|
أحاديث مختارة من
مختصر صحيح مسلم
دكتور محمد سليم العوَّاِ
محاضرات جمعية مصر للثقافة والحوار
رجب 1424 ـ ربيع الثاني 1425هـ = سبتمبر 2003 ـ يونيو 2004
(4)
كان قد بقي معنا من الباب الذي عنوانه "في آيات النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان به" حديث واحد رواه الشعبي «عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة يؤتَون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حق الله عز وجل عليه وحق سيده فله أجران (لا كان متبرمًا بالقدر الذي ضرب عليه هذه العبودية، ولا كان ضائقًا بها حتى يؤذي من تمَلكَه، ولا كان سيء النية في ماله ولا سيء النية في ممتلكاته، إنما عَلِم أن هذا قضاء وقدر، عليه أن يصبر ويحتسب لعل الله يجعل له مخرجًا. ففي فترة الاحتساب هذه أدى حق الله عليه، وأدى حق من تمَلكَه على الرغم من ثِقَل الشعور بالتملك والشعور بالقهر من إنسان لآخر. بعض الناس عندما يسمعون هذا الحديث يقولون إن الإسلام يحض الناس على أن يستسلِموا لأقدارهم، وعلى أن يرضوا بهذه العبودية، مع أنكم تقولون إن هذا دين تحرير الإنسان من الخرافات والبدع، فكيف يحرره من الخرافات والبدع ويتركه مملوكًا ويتركه رقيقًا؟ ينبغي هنا أن نستحضر أمرين: الأمر الأول تعبير الشيخ الغزالي رحمة الله عليه الذي كان يقول: "جاء الإسلام فوجد الرق فشرع العتق". وليس قبل الإسلام شريعة من الشرائع شرَّعت العِتق، الإسلام هو أول شريعة يعرفها البشر تُشرِّع عتق الرقيق في الرقاب، في الكفارات، وفي الصدقات، وفي القتل الخطأ وإلى آخر ما جاء. الأمر الثاني: أن التذمر على المصائب ليس من خُلق العباد الصالحين، سواء كان هؤلاء العباد أحرارًا أم أرقاء، والإسلام يُريد من الإنسان أن يكون صالح الخُلق، فمن حُسن الخُلق أن يؤدي حق الله تبارك وتعالى وحق من تَملَكه، لأن لهذا المُتملك حق يجب أن يؤدى إلى أن يقضي الله خيرًا للمملوك يتحرر به من أسر الرق) ورجل كانت له أمة فغذاها (يعني أعطاها التغذية المستديمة التي تُقيم حياتها طول الوقت) فأحسن غذاءها ثم أدبها فأحسن أدبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران».
والمطلوب ممن كانت له أمة أربعة أشياء: أن يُحسن غذاءها، وأن يؤدبها فيحسن تأديبها فيعلمها القرآن ويعلمها الصلاة ويعلمها الواجبات الشرعية الواجبة عليها، ثم إذا استطاع أن يعتقها فليفعل، فإن تزوجها وجب له في هذه الأربعة أجران. الأجر الأول هو الإحسان لهذه الأمة، والإحسان إلى المرأة أولى لأنها في عادة الناس آنئذٍ كانت موضع الاستهانة بها، أو موضع استعمالها فيما لا يجوز، وموضع المشقة عليها فيما تُكَلف به، فوصَّى النبي صلى الله عليه وسلم بالمرأة المملوكة أكثر مما وصى بالرجل المملوك.
الشعبي لم يقل هذا الحديث دون سبب، تعرفون أن إخواننا أهل العراق وما وراء العراق من أهل إيران وما إليها كانوا كثيري الافتراضات والأسئلة، وفي الفقه الحنفي عندنا: أرأيت، أرأيت. وعندما ذهب رجل لمالك وقال له: "أرأيت إن كان كذا". فقال له مالك: "هذه سليسلة بنت سليسلة، إن أردت هذا فعليك بالعراق". وكان من موروث فقه المدينة أن يقال للسائل: أوقعت هذه؟ فإن قيل نعم، أفتوه. وإن قيل لا، قالوا دعوها حتى تقع.
لا نستطيع أن نقول إن هذا منهج جيد وهذا منهج غير جيد، لأنه لما سُئل أبو حنيفة عن مسألة الافتراض هذه قال: "إننا نستعد للبلاء قبل وقوعه حتى إذا وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه". وكان شيخنا العلامة مصطفى شلبي، رحمة الله عليه، يقول لنا: "لا يستهين أحد بالافتراضات، فلولا هذه الافتراضات لحدثت مصائب بعد أن اُُخترعت الطائرات والصواريخ وما إليها". فقلنا له: كيف؟ قال: "عندهم في الفقه الحنفي إذا تزوج مشرقي بمغربية فالولد للفراش. مشرقي بمغربية وهو قاعد في المشرق والناس يرونه في كل وقت. الآن فيه طائرة ويقدر يروح المغرب في ثلاث ساعات ويقضي اليوم كله هناك ويعود ويقسم الناس أنهم رأوه في صلاة الفجر وصلاة العشاء". فكان يحاول أن يُقرب إلى أذهاننا فكرة أن الفقه الافتراضي ليس شرًا كله بأن يعطينا أمثلة من هذه الاختراعات الحديثة التي لا يحل مشاكلها عند المقلدين الخُلَّص إلا ذلك الفقه الافتراضي(!)
أحد أهل خراسان؛ الذين كان عندهم هذا الفقه الافتراضي، جاء إلى الشعبي وقال له: "يا أبا عمرو أنت منقذ لنا من أهل خراسان ومن والاهم، يقولون إن الرجل إذا أعتق أمته (يعني هذا الحديث) ثم تزوجها كان كالراكب بدنته". (البدنة هي الناقة أو الجمل أو البقرة التي تُهدى لبيت الله الحرام لمناسبة الحج أو العمرة، والعلماء يكرهون ركوبها إلا من ضرورة، من ساعة إحرامه، أما من غير ضرورة فلا يجوز تعظيمًا لشأن البيت الحرام الذي أهداها إليه. فلا يجوز له أن يعتدي على ما أهداه لهذا البيت الحرام إلا لضرورة.)
فقال الخراساني للشعبي إنهم كرهوا أن يتزوج الرجل الأمة إذا أعتقها كما يكرهون أن يركب الحاج أو المعتمر بدنة أهداها إلى البيت الحرام في أثناء طريقه إلى الحج. فحدثه الشعبي بهذا الحديث وقال: "خذ هذا الحديث عني بغير شيء، وقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة". يريد أن يقول له إن العلم انتشر ووصل إلى العراق، وأنت جئت من خراسان، بينما كان الإنسان لكي يصل إليه حديث مثل هذا لابد أن يركب إلى المدينة حيث كان العلم محصورًا فيها عندما كان الصحابة قليلين ولم يخرجوا منها. بينما في وقت الشعبي كان العلم قد انتشر فبلغ البلدان كلها.
* * * * *
الباب الذي يليه باب «ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الإيمان».
«عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه قال: «ثلاث من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحبَ المرءَ لا يحبُهُ إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار»
الإمام النووي وهو يبدأ في شرح هذا الحديث قال: "هذا حديث عظيم وأصل من أصول الإسلام". لماذا؟
لأنه بهذه الخصال يستقر في نفس المرء المؤمن تلذذ بالإيمان بالله تبارك وتعالى، وبغير هذا التلذذ لا يستطيع الإنسان أن يشعر بطعم العبادة، ولا بطعم الطاعة، ولا بطعم الصوم الذي يجوعه ويعطشه، ولا بطعم الصدقة التي تُنقص من ماله، ولا يصدق أنه ما نقصت صدقة من مال.
كيف يستقر الإيمان في القلب فنجد حلاوته؟ بهذه الخصال الثلاثة. قال إن حلاوة الإيمان هي التلذذ بالطاعات وتحمل المشقات. وهي بمعنى الحديث الوارد في مسلم في موضع آخر «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا»
وقال إن المحبة لا تصح إلا بالطاعة، ولذلك قال نسب إلى الإمام الشافعي، عندما أراد أن يترجم هذا المعنى، أنه قال:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه هذا لعمري في القياس شنيع
لو كان حبك صادقـًا لأطعته إن المحب لمن أحب مطيـع
تحمل المشقات في مرضات الله تبارك وتعالى ـ إذن ـ دليل محبة العبد لربه. لذلك قال القاضي عياض: ولا محبة إلا بالطاعة، ولا تصح المحبة في الله وكراهة العودة إلى الكفر إلا لمن قويَ إيمانه، وتحقق يقينه، واطمأنت به نفسه حتى خالط لحمه ودمه، فأصبح يشعر أن هذه المحبة لله تعالى متمكنة منه حتى لا تحمله أعضاؤه على معصية ولا تصده عن طاعة.
ثم في الحديث وجوب حب بعضنا لبعض: "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله". كيف ذلك؟.. الحب في الله من ثمرات حب الله، إذا أحببت الله أحببت الصالحين من عباده، إذا أحببت الله أحببت الصادقين، أحببت الشهداء والمجاهدين، أحببت الرافضين للتطبيع، وأحببت المقاومين للعدو المحتل الصهيوني، وأحببت المقاومين للعدو الغازي بلاد المسلمين بجيوشه أو بثقافته، ليصرفهم عن ثقافتهم ويمسخ هويتهم... فالذي يحب الله حبًا حقيقيًا يجد ثمرة هذا الحب في عمله وفي تصرفاته، وفيما يقول وفيما يكتب، في كل شيء يأتيه أو يدعه. والذي يدَّعي حب الله وليس صادقًا فيه لا تجد عنده لهذه المحبة أثرًا أو تجد لها أثرًا قليلاً لا يكاد يُحَس.
كاهن كاثوليكي لبناني كتب مقالاً طويلاً عن أن مشكلة المسلمين أن دينهم يقوم على الخوف ولا يقوم على الحب، قال: كل حاجة عندهم عذاب عظيم، عذاب أليم. إنما نحن عندنا الحب، فنحن أقرب إلى الله منهم ونستطيع أن نتسامح وهم لا يتسامحون، ولذلك يضربونا بالنار وبالقنابل والرصاص.
وقد انشغلت بالرد عليه مدة، وجمعت الأحاديث والآيات التي فيها المحبة فوجدت شيئًا لا يُتَصور، يهدم زعمه من أساسه وينقض بناءه! وتعمدت أن أجمع ذلك بعيدًا عن التصوف؛ لأني لو دخلت في باب الحب في التصوف قد لا ننتهي أبدًا.
العلماء يقولون أصل المحبة مواطأة القلب، يعني مطابقته، يعني أن يكون مطمئنًا وراضيًا ومقبلاً. مواطأة القلب على ما يُرضي الرب سبحانه وتعالى. إذن، العمل من المحبة والترك من المحبة، والإقبال من المحبة، والامتناع من المحبة. فليست المشكلة أني خائف، إنما المسألة أني أُحب هذا الخالق العظيم وأعرف له قدره. هذه المحبة أصل من الأصول الإيمانية، فإذا اكتملت في الإنسان واشتمل عليها قلبه، ظهر أثرها في سائر أفعاله وأقواله. وبمقدار ما تقل يقل أثرها في ذلك كله.
لذلك قال القاضي عياض: "أصل المحبة مواطأة القلب على ما يُرضي الرب سبحانه وتعالى، فيُحب الإنسان ما أحبه الله ويكره ما يكرهه". قال: "هي من واجبات الإسلام".
فهذه ليست زيادة ولا كمال من الكمالات، إنها واجب من الواجبات بموجب هذه الأحاديث الكثيرة في الصحيحين وغيرهما.
إذن: "من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحبَّ المرء لا يحبه إلا لله". هل إذا كانت بيني وبينه دنيا تمنع أن تكون المحبة لله؟. لا، لا تمنع، إذا كان بيني وبينه منفعة، لا تمنع أن تكون المحبة لله؟. وإذا كانت بيني وبينه تجارة، لا تمنع. إذا كان يؤدي لي خدمة وأؤدي له خدمة، كل هذا تزيده المحبة في الله ثراءً وتوثقًا، ولا تنقصه.
إنما الذي لا يُقبل ولا يُرضى به؟ أن يكون الأصل في الصلة بين الناس هذه المنفعة المادية. عندئذ تختفي المحبة في الله وتظهر المحبة في الدنيا، فإذا اقتصرت المحبة على محبة الدنيا فهي زائلة، أما إذا كانت محبة الله هي الأصل فيها ولو جاءت معها محبة دنيوية فهذا لا بأس به، جميع الصحابة كانوا يتبايعون ويتزاوجون ولم يُنقص هذا من محبة بعضهم لبعض في الله سبحانه وتعالى.
* * *
الحديث الذي يليه عن أنس رضي الله عنه أيضاً: قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يُحب لجاره، أو قال لأخيه، ما يُحب لنفسه»
الحديث فيه عدة روايات: لا يؤمن عبد، لا يؤمن أحدكم، ولا يؤمن الرجل. كل هذه الروايات موجودة في مسلم وكلها صحيحة، وفي رواية أنس، الشك منه هو وليس من أحد الرواة في رواية مسلم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو قال لأخيه" أو قال لأخيه هذه في عبارة أنس في رواية مسلم. ولكن عند البخاري وغيره من الرواة: "لا يؤمن أحدكم أو لا يؤمن عبد أو لا يؤمن رجل حتى يحب لأخيه" وليس هناك "لجاره أو قال لأخيه". فهذا الشك جاء عند مسلم فقط، وهذا الشك أيضًا صحيح عن أنس، يعني هذا ليس ضعفًا في رواية أنس، كأن أنس في مرحلة من المراحل قال: هل قال حتى يحب لجاره، أم قال حتى يحب لأخيه؟.. فشك أنس، فذكر اللفظين. وهذا يقع كثيرًا من المحدّثين ولا يقلل من درجة الحديث ولا من صحته ولا من جودته ولا من عملنا به. وهذه المغايرة لا إشكال فيها: فالجار أو الأخ، يمكن أن تُحمل على الأخوة في الإنسانية، أو الأخوة في الوطن، وإن كان الأصل فيها أخوة الإسلام. قال العلماء: إذا كان في اللفظ مغايرة في بعض الروايات، يُعمل باللفظين طالما كانا مرويين برواية صحيحة وبسند صحيح. أي يبقى اللفظان صحيحين ويُعمل باللفظين معًا. وهذا من علوم الحديث المهمة.
فأنس قال: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يُحب لجاره أو قال لأخيه ما يحب لنفسه"
أي حب هنا؟. الحب الذي هو حب الطبع؟ كأن أحب ابني أو عمتي... هذا حب طبع، الإنسان ينشأ فيجد نفسه في وسط عائلي فيحب هذا الوسط كله، يقلق لقلقه، يفرح لفرحه، هذا نسميه حب الطبع الذي لا فضل للإنسان فيه.
إنما الحب المقصود في هذا الحديث هو حب الاختيار الذي لا يأتي إلا بإرادتنا، والذي تصنعه بنفسك فَتُؤْجَر عليه عند الله تبارك وتعالى، هذا يُسمونه حب الاختيار.
وقال العلماء: إن معنى لا يؤمن أحدكم أو لا يؤمن عبد أو لا يؤمن الرجل، ليس معناه أنه يصبح كافرًا، إنما يبقى إيمانه به بعض النقص، لا يؤمن إيمانًا كاملاً، لا يؤمن إيمانًا لا يأتيه شيء من بين يديه ولا من خلفه. وهناك أحاديث كثيرة فيها نفي الإيمان، وسنأتي لأحاديث أخرى فيها كلمة الكفر، فهذه الكلمات لا تُحْمَلُ على ظاهرها، ولا يُظَن أن معنى لا يؤمن، في كل الأحاديث، أنه يكفر ويدخل النار. لكن لا يؤمن هنا معناها لا يؤمن إيمانًا كاملاً، أو لا يؤمن في لحظة معينة، أو لا يؤمن في أثناء فعل معين.
الإمام أبو سليمان الخطابي، وهو أحد أئمة السنة، قال: إن معنى هذا أن يُفني المرء نفسه في طاعة الله عز وجل. ومن طاعة الله حب الجار وحب الأخ وحب الصديق، وحب الذي يتصل بك بصلة صالحة، إذا كان هذا كله حبًا في الله. قال النووي هذا من حب الله تعالى، وأرجع ذلك للحديث الذي قبله، وهما متتاليان في الرواية أيضًا عند أبي داوود. فقال: هما حديثان بمعنى واحد ويُكمل أحدهما الآخر، فينبغي عليك إذا أحببت الله حق الحب أن تحب أخاك وأن تحب جارك، وأن تُحِب له ما تُحِب لنفسك.
أبو عمرو بن الصلاح، أحد الأئمة الشُرَّاح، في أثناء شرحه لصحيح مسلم، قال: "هذا يبدو من المستبعد الذي لا يكاد يقع"؛ يقصد أن أُحب لجاري أو لأخي شقيقي، فضلاً عن أخي في الإسلام، ما أحبه لنفسي. كأن أريد بيتًا مثل الذي عندي لأخي، أو أحسن منه....
قال: الأمر ليس كذلك. ولكنه استدرك على هذا الاستبعاد بأنك إذا نظرت إلى ظاهر الحديث وجدت أن المقصود منك أن تطلب لأخيك مثل ما تطلب لنفسك، وهذا معقول لا شيء فيه، إلا إذا دخل في قلب الإنسان الشعور بأنه أحسن من أخيه أو أفضل منه فيرى أنه يستحق خيرًا مما عند أخيه، أو أنه يستحق ما هو فيه من نعمة وأخوه لا يستحق مثلها، هنا يكون قد يكون قلب العبد قد أصبح دغلاً أي تمكن منه بعض أمراضه مثل الحقد أو الحسد أو الغل، وبالجملة يكون قد وقع في القلب فساد، يجب أن يسعى المرء في إصلاحه بالطاعة المتوالية والدعاء ونحوهما. (وتعبير الدغل يقصد به فساد القلب تشبيهًا له بالأحراش التي تلتف فيها الأشجار والأشواك فلا يخلص للإنسان منه الطيب من الخبيث، ولا النافع منا الضار)
إن المطلوب في هذا الحديث أن يُحب المرء لأخيه النعمة التي عنده وزيادة دون أن تنقص نعمته هو. كأنه يقول يا رب أعط لكل الناس مثل ما عندي وأكثر، لكن يا رب لا تنقص نعمتي أنا. قال ابن الصلاح: وهذا أمر يسير على أصحاب القلوب السليمة. أي إن الذي يرضى بنعمته، ويحمد الله عليها لا يخطر بباله أنه يستفيد إذا نقصت نعم الناس. لأن القلوب السليمة تحب الخير لإخوانها ولأهلها ولجيرانها. إذا بلغ الإنسان هذه المنزلة فقد نجا وكمل إيمانه على وفق هذا الحديث.
المسألة الثانية في هذا الحديث، هي أنه يتناول أمر الدنيا ومباحاتها من النعم الحلال ونحوها، من الطيبات والمال الحلال وصلاح الأولاد إلى آخر ذلك.
أما الآخرة ففيها قول الله تبارك وتعالى «وفي ذلك فليتنافس المتنافسون» لأن في الآخرة معيارًا لا نعرف كنهه، ومكيالاً لا نستطيع أن نعرف مقداره. إنما في مقادير الدنيا بيننا يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه أو مثل ما يحب لنفسه دون أن يطلب نقصان نعمة غيره، وبذلك ترتاح القلوب وتستقر للناس أوضاعها.
أنا أُطيل في هذه المعاني لأن بعض إخواننا يتساءلون ما جدوى أن نتكلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كلام قديم نسمعه كل جمعة من على المنابر.
الحقيقة أننا عندما فكرنا نقرأ مختصر صحيح مسلم كان هدفنا أن نحاول أن العيش في ظلال السُنَّة النبوية، بمعنى أن تؤثر في حياتنا، وأن نتعلم منها كيف نحيا، ونحولها لعمل حقيقي.
فإذا استطعنا في لقاءاتنا هذه أن يجمع كل واحد منا لنفسه ما يقدر عليه أو ما يحبه أو ما يبقى في ذهنه، أو إذا ما نام ليلاً تساءل: ما هي حكاية لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه؟. ويسأل عنها، ويبدأ يحب لأخيه ما يحبه لنفسه بعد أن لم يكن يعرف هذا. فهذه مهمتنا في هذه اللقاءات؛ أن نحاول أن نعيش، ولو قليلاً، بالسنَّة، وليس أن نعيش مع السنَّة. بالسنَّة يعني نُدْخِلها في سلوكنا وفي حياتنا، ونجعلها معيارًا نقيس به تصرفاتنا وأفعالنا وعواطفنا. لأن كل هذه الأحاديث في العواطف؛ في المحبة وفي الكره وفي البغض. فنفعل هذا لنتعلم كيف يرضى الله تعالى عنا بقدر ما نستطيع.
* * *
الحديث الذي يلي هذا الحديث هو قول أنس «عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.» هذا أصعب من السابق، إذا كان الأول لا يؤمن حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه. وقالوا إن هذا من المستبعد الذي يكاد أن لا يكون. هنا لا يؤمن حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من ولده. هل هناك من هو أحب للإنسان من ولده؟ ووالده هل هناك أحد مثل الوالد؟ والناس أجمعين؛ دخلت فيهم زوجتك وأهلك، ودخل فيها كل من له فضل عليك.
في رواية أخرى صحيحة لهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ذلك وقال: «ونفسه التي بين جنبيه» فسيدنا عمر، وسيدنا عمر كان كثير المراجعة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال له: "يا رسول الله والله إنك لأحب إلي من أمي وأبي والناس أجمعين" فقال له: "ونفسك يا عمر؟". قال: "لا يا رسول الله"، قال: "لا إذن". قال: "والذي نفسي بيده يا رسول الله، أنت أحب إلي من نفسي"، قال: "الآن إذن".
ماذا كان يفعل عمر؟ كان يرى إلى أين يمكنه أن يقف. ممكن يفلت بالحكاية؟ فيقدم نفسه على النبي أو يقدم النبي على نفسه.
العلماء قالوا في هذا الحديث أمرًا جميلاً جدًّا. قالوا: هذا ما قاله الرسول لسيدنا عمر، لكنه قال لعموم المسلمين الحديث الذي في مسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى..." وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معهم وليس معنا. فالافتراض الخيالي الخاص: أتقدم أنا على الرسول صلى الله عليه وسلم أم يتقدم هو، افتراض غير موجود، مع أنه في الحقيقة موجود في نصر السنَّة، والدفاع عن الدين، والدفاع عن الشريعة، وقول الحق والجهر به في أيام الباطل. لكن هذا ما قاله العلماء.
الأمر الثاني: أن هذا عمر، خاصة الخاصة، هو من الذين لا يُقبل منهم أقل من ذلك. مثل ما قال العلماء العارفون إن حسنات الأبرار سيئات المقربين، يريدون أن الخلق طبقات، فأهل الطبقة الأولى الذين لا يُقبل منهم إلا هذا أمثال أبو بكر وعمر ونظرائهما من كبار الصحابة.
ولكن الحديث الذي معنا "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". قال العلماء مرة أخرى: هذا هو حب الاختيار، وقالوا كلامًا جميلاً جدًّا.
قالوا: الحب ثلاثة أنواع: حب شفقة؛ كما يُحب الإنسان أولاده شفقة ورحمة وما إلى ذلك.
وحب إعظام وإجلال؛ يُحب الإنسان من هو أكبر منه، ومن هو أعظم منه، ومن هو أرقى منه وما إلى ذلك.
ومحبة مشاكلة واستحسان؛ كمحبة سائر الناس بعضهم لبعض. أنا أُحب أحدًا يعني نحن الأثنين قريبين لبعض، طباعنا مثل بعض، أخلاقنا مثل بعض. هذا هو حب المشاكلة.
قالوا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي محبة الإعظام والإجلال وليست من محبة الشفقة والرحمة، ولا من محبة المشاكلة. لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في مقامه العالي، وهو الذي بلَّغنا الوحي، والذي علمنا الدين، والذي استنقذنا الله به من النار، والذي هُدينا به من الضلالة. هذه هي محبة الإعظام والإجلال، وهذه هي المحبة التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. المحبة التي حملت الصحابة أن يفدوه بأنفسهم في المعارك التي خاضوها معه رجالاً ونساءً، وأن يتترسوا دونه حتى يمنعوا وصول العدو إليه، فيُجرح الرجال والنساء. هذا النوع من المحبة لا يكون إلا محبة الإجلال والإعظام، وهذه هي التي يستحقها النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال القاضي عياض كلامًا جميلاً جداً. قال: "من استكمل الإيمان على وفق الأحاديث السابقة علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم أكبر من حق أبيه وابنه وزوجه وسائر الناس". لماذا؟ قال: "لأن من الواجب أن يُبَيِّن نصره، وليس لأحد دين ينصره. ومن الواجب على كل مسلم الدفاع عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد سُنَّة تُنصر. ومن واجب كل مسلم ألا يقبل أي مساس بكيان أو قدر أو شرف أو احترام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا واجباً لكل الناس إنما يجب لبعضهم". وعدد الأسباب التي تُوجب أن تكون محبة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر تأكيدًا من محبة الخلق أجمعين. وقال: "وجميع ذلك يبدو في أن الله اختاره ليُنزِّل عليه القرآن". وقال: "لو ما كان ربنا سبحانه وتعالى رآه أصفى خلقه وأنقاهم وأحقهم بهذه الرسالة ما أنزلها عليه". وقد هُدينا من الضلال وخرجنا من الكفر عندما بلغتنا هذه الرسالة. إذن، فحق هذا النبي علينا هذا القدر من الإعظام والإجلال.
وهذه ليست محبة نَوْحٌ وبكاء لفراق النبي صلى الله عليه وسلم كما يفعل بعض الناس عند قبره الشريف. هو مات من 14 قرن، والذين كانوا معه لم يفعلوا ذلك. بكوا ودفنوه، وذهبوا ليبايعوا أبا بكر قبل أن يكملوا الدفن. فليست هذه المحبة، إنما محبته محبة الإجلال والإعظام والائتمار بأمره والانتهاء عند نهيه.
أحد إخواننا عندما تكلمنا عن الأحاديث النبوية سأل: هل نحن مطالبون أن نتبع كل سُنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قلت له: نعم نحن مطالبون بأن نتبع السُنَّة الصحيحة كلها. لكن السُنَّة الصحيحة نفسها فيها أقسام، فيها الواجبات، والمندوبات والمباحات وفيها المكروهات وهكذا.
لكن هذا السؤال لم يكن يرد على ذهن مسلم من الصدر الأول أبدًا. عندما قال أبو الدرداء لمعاوية كلامًا عن بيع الذهب المصنوع، والذهب غير المصنوع، فقال معاوية: "لا أرى في هذا بأسًا". قال أبو الدرداء: "أحدثك عن رسول الله وتخبرني برأيك. لا أُساكنك بأرض". وخرج من الشام، خرج مجاهدًا ومرابطًا ومات على ثغور اسطنبول، وقبره بها معروف يزار إلى اليوم، رضي الله عنه.
كانوا يستكبرون جدًّا أن يفكر واحد، مجرد التفكير، في أن يناقش السُنَّة النبوية الثابتة. الآن أصبح سهلاً جدًّا أن تسأل الناس بعضها طول النهار: "هو أنا ملزَم؟" أو: "لا يا أخي سُنة إيه؟!". فهذا من المصائب الجديدة التي لم يعرفها المسلمون من قبل.
لذلك قالوا كل من أحسن إليك فحق رسول الله أكبر من حقه، وكل من أنعم عليك وتفضل عليك فحق رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من حقه. ولا تقارن؛ لا تظل تقول فلان علمني أكثر، فلان تصدق علي أكثر. كل.. بالإطلاق والشمول والعموم. كل من له عليك نعمة، فنعمة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك أعظم. لماذا؟
لأنك لو قارنت أي نعمة أخرى بنعمة الإسلام، لرجحت نعمة الإسلام كل النعم.
* * * * *
باب "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا".
وفيه حديث واحد «عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه (وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم) أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً».
ذاق طعم الإيمان يعني وجد هذه الحلاوة التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؛ "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان". ذاق يعني شعر بلذة هذه الطاعة وكره نفسه عند المعصية، ونظر إلى ماضيه نظرة المستغفر التائب، وإلى مستقبله نظرة المؤمل في رضا الله ورحمته. هذا هو الذي يستقر الإيمان في قلبه، وأنا قلت قبل ذلك إنه ليس في الإسلام تأنيب ضمير، وليس فيه أن أظل أضرب نفسي بالكرابيج طول الليل وأبكي، هذا غير موجود في الإسلام. الموجود في الإسلام التوبة من الذنوب «إن الله يغفر الذنوب جميعًا» فإذا أذنب المسلم يتوب وإذا أخطأ يتوب، إذا ارتكب كبيرة من الكبائر يتوب، ثم بعد هذه التوبة يُصلح حاله. أما العيش في ظل المعصية وانتظار المطهِر والمخلِّص فهذا ليس من الإسلام، هذا من الأديان الأخرى.
فذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، وآمن بأن هذا الرب غفور رحيم، وآمن بأن هذا الرب شديد العقاب فحاول أن يتجنب عقابه، وحاول أن يكون أهلاً لمغفرته ورحمته. بماذا؟ بالتوبة والاستغفار والصدقة والصلاة النافلة والصوم النافلة إلى آخر ذلك.
ولذلك قال النووي: وحاصل هذا الحديث أن الإيمان هو التزام طريق الإسلام. فكل ما دلك عليه النبي صلى الله عليه وسلم افعله، وكل ما نهاك عنه اتركه.
قال: وإذا دخل الإيمان قلب المرء سهُلت عليه الطاعة وصعبت عليه المعصية. عندما يواجه معصية يكون مترددًا خائفًا قلقًا وغير مطمئن. وعندما تأتي الطاعة يقبل عليها، يستعجل إقامة الصلاة ويستعجل دخول رمضان. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاء شعبان يقول: "اللهم بلغنا رمضان"؛ لكي نصوم ونطيع. بعض الناس ممن حجوا أو اعتمروا عندما يأتي وقت الحج تجدهم يبكون، ويقول لك أحدهم: أنا مشتاق. مع أنه ذاهب في مشقة وتعب. إنما هذا الإيمان الذي وقر في قلبه سهَّل عليه هذه المشقات فسهَّل عليه الطاعات. والثاني والعياذ بالله، صعبت عليه الطاعات، كالذي يستصعب حج الفريضة لأن أماكن المناسك مزدحمة(!). فأمثال هؤلاء لم يستقر في قلوبهم هذا النوع من الإيمان الذي يجعلهم يستلذون بالطاعات على المشقة التي فيها.
* * * * *
الباب الذي بعد ذلك باب "أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا".
«عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (ستجدون في المختصر مكتوب عن عبد الله بن عمر إنما هي في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو، عبد الله بن عمر له حديث آخر في مواضع أخرى) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا ومن كان فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا وعد أخلف وإذا خاصم فجر».
غير أنه في حديث سفيان (أي سفيان الثوري)، في رواية من الروايات: «وإن كانت فيه خصلة منهن أو خلة منهن كانت فيه خصلة أو خلة من النفاق».
قبل أن ندخل في تفاصيل هذا الحديث من شرح النووي على مسلم، أُريد أن أقول إن هذا الحديث وأشباهه للتحذير الشديد من هذه الخصال السيئة، وليست تكفيرا للمسلم. فلا يظن أحد أنه من فعل شيئًا من هذه الخصال فقد كفر أو نافق، أو أن من وقع فيها مرة أو مرتين أو عشرة في حياته يكون نافَق عشر مرات، وسيدخل جهنم وفي الدرك الأسفل من النار.
لا، هذا الحديث وأمثاله للتحذير الشديد وليس معناه الحكم بنفاق مرتكب هذه الأشياء على كثرتها وكبرها وخطورتها. بل هو كما قال الإمام الترمذي: "أجمع العلماء على أن هذا النفاق هو نفاق العمل، وأما نفاق الإيمان فكان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم". فأول مسألة هنا أن هذا الحديث وأمثاله للتحذير، وليس لتقرير حكم بكفر أو نفاق أو بالخروج من المِلة لمن وقع في واحدة من هذه الخصال.
معه الحديث الثاني لأن هذا الباب فيه حديثان. الحديث الثاني: «عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذِب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان».
ليس هنا إذا خاصم فجر ولا إذا عاهد غدر. فلما نجمع الثلاث والأربع وأصبحت خمس خصال. والعلماء وجدوا خصلة سادسة في القرآن الكريم «إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى» وأوصاف المنافقين في القرآن الكريم كثيرة. إذن، هذه ليست كل خصال المنافق، هذه أظهرها أو أهمها أو أكثرها وقوعًا، أو التي تشتبه على بعض الناس فلا يعرفون أنها تؤدي بهم إلى النفاق، ويقعون فيها على وجه الفلتة أو الغفلة.
الإمام النووي قال كلامًا جميلاً في هذا الحديث، نقله عن العلماء، قال: "هذا الحديث مما عدَّه جماعة من العلماء مشكلاً". قالوا هذا حديث فيه مشكلة كبيرة. لماذا؟
من حيث إن هذه الخصال الأربع والثلاث، وأصبحوا خمسًا عندما جمعناها معًا. قد توجد في المسلم المصدِّق الذي ليس في إيمانه شك. ولقد أجمع العلماء على أن من كان مصدِّقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال أو بعضها لا يُحكَم عليه بالكفر، ولا هو منافق يخلُد في النار. فإن أخوة يوسف صلى الله عليه وسلم جمعوا هذه الخصال. هل إخوة يوسف كانوا كفاراً؟! كانوا منافقين؟! وسيذهبون لجهنم؟!.. إخوة يوسف أنبياء، هم الأسباط، هم أبناء يعقوب، وقد جمعوا هذه الخصال كلها ولم يدخلوا النار، وما كانوا من المنافقين.
طيب، قد يقال إن إخوة يوسف كانوا من شرع من قبلنا، وربما كان عندهم شرع غير شرعنا. قال النووي: "وكذا وُجِد لبعض السلف ولبعض العلماء بعض هذا أو كله". بعض السلف الصالحين من الأمة الإسلامية، ولبعض العلماء الذين يُقتدى بهم، ويؤخذ عنهم بعض هذا، أو كله.
فالنووي رد وقال: "هذا الحديث ليس فيه بحمد الله تعالى إشكال، ولكن معناه مُختَلَفٌ فيه". فالذي قاله المحققون، وهم العلماء وليسوا محققي الكتب، فالمحققون هم العلماء الذين نظروا في المشكلات وعرفوا وجوه الخروج من الإشكال؛ قال: فالذي قاله المحققون والأكثرون، وهو الصحيح المختار (عند النووي نفسه) إن معناه (معنى هذا الحديث) أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين (ليس منافقًا).
فالذين يُشددون على الناس يجب أن ينتبهوا أن معنى هذا الحديث أن من كانت فيه خصلة من هذه الخصال فهو شبيه بالمنافقين، ومُتخلِق بأخلاقهم في الوقت الذي يمارس فيه هذه الخصلة أو يقع فيها، أو يرتكب فيه هذه الرذيلة، وليس طول حياته ولا طول عمره ولا في كل أحواله. ويكون نفاقه في حق من حدَّثه فكذب عليه، أو وعده فأخلفه، أو عاهده فغدر به، أو ائتمنه فخان الأمانة. ليس نفاقًا عموميًا يُدخله النار ويجعله في الدرك الأسفل.
قال النووي: ولم يُرِد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث أنه منافق نفاق الكفار المُخَلدين في الدرك الأسفل من النار. وقوله صلى الله عليه وسلم "كان منافقاً خالصاً" معناه شديد الشبه بالمنافقين، لأن معنى الأولى الشبه فقط فالمنافق خالصًا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال.
وقال بعض العلماء: "وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، أما من يندر ذلك منه فليس داخلاً في هذا الوعيد أصلاً".
قال النووي: "وهذا هو المختار في هذا الحديث".
وقد نقل الإمام أبو عيسى الترمذي صاحب الجامع المشهور، رحنه الله معنى هذا الحديث (عن العلماء مطلقًا. نتكلم عن علماء الدنيا، عن علماء الإسلام كلهم)، فقال: "إن معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل". وقال جماعة من العلماء: "المراد به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فحدثوا بإيمانهم وكذبوا، وائتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا، وفجروا في خصوماتهم. وهذا هو قول سعيد بن الزبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري رحمه الله بعد أن قال بغيره".
وقصة كلام الحسن البصري الأولى والرجوع موجودة في الإكمال للقاضي عياض بالتفصيل. لكن فيها حديث ليس له أصل، والقرطبي في المفهم (وهو شيخ المفسِّرين) قال: رويَ عن ابن عباس (هذا هو الحديث الضعيف) أنهما سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الحديث فضحك وقال لهما: "ما لكما ولهم؟ إنما خصصت بهن المنافقين وأنتم من ذلك براء". ثم قال لهم تعملوا كذا وتعملوا كذا وقصة طويلة، وعدد من العلماء قالوا لم نجده في كتب الحديث.
ثم أخونا الشيخ يحيي إسماعيل ـ في تحقيقه لإكمال القاضي عياض ـ قال: "ليس عليه نور النبوة".
إذن مجموع آراء العلماء يقول إن هذا الحديث الذي معنا ـ من صحيح مسلم ـ للتخويف وللتحذير الشديد، وإن من يفعل خَصلة من هذه الخصال أو خَلة من هذه الخلال كان منافقًا يعني شبيهًا بالمنافقين. ورواية كان منافقًا خالصًا يعني شديد الشبه بالمنافقين، وليس معناه أنه نفاق يُدخل صاحبه النار ويجعله في الدرك الأسفل.
قال النووي: "وحكى الخطابي رحمه الله (أبو سليمان الخطابي) قولاً آخر، أن معنى هذا الحديث ومثله التحذير للمسلمين أن يعتادوا هذه الخصال التي يُخَاف عليهم أن تُفضي بهم إلى حقيقة النفاق".
حكى قولاً آخر أنها (أي هذه الأحاديث) وردت في رجل بعينه كان قد وعد النبي وحدث وكذا... وكما قلنا رويَ وحُكيَ ونُقِل وقيل؛ كل هذه ألفاظ التضعيف، تدل على أن الحديث ليس صحيحًا الصحة المطلقة.
فحاصل أقوال العلماء في هذا أنه للتحذير وأن من فَعَلَ هذا كان شبيهًا بالمنافقين وأنه إذا اشتد شبهه جاز أن يسميه النبي صلى الله عليه وسلم منافقًا خالصًا؛ رغم أن المقصود ليس النفاق الحقيقي الذي يورِد صاحبه والعياذ بالله في النار.
في بعض الروايات لحديث مسلم، وهي روايات صحيحة: «وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم» فاستشكل العلماء هذا مع كلامه السابق. وأجيب بأنه ليس فيه إشكال؛ ذكر وإن صام وصلى، لأن كثيرًا ممن يفعل هذا يصوم ويصلي ويزعم أنه مسلم. وقوله: وزعم أنه مسلم يعني زعم أنه مسلم كامل الإسلام، زعم أنه مؤمن كامل الإيمان، زعم أنه مسلم لا يأتي بالمعاصي. فهو صادق في زعمه الإسلام لكنه مسلم عاصٍ، هو مسلم مخطئ، هو مسلم مقصر، هو مسلم ارتكب خطيئة، فيُحاسب عليها؛ إن شاء الله تبارك وتعالى غفر له وإن شاء عذَّبه.
|