، كان المكان قريباً، لم يكن ببعيد) وقال: أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ (هذا الرجل الذي تذكرونه بسوء وتسبونه أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟) قالوا: يا رسول الله إنه يقول ذلك وما هو في قلبه. قال: لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار، أو تطعمه النار"
لم يقل هنا: هلا شققت عن قلبه؟ لأن الذي في قصة أسامة كان أسامة قد قتله وقُضي الأمر، لذلك قال لأسامة، تعليمًا وتأنيبًا، هلا شققت عن قلبه؟ لكن هذا الرجل موجود معهم، والنبي صلى الله عليه وسلم وسطهم. قال أنس ـ الصحابي الراوي عن صحابيين ـ فأعجبني الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه. لا شك أن الصحابة كانوا يحفظون الأحاديث بالذاكرة. لكن هذا الحديث رُوِيَ له وأعجبه، وهو لم يكن حاضرًا عند وقوع القصة فيذكرها، فخاف أن ينساه فقال لابنه اكتبه فكتبه).
في رواية البخاري: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله.".. أنا أتيت بهذه الجملة من البخاري لأن فيها رداً جميلاً على الناس الذين يقولون يكفي القول باللسان ولا يحتاج إلى الاعتقاد بالقلب. هناك من الفِرَق الإسلامية من يقولون إنه يكفي أن يقولها بلسانه، أي بظاهر الحديث.
فالبخاري في روايته: "من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله." ومسلم في الحديث السابق قال: "مستيقناً بها قلبه". فهاتان العبارتان يدلان على أنه لا يكفي الكلام باللسان إنما ينبغي أن يكون معها الاعتقاد بالقلب.
وقبل أن نترك هذا الحديث ننبه إلى كلمتين واسم. فأما الكلمتان فهما (عُظْم) و(كُبِر).
(عُظْم) الشيء بضم العين أن معظمه وأكثره. و(كُبِر) بضم الكاف وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان، لكن الرواية في الحديث رجَّح الرواة فيها الضَّم، ومعناها أكبر التبعة في أمر ما، كما قال تعالى في سورة النور {والذي تولى كِبْره} [النور:11] أي الذي أشاع قالة الباطل عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وهي مقروءة في المتواتر بكسر الكاف. وقرأ بعض القراء العشرة بكسرها (حميد الأعرج ويعقوب الحضرمي). وأما الاسم فهو (مالك بن دخشُمْ) هكذا رواه الإمام مسلم، وروي (ابن دخشيم) و(ابن الدخشم) و(ابن الدخشيم) و(ابن الدِخشن) و(ابن الدِخشين)! وهذا الاختلاف في الاسم لا أثر له لأن العرب كانت تنادي بعضها بأسماء متقاربة مالم يكن في تغيير الاسم قرينة هزءٍ بصاحبه أو سخرية منه. ومالك هذا شهد بدرًا وما بعدها، وأصحاب التراجم مختلفون هل شهد العقبة (البيعة فيها قبل الهجرة) أم لم يشهدها؟!
وقد علق الإمام النووي على هذا الحديث بقوله: «وقد نص النبي e على إيمانه باطنًا وبراءته من النفاق بقوله e في رواية البخاري: ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله تعالى؟ فهذه شهادة من رسول الله e له... فلا ينبغي أن يشك في صدق إيمانه رضي الله عنه»
* * * * *
باب الإيمان ما هو وبيان خصاله
أول حديث معنا في هذا الباب، وهو ليس فيه إلا حديث واحد في الحقيقة، وقد مر بنا هذا الحديث في أول الكتاب، حديث وفد عبد القيس. وهو أمر يقتضي كلمة عن تكرار الأحاديث النبوية في دواوين السنة:
ذات مرة كنت أقرأ في بعض الكتب التي تُدَرَّس في بعض الجامعات، فوجدت أستاذاً يقول إن الكتب الفلانية (كتب الحديث: صحيح البخاري وصحيح مسلم وجامع الترمذي...الخ) فيها مكرر ولو نُقيت من هذا المكرر لاختُصِر حجمها فيتمكن الناس من دراستها ببساطة أكثر. فبصرف النظر عن أنه لا يعرف عدد المكرر ولا يعرف ما معنى مكرر أصلاً. فالمكرر ليس مكرراً عبثاً، ليس مكرراً بنفس اللفظ، ليس مكرراً بنفس المعنى، ليس مكررًا بنفس الطريق (أي الرواة أنفسهم)، إنما هو مكرر لأن فيه زيادة معرفة؛ إما في الرواية وإما في الدراية. في الرواية بمعنى أن واحداً رواه بمعنى أقرب للنبي صلى الله عليه وسلم من واحد آخر ، أو واحد أوثق أو واحد أضبط أو رواه مرة بواسطة بينه وبين شيخه ومرة بلا واسطة...الخ
أو في الدراية لأن فيه معنى زائدًا، لم يأت في الحديث السابق، فكرروه لهذا السبب، وليس عبثاً أو غفلة حتى يقول نحذف المكرر منه. هذا التكرار له فوائد في كل حديث مختلفة عن الحديث الآخر، وأهل العلم بالحديث يعرفون ذلك، وواجب من يستغلق عليه أمر عملي أن يسأل فيه أهل الذكر قبل أن يقول برأيه فيضع نفسه حيث لا يجب لها أن تكون.
* * *
حديث الباب هو حديث أبي سعيد الخدري قال: «إن أناساً من عبد القيس قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله إنا حيّ من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر ولا نقدر عليك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر نأمر به من وراءنا وندخل به الجنة إذا نحن أخذنا به. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم،
هنا أمر بخمس طاعات وهو قال لهم: آمركم بأربع. قال العلماء: أمرهم بالأربع التي وعدهم بها ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس من المغنم.
لماذا؟ لأنه، كما قلنا في المرة السابقة التي مر بنا فيها هذا الحديث، إنهم كانوا بين قبائل المسلمين وقبائل المشركين كان بينهم وبين النبي e كفار مضر (ومضر هو الجد السابع عشر للنبي e في المتفق عليه من نسبه الشريف، وفي البخاري نسبته e إليه من حديث زينب بن أم سلمة ربيبته e. فكانوا أهل غزو، ويمكن أن تقع لهم غنائم. كانت قبائل أخرى جاءت للرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل لهم عن المغنم لأن بلادها بعيدة عن مواطن المشركين؛ لكن الذين يحتمل أن يقاتلوا المشركين فيغنموا أمرهم بأداء الخمس من الغنيمة، كما قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول...الآية}.
وأنهاكم عن أربع: عن (الدباء والحنتم والمزفت والنقير.) قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنقير؟ قال: بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء (القطيعاء هو نوع صغير من التمر) قال سعيد (وهو ابن أبي عروبة أحد رواة الحديث) أو قال من التمر (هذا الشك من سعيد نفسه، هذا الشك لأن سعيد اختلط في آخر عمره، كان مع إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب في حربه للعباسيين في أول أمرهم، فلما هُزِم إبراهيم ومُثِل بجيشه تمثيلاً شديداً، كان هو فيمن انهزم وعز عليه أن هذا الصِّدِّيق، ابن الأنبياء، يُفعل به ما فُعِل به، فأصيب بالاكتئاب ثم اختلط. والعلماء فرقوا بين من سمع منه قبل سنة 142هـ، ومن سمع منه بعدها، وهو مات سنة 156 أو 157هـ. فقبل سنة 142هـ من سمع منه فسماعه صحيح، وبعد سنة 142هـ اختلط فأصبح لا يُحَدَّثُ بما سُمِع منه.) ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أن أحدكم أو إن أحدهم (هنا الشك ليس من سعيد ولكن من الراوي الذي قبل سعيد) ليضرب ابن عمه بالسيف. قال (يعني أبو سعيد الخدري) وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك (قال كان في هؤلاء الناس واحد مجروح في ساقه بسبب واقعة كهذه، ابن عمه ضربه فأصابه) قال: فكنت أخبؤها حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم (هو اعتقد أنه قد عرفه، حتى إذا قام أحدهم وقال إن مثل ذلك لا يحدث، يقول له النبي e: "فما بال هذا؟". فالرجل كان يخفي قدمه حياءً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.) فقلت (المتحدث هو ذلك الرجل من عبد القيس) ففيمَ نشرب يا رسول الله؟ قال: في أسقية الأَدَمِ (وهي جلد الماعز ونحوها يخيطونها بالجلد أيضاً) التي يُلاث على أفواهها (يُلاث يعني يُربط). قالوا: يا رسول الله إن أرضنا كثيرة الجرذان (مليئة بالفئران) ولا تبقى به أسقية الأَدَم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان، وإن أكلتها الجرذان" ثلاث مرات، وطبعاً في تكرار هذا اللفظ ثلاث مرات تبكيت للذي كان معترضاً على أن يُؤمر بالشرب في أسقية الأَدَم لأن الفئران ستأكلها. ستأكلها الجرذان اعملوا غيرها.وليقارن من شاء بين الموقف مع القائل: «إن أرضنا كثيرة الجرذان» وموقف النبي e من عمر حين أشار عليه ألا يدع أبا هريرة ينفذ أمره النبوي بتبشير من شهد أن لا إله إلا الله بالجنة لئلا يتكل الناس عليها ويتركوا العمل. فهذه كانت نصيحة عمرية استصوبها النبي e فقبلها. وتلك كانت تحمل شبهة اعتراض على اتخاذ أسقية الأَدَمِ أواني لماء الشرب فرد النبي e بلهجة حازمة آمرة فيها ما يشبه التبكيت لمن بدت منه تلك الشبهة. والفرق بين النصيحة والاعتراض بين. والأولى واجبة لله ورسوله، والثاني غير جائز إذا أمر النبي بشيء أو نهى عن شيء، إذ ليس للمسلم عندئذ إلا الامتثال{إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا} [النور:51] {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب:36]
"قال أبو سعيد الخدري: وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج بن عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة».
هذا الحديث به فائدتان غير موجودتين في الحديث السابق أو الآخر، الفائدة الأولى أنه أمرهم ببديل لما نهاهم عنه، لم ينههم ويتركهم، لكنه عندما نهاهم عما كان عندهم من الأوعية والآنية فقالوا له ماذا نفعل؟. أمرهم بالبديل وقال لهم في أسقية الأَدَم.
الأمر الثاني أنه لما تعارض النهي عن اتخاذ أوانٍ معينة مع حالهم البيئي لوجود الفئران التي تأكل أسقية الأَدَم قال لهم تحملوا العبء المالي، تحملوا الغُرم الذي يصيبكم، تحملوا المشقة، فكلما أكلت الفئران هذه الأسقية، اعملوا غيرها، وربما يعلمهم هذا كيف يتخلصون من الفئران.
فعلمهم أن التكلفة المالية، أو العبء، يُستهان به في سبيل الطاعة، لأن ترك أنواع تلك الأواني الأربعة من الطاعة. فعلمهم أن العبء يُستهان به ويُتحمل في سبيل الطاعة لما أمرهم به ربهم ونبيه صلى الله عليه وسلم.. والحديث الآخر لم تكن به هاتان الفائدتان وفي إدراك هذا بعض الرد الذي ذكرناه من قبل على الذي يطالبون بحذف المكرر من الأحاديث من دواوين السنة (!!)
* * * * *
باب الإيمان بالله أفضل الأعمال
عن أبى ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله.
هل الإيمان عمل؟ نعم، الإيمان عمل القلب، وهو يزيد أو ينقص نتيجة ما يُقبل عليه المرء من الطاعات، أو ما يقترفه من المعاصي، أو ما يَرِين على قلبه أحياناً من الغفلة والانشغال بالدنيا. فالإيمان هو عمل القلب وكسبه، كما أن المال عمل اليد والعقل والجسم وكسبها. وفَصْلُ الإيمانِ عن بقية الأعمال كلها، لا لشرف محله وهو القلب، وإنما لشرف متعلَّقه وهو ذات الله تبارك وتعالى، ونبيه صلى الله عليه وسلم، وكتبه، وملائكته، واليوم الآخر، إلى باقي أركان الإيمان. ففضل الإيمان بفضل ما تعلق به: تعلق الإيمان بربنا تبارك وتعالى، وتعلق بأنبيائه ورسله وكتبه واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. وليس في الدنيا شيء أشرف من هذا كله. فأشرف الأعمال وأفضلها وأعلاها قدراً هو عمل القلب الذي هو الإيمان.
ثم قال: والجهاد في سبيله، لأنك في الجهاد تضحي بأعز شيء عليك، تضحي بنفسك في سبيل ما تؤمن به.
إذن الإيمان هو عمل القلب الذي لا يُرى، وقد يجلس أمامك المؤمن صادق الإيمان والمنافق صادق النفاق، وأنت لا تعرف هذا من ذاك. وترى الاثنين يُصَليان معك في المسجد، وتقول عن المنافق إنه أتقى من المؤمن. ويلتبس حال الناس علينا لأننا لا نعرف ما في القلوب.
وفي الحديث عمل باطن لا يراه الناس ولا يطلَّعون عليه، وهو الإيمان بالله تعالى؛ وعمل ظاهر يراه الكافة، هو الجهاد في سبيل الله. فأنت ترى المجاهد يخرج ويترك وراءه ماله وأهله وأولاده وحياته المعتادة كلها ليقاتل في سبيل الله الذين يقاتلون أهل دين الله، ويصد الاعتداء، ويرد الأعداء، ويحرص على الشهادة لا لشيء إلا لتكون كلمة الله هي العليا. هذا هو المجاهد الحق.
لكن فريقًا من الناس يقومون بهذا كله رياءً ورئاء الناس، وفي الحديث أن من الثلاثة الذي تُسعَّر بهم النهار رجل قاتل حتى قتل؛ فيسأل يوم القيامة عن حاله في الدنيا، فيقول: يارب قاتلت في سبيلك حتى قتلت. فيقال له: قاتلت ليقال شجاع، ألا فقد قيل، ثم يلقى به في النار. وفي الحديث قصة رجل قتل في إحدى المواقع مع رسول الله e، فقال فيه الصحابة قولاً حسنًا، ومدحوه. وقال لهم رسول الله: «هو في النار» فقالوا يا رسول الله لقد أكثر في المشركين (يعني في قتلهم وقتالهم) فكرر الكلمة حتى قاله ثلاثًا. فذهب أحد الصحابة ينظر إليه لعله يتعرف على السبب الذي حمل النبي e على الحكم عليه بأنه في النار، فوجده أصيب في المعركة بجراح فوقع على الأرض، فاتكأ على قائم سيفه فأدخله في قلبه. هذا رجل قتل نفسه، انتحر، ولم يقتل في المعركة شهيدًا. أصيب وكان من الممكن أن يشفى كما شفي كثيرون في أعقاب المعارك، ولكن هذا أصيب فغلبه اليأس فقتل نفسه، فلَمْ يستحق أجر الشهادة، ولم يكن جديرًا بثناء الصحابة (رضي الله عنهم) عليه وعلى جهاده، لأن موته لم يكن في سبيل الله ـ كما يموت المجاهد شهيدًا ـ وإنما كان يأسًا وقنوطًا لا يلقيان بالمسلم الذي يؤمن برحمة الله ويرجوها على كل أحواله.
وكون هذا الرجل في النار لا يعني خلوده فيها إلا إن قتل نفسه مستحلاً لذلك وهو عالمٌ بأنه حرام. أما من سوى هذا فدخول النار عقوبة موقوتة ثم لا يبقى في النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري. وفي حديث جابر بن عبد الله عند مسلم الدليل على أن المسلم الذي يقتل نفسه جزعًا أو يأسًا من مرض أصابه ونحو ذلك لا يكفر.
ثم قال أبو ذر، في الحديث نفسه، قلت: أي الرقاب أفضل (يعني الرقاب التي تعتق في الكفارات أو التي تعتق تقربًا إلى الله تعالى. كأنه يقول: إذا أردت التقرب بعتق رقبة أيَّ رقبة أعتق؟ الجيدة الطيبة الغالية الثمن، أم التي زهد فيها الناس لنقص أو عيب أو علةٍ؟) قال (أي رسول الله e): أنْفَسُهاعند أهلها وأغلاها ثمنًا. هذان وصفان يعود إليهما استحسان العبد أو الأمة. أن يكون ذا قيمة عند أهله لما يحسنه من العمل أو الصنعة أو الكسب أو الإدارة، فهذه أنفسها عند أهلها. وهي التي يحبون بقاءَها لديهم، ولا يفرطون فيها وهم القادرون على الاحتفاظ بها. وأن تكون الرقبة (العبد أو الأمة) غالية الثمن. وهي تكون كذلك لأسباب كثيرة منها ما ذكرناه وغيره. والحضُّ على العتق في الإسلام ـ بنص هذا الحديث ونظائره ـ حضٌّ على عتق أحسن الأرقاء، وأكثرهم قدرة على العمل والنشاط ممن يعد تصرفهم في المجتمع وهم أحرار من ربقة الرق إضافة إليه وتنمية له وزيادة في قوته. نعم يحب الإسلام تحرير الرقيق جميعًا، وهو وجد الرق سائدًا فشرع له أبواب العتق، كما كان يقول شيخنا العلامة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، لكن التقرب بالأفضل أفضل بغير شك. والذي لا يجد ثمن أفضل الرقاب سيجد ثمن ما دونها فيؤول الأمر إلى عتق الجميع وتحريرهم.
قال (القائل أبو ذر): قلت فإن لم أفعل؟ لم أجد رقبة نفيسة عند أهلها ولا ثمنها غالٍ، أو ليس عندي مال. فإن لم أستطع أن أعتق رقبة نفيسة عند أهلها غالية الثمن ماذا أفعل؟
قال: تُعين صانعاً أو تصنع لأخرق. تُعين صانعاً يعني رجلاً يعرف كيف يعمل ولكن يحتاج إلى مساعدة. أو رجل أخرق، الأخرق هو الذي لا يُحسن صناعة شيء، لا يستطيع أن يكسب. هذا ماذا نفعل له؟ نصنع له. هناك مثل صيني يقول: "علمني الصيد ولا تعطني سمكة". هو ذلك، تصنع لأخرق، أي تعلمه أن يصنع لنفسه، تأخذ بيده وتعلمه الصنعة.
تُعين صانعاً يعني امرءً يعرف كيف يصيد فتصيد معه وتقول له هذا السمك هدية لك. أو يعرف في النجارة فتشتغل في النجارة معه...الخ. الثاني أخرق، عاجز عن الصنعة، عاجز عن الكسب، فتصنع له كي يتعلم كيف يصنع لنفسه، لكن لا تظل تصنع له وتنفق عليه طول الوقت، ويظل هو عاجزًا غير كفء لشيء لا، علمه كيف يصنع فيصبح هو قائماً بأمر نفسه.
قال (أي أبو ذر) قلت: "يا رسول الله أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل"؟ انظروا إلى هذا الصحابي الجليل لا يترك شيئاً، يريد أن يعرف كل شيء. وهو الذي قال: "كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه". يعني الناس تذهب إلى النبي e وتسأله عن الذي سينفعهم وأنا أسأله عن الذي سيضرني. فكان كثير السؤال. فسأله إذا لم أستطع فعل أي شيء من الذي علمتنيه: لم أجد رقبة ولا صنعت لأخرق ولا ساعدت صانعًا، ماذا أفعل؟
قال: تكف شرَّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك. فنسأل أنفسنا: هل هناك أحد لا يستطيع أن يكف شره عن الناس؟. تكف لسانك ويدك وعينك ورجلك، ومالك الذي تدفعه في الحرام لتؤذي الآخرين...الخ. تكف شرَّك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك. يعني أنك تأخذ بذلك ثواباً. والحقيقة أن هذه النصيحة لو عمل بها المسلمون اليوم لتغير حالهم. فقط هذه النصيحة: تكف شرَّك عن الناس. إنها صعبة جداً، بل إن هناك أناسًا ليس عندهم عمل غير أن يفعلوا الشر للناس. وهي نوع من الجهاد الأكبر الذي يقف فيه الإنسان ضد رغباته وشهواته ودوافع الثأر والانتقام في نفسه ودواعي الحقد على غيره والحسد له... فيكف بذلك شره عن الناس. وأسعد الناسف في الدنيا والآخرة من سهَّل الله ذلك وأعانه عليه.
* * * * *
باب في الأمر بالإيمان والاستعاذة بالله عند وسوسة الشيطان
فيه حديثان عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا هذا الله فمن خلق الله؟
النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بأن قوماً ستوسوس لهم الشياطين، من الفراغ ومن عدم الاشتغال بالعلم الصحيح، ومن كثرة زعم أنهم مفكرون ومتفلسفون وأكاديميون، ولا يجدون إلا أن يسألوا من خلق الله؟.. الله خلق كل شيء، فمن الذي خلق الله؟
فحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من هؤلاء الناس. قال: لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا هذا الله فمن خلق الله؟ قال (أبو هريرة): فبينا (يعني بينما) أنا في المسجد إذ جاءني ناس من الأعراب فقالوا: يا أبا هريرة هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ قال (أبو هريرة) فأخذ حصى بكفه فرماهم به (يعني أبو هريرة يقول على نفسه أنه أخذ حصى ورماهم به) ثم قال: "قوموا قوموا صدق خليلي صلى الله عليه وسلم»
قال: «لا يزال الناس يسألونكم عن العلم. يبدؤون بالعلم النافع ثم يتعمقون شيئًا فشيئًا في الفلسفة، ثم يتعمقون في الكلام الذي ليس له معنى، ثم يصلون إلى هذه الوسوسة التي يجب أن يُستعاذ بالله منها. حتى يقولوا هذا الله خلقنا فمن خلق الله؟ قال هذا وهو آخذ بيد رجل فقال صدق الله ورسوله سألني واحد وهذا الثاني».
أبو هريرة لما جاءه الثاني أخذه وسار به في الشارع يقول للناس: صدق رسول الله. واحد سألني من قبل والثاني معي الآن. يدُّلهم عليه كأنه يُشهِّر به ويريهم فساد عقله وتفاهة سؤاله. وأبو هريرة له من هذا القبيل أشياء كثيرة، يعملها ويشيعها في الناس.
وجدت كلاماً جميلاً للإمام القرطبي، القرطبي شارح مسلم وله كتاب جميل اسمه "المُفهم في شرح صحيح مسلم" لكنه ليس القرطبي المُفسِر الذي نعرفه، بل هو شيخه. الذي شرح مسلم هو شيخ القرطبي، فلا يختلط الاثنان على أحد.
ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا في حديث آخر جاء به مسلم، ولم يخرجه المنذري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فمن وجد من ذلك شيئاً (يعني من وجد من ذلك في قلبه أو في نفسه أو سمع أحداً يتكلم به، من وجده بأي طريق كان) فليقل آمنت بالله. يقول القرطبي في المفهم: قوله صلى الله عليه وسلم فليقل آمنت بالله، أمرٌ بتذكر الإيمان الشرعي واشتغال القلب به لتنمحي تلك الشبهات، وتضمحل هذه الترهات المذكورة في الأحاديث. وهذه أدوية القلوب السليمة الصحيحة المستقيمة، أن يتذكر الإنسان ويقول آمنت بالله، يقول لا إله إلا الله، يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. يُحضر في قلبه ذكر الله تعالى، فإذا استحضر في قلبه ذكر الله ضاعت منه وسوسة الشيطان. قال وهذه أدوية القلوب السليمة الصحيحة المستقيمة التي تعرض لها الشبهة فلا تبقى فيها. فإذا استعملت الأدوية بنحو ما أمر به طبيب القلوب صلى الله عليه وسلم بقيت القلوب على سلامتها وصحتها. وإذا لم تُستعمل على نحو ما أمر به فكيف ستأتي بنتيجة؟ فطريق الشفاء من هذه الأدواء هو الذكر الشرعي واستحضار الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وتذكُّر ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن يقول آمنت بالله، يعني يستحضر هذا المعنى الصحيح صريحًا في نفسه,
في حديث آخر في مسلم أن الصحابة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن أحدنا ليجد في نفسه ما يستعظم أن ينطق به. وفي رواية صحيحة: ما يود لو خرَّ من السماء فتخطفته الطير على أن يتكلم به. (والمقصود هو التساؤل الذي جاء في حديث أبي هريرة) فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوجدتموه؟ فقال نفر منهم: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان.
وقد أخطأ في هذا الموضع كثير من الشراح؛ ظنوا أن صريح الإيمان أن تجد هذا المعنى في نفسك. الحقيقة أن صريح الإيمان أن تسكت عن النطق بها. أن تمسك عن الكلام. أن تتوقف وتستعظم حتى تجد أنه لو وقعت من السماء وأكلتك الطيور الجارحة أحب إليك من أن تنطق بهذه الكلمة. فهذا الاستعظام الذي أدى إلى الامتناع هو الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه صريح الإيمان. أوجدتموه؟ قالوا: نعم. يعني هل وجدتم في أنفسكم هذا الخوف من النطق بهذه الكلمة فكتمتموها؟ قالوا: نعم. قال: ذلك صريح الإيمان. صريح الإيمان هو السكوت عندما يرد على الخاطر معنىً فاسد، صريح الإيمان هواستكثار النطق بهذه الكلمة أو استعظامها. وهذا الباب فيه، عند الإمام مسلم وغيره، أحاديث جميلة جديرة بالوقوف عليها.
* * * * *
باب الإيمان بالله والاستقامة
«عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. وفي رواية لا أسأل عنه أحداً غيرك». عندما يقول واحد قل لي في الإسلام.. طبعاً أنتم تعرفون كتاب مئة سؤال عن الإسلام، وكتاب أنت تسأل والإسلام يجيب، وعلى غلافه صورة أحد العلماء: أنت تسأل فوق الصورة، وتحتها الإسلام يُجيب. فالصورة صورة هذا العالم الجليل كأنه هو الإسلام نفسه.
أما رسولنا صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه القرآن، ويأتيه جبريل في الليل والنهار، وفي السفر والحضر، وفي الصيف والشتاء. رسولنا عندما سُئل عن كلمة لا يسأل السائل بعدها غيره أحداً عنها قال له خمس كلمات. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم.»
قال القاضي عياض: هذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ومن جوامع كلمه، ومن معجزاته أن يقول هذا القول الصغير البليغ. الاستقامة هي العمل بالأركان وترك المحظورات وإتيان المأمورات.
ولذلك قال العلماء إنه لو شُرِح هذا الحديث لكان الإسلام كله. لأنه سيتضمن شرح العبادات والمعاملات والجهاد والزواج والطلاق، كل الإسلام.. فاستقم، ربنا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم {فاستقم كما أُمرت ومن تاب معك} [هود:112] ولذلك قال ابن عباس لم تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشد من هذه الآية، حتى قال لما ذُكِر له الشيب: بعض الصحابة قالوا له شبت يا رسول الله، أو شاب شعر رأسك يارسول الله، قال: شيبتني هود وأخواتها: {فاستقم كما أُمِرت ومن تاب معك}. فاستثقل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر، لأنه ليس أمرًا له هو وحده. لكنه أمر له ولكل المؤمنين إلى يوم القيامة. من الذي سيستطيع أن يستقيم كما أُمِر النبي بذلك؟ كلنا على صراط بعضنا يكاد يفلت وبعضنا لا يكاد، نسأل الله الستر وحسن الخاتمة.
الاستقامة في المأمور بها في هذا الحديث، وفي هذه الآية هي العمل بالمأمورات وترك المحظورات على عمومهما واتساعهما ومن وفق إلى ذلك فقد هُديَ وأوتي رشده ومن زاغ فالله يغفر لنا وله بفضله ورحمته.
* * * * *
باب في آيات النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به
وأخرج فيه حديثان: الحديث الأول: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أُعطي من الآيات (يعني من المعجزات) ما مِثْلُهُ آمن عليه البشرُ (واحد عصا موسى، والثاني يحيي الموتى ويبرئ الأبكم والأبرص والثالث يصنع الحديد، والجن تخدمه. كل نبي كان عنده معجزات حسية مادية رآها الناس فآمنوا) وإنما كان الذي أُوتيتُ وحياً أوحى الله إلي، (وفي رواية أوحاه الله إليّ) فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»
أشار العلماء هنا إلى ثلاثة معانٍ مهمة جداً، وزادوا معنى رابعًا أهم من الثلاثة. قالوا، أولاً، إن معجزته هو القرآن المحفوظ بحفظ الله {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر:9] أما معجزات الأنبياء الأخرى فكانت في أوقاتهم، ولم تُحفظ بعدهم، رآها من رآها ومن لم يرها لم يعرفها إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم. القرآن الذي نُزِّل على محمد هو الدليل على معجزات الأنبياء السابقين، ولولا هذا القرآن ما صدقنا المعجزات الأخرى، وإلا كيف سنصدقها؟ بل كيف سنعرفها؟ من الكتب المؤلفة أم من الكتب المُحرفة؟ الكتب نوعان: مؤلفة ومحرفة. فهي إما مؤلفة من أولها لأخرها، وإما لها أصل لكنهم حرفوه وعدلوا به عن أصله الذي أنزله الله على النبي أو الرسول.
المعنى الثاني الذي استنبطه العلماء من هذا الحديث هو: استمرار القرآن وانقراض معجزاتهم. فحفظ الله تعالى للقرآن، وكون القرآن نصًا محفوظًا في الصدور مدونًا في السطور جعله باقيًا إلى يوم القيامة؛ على خلاف معجزات الأنبياء السابقين.
المعنى الثالث هو: أن معجزات الرسل السابقين على محمد e وهي حسية مادية قد تُعارَض بأمرين: بالتخيل {ييخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه:64] أو بالسحر نفسه {سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف:116]. وتُعارَض بأمر ثالث: هو تفاوت العقول في التلقي والقبول فإدراك أن هذا حقيقة أم خيال يحتاج إلى إعمال الفكر، والناس ليسوا سواء في مستوى التفكير فيصدقون ويكذبون بحسب أفهامهم، لكن المعجزة التي لا يرِدُ عليها شيء من هذا كله هي القرآن الكريم.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه هي الجملة الرابعة التي هي أهم من الثلاث جمل السابقة «فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» تابعاً هنا يعني أتباعًا في دينه لانتشار الإسلام وبقاء هذه المعجزة إلى يوم القيامة. قال النبي e هذا الكلام في زمن قلة الإسلام وضعفه وهجوم أعدائه عليه، ولما ذهب بعد ست سنوات ليؤدي العمرة، كان عدد كل المسلمين الذين في المدينة وما حولها نحو ألف وخمسمائة، في المدينة وما حولها من الأعراب والبوادي.
نبيٌ، يكون حاله هكذا، وهذا عدد أتباعه بعد نحو تسع عشرة سنة في الدعوة إلى دين الله، ويقول أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة؟ قال العلماء فما إن مات صلى الله عليه وسلم حتى بدأ فتح البلاد وانتشار الإسلام، وهو يظل في ازدياد إلى أن تقوم الساعة. ونحن نرى هذا إلى يوم الناس هذا (!!)
ليس مهماً أننا في مراحل نكون غثاء كغثاء السيل، وفي مراحل نكون مهزومين، ومراحل نكون ضعفاء، هذه كلها عوائق، إنما أصل الإسلام باق ومنتشر، وطالما هو باق ومنتشر تأتي له أيام ينتصر فيها، وتأتي فيها أيام ينهزم: {تلك الأيام نداولها بين الناس} [آل عمران: 140].
إنما الأصل أن الإسلام ينتشر، وطالما ينتشر فلابد أن ينتصر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنما كان الذي أُتيته وحياً أوحى الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة». وقال في الحديث الآخر«وليبلغن هذا الدين ما طلعت عليه الشمس» «حتى لا يبقى بيت دبر ولا مدر إلا ودخله الإسلام بعز عزيز أو بذل ذليل» هذا لم يحدث بعد، لكن سيحدث(!) لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئاً ولم يحدث، كل الذي يقوله يحدث. هو لا ينطق عن الهوى، ولا يخبر بأمنياته، لكنه ينطق عن الوحي ويخبر بالحق الذي يقع ولو بعد حين.
* * * * *
الحديث الثاني في هذا الباب : عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلت به إلا كان من أصحاب النار».
عندنا هنا عدة وقفات: الوقفة الأولى عند الأمة، كيف يقول من هذه الأمة ويقول يهودي ولا نصراني؟ مرَّ بنا يومًا الكلام عن معنة قول الله تعالى {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} وقلنا كلمة الناس في الموضعين عام يراد به الخاص. قوم معينون حدَّثوا قومًا معينين. هنا عبارة «هذه» الأمة كذلك، الأمة هنا مسبوقة باسم الإشارة لا تعني أمة محمد أو أمة الإسلام خاصة، لكنها تعبير يعني خلق الله كافة، الأمة هنا يعني كل من خلق الله إلى يوم القيامة، أمة الخلق الذين هم مدعوون بدعوة الأنبياء كلهم. يعني ليست أمة الاستجابة إلى دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فقط، هؤلاء هم المسلمون، لكن الحديث يتكلم عن اليهود والنصارى السابقين، فأمة الدعوة الإسلامية تشمل كل من دعاه نبي من الأنبياء وصدَّق، ومن دعوه ولم يُصدق، ومن لم يدعه أحد فلم تبلغه دعوة نبي أصلاً، لذلك قال يهودي ونصراني للتنبيه. لا ليحصر الكلام فيهما.
لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يعني الخلق جميعاً، يعني أمة الدعوة، يهودي ولا نصراني، لماذا يهودي ولا نصراني؟ لأن هذين هما أكبر دينين سابقين على الإسلام، وأبناء هؤلاء أو المؤمنين بهما يقولون إن عندهم كتاب يزعمون أنه هو الكتاب الذي أُنزِل على أنبيائهم، وهؤلاء هم الذين عندهم نظام ديني يتبعونه كان باقياً وقت النبي صلى الله عليه وسلم، وهو باقٍ حتى اليوم، والله أعلم إلى متى يبقى. فنبه بهما على غيرهما من أهل الأديان، البوذية والكنفوشيوسية، والملحدين والكفار. نبه بهذين الدينين العظيمين عدداً على بقية الأديان الصغيرة والمجهولة، وعلى غير المؤمنين أصلاً. فلا يسمع بمحمد صلى الله عليه وسلم أحد من خلق الله ثم لا يؤمن إلا دخل النار.
ولكن، ما معنى يسمع به؟ هذه هي الكلمة الرابعة. هل معناها أن يسمع أنه هناك شخصًأ اسمه محمد؟. أن يسمع الأذان كما يسمعونه في بلاد المسلمين أو حتى في المساجد في أوروبا؟
يسمع به يعني تبلغه دعوة الإسلام، وبعد أن تبلغه دعوة الإسلام؛ اختلف العلماء:
تبلغه بلاغاً يقتضيه البحث والتحقق من صدقها، وما فيها من أوامر ونواهي، أم تبلغه كما بلغت أهل مكة ومن حولها من القرى، حتى آمن به من آمن وكفر به من كفر؟ رأيان عند العلماء.
الرأي الذي يقول تبلغه بمعنى أنه يغلب على ظنه أن هذا الكلام به شبه صدق، هذا الكلام تبدو عليه الصحة، سأذهب إذن وأبحث: أرى أعلام النبوة، أرى مناهي هذا الدين، أرى القرآن ماذا يقول، أرى تاريخه، أدرس الإسلام حتى يتبين لي الحق والهدى من الضلال والزيغ... هذا رأي.
الرأي الآخر، وهو الذي رجحه الجاحظ، وإن كان الجاحظ أديباً ولكنه كان إماماً في الدين أيضاً. قال إنه تبلغه كما بلغت الدعوة أهل مكة وما جاورها من القرى، التي هي الدعوة إلى التوحيد الخالص وترك الشرك كله. فمن لم تبلغه الدعوة إلى هذا الإسلام، على نحو يقيم في يقينه أنه دين يأمر بالتوحيد الخالص ويدعو إلى ترك الشرك كله، فلا يصدق عليه أنه سمع بمحمد، ولا يدخل في الوعيد الذي تضمنه الحديث ويكون المسلمون هم المقصرون في الدعوة وعليهم التبعة:
لذلك، فالرأي الثاني يُحَمِّلُنا عبئاً أكبر من الأول. الرأي الأول يقول: قل ما يمكنك، أو يخطر ببالك، عن أن هناك نبياً وقرآناً. لكن الثاني يقول لك: لا، عليك أن تقيم له الحجة أن هذا الدين هو دين التوحيد الخالص، وأن ما عداه هو شرك أو كفر أو إلحاد أو وثنية أوغيرها.
فالذي بلغته، على هذا النحو، دعوة محمد صلى الله عليه وسلم ثم لم يؤمن به يدخل النار. وهذا عدل ليس فيه ظلم لأحد. لأن من آمن بالأنبياء السابقين ومات على هذا الإيمان قبل أن يُبعث محمد صلى الله عليه وسلم فهو على خير، ومن كفر بهم بعد أن بلغته دعوتهم فهو من أهل النار. ومن آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد أن تبينت له الحُجة فهو من أهل الجنة إن شاء الله. ومن كفر به بعد أن تبين له صدق دعوته فإنه هو الذي استحق النار بفعل نفسه. ومن كان من أهل الأديان السابقة وأُتيحت له الفرصة أن يعرف هذه الدعوة الإسلامية الصادقة معرفة تامة ثم أنكرها وتنكر لها، ولم يقبل الدخول فيها، هل يزعم أحد أنه مظلوم إذا لقي جزاء هذا الإنكار والتنكر؟ اللهم لا (!)
|