|
|
|
سجل الزوار
|
|
|
|
|
استشارات
|
|
|
|
|
استطلاع للرأي |
|
|
|
|
|
|
مختصر صحيح مسلم
دكتور محمد سليم العوَّاِ
محاضرات جمعية مصر للثقافة والحوار
رجب 1424 ـ ربيع الثاني 1425هـ = سبتمبر 2003 ـ يونيو 2004
(5، 6)
أبدأ اليوم ببعض ما دار في أعقاب المحاضرة السابقة من مناقشات حول بعض الأحاديث التي تذكر في المواعظ والخطب الدينية ونحوها. سأل بعض الإخوان عن عدد من الأحاديث التي فيها ترهيب شديد على ذنب صغير، أو التي فيها وعد بثواب كبير على طاعة صغيرة.
والقاعدة عند العلماء في مثل هذا هي ما قرره ابن قيم الجوزية في كتابه «المنار المنيف في معرفة الصحيح من الضعيف». قال: إن من علامات الوضع ـ أو عدم الصحة ـ أن يتضمن الحديث مثل هذا الوعيد أو ذاك الوعد بعذاب شديد أو ثواب عظيم على أمر ليس من معهود الشرع العقاب عليه أو الإثابة على فعله بمثل ذلك من العقاب أو الثواب. وابن قيم الجوزية قد خصص كتابه هذا لمعرفة درجة الحديث دون نظر في سنده أي ليمكن المسلم العاقل غير العارف بعلوم الحديث من عدد من القواعد التي تجعله يدرك ـ على سبيل غلبة الظن ـ ما إذا كان الحديث صحيحًا أم غير صحيح. ومن قواعده في هذا الكتاب قوله:"فكل شيء ضاد اليسر فشكَّ فيه". فمن واجب إخواننا الدعاة والوعاظ والخطباء أن يجعلوا لهم من علم الحديث نصيبًا يمكنهم من إشاعة الحديث الصحيح والتنبيه على الضعيف والموضوع ونحوهما. ومن لم يتمكن من ذلك فعليه بمثل كتاب المنار المنيف لابن قيم الجوزية ليعرف ما فيه من قواعد. وليكن همه في شأن الحديث النبوي منصرفًا إلى الكتب الصحيحة كصحيحي البخاري ومسلم وموطأ الإمام مالك، فإذا لجأ إلى غير هذه الكتب فليستعن في شأن أحاديثها بأقوال العلماء تصحيحًا أو تضعيفًا. والله يوفق الجميع إلى العلم بسنة نبيه والعمل بها.
* * * * *
اليوم نبدأ بباب سماه المنذري «مثل المؤمن كالزرع ومثل المنافق والكافر كالأَرْزَةِ». (الأرزة هي شجرة الأرز الموجودة في لبنان).
«عن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الريح، وتصرعها مرة، وتعدلها أخرى؛ حتى تهيج. ومثل الكافر كمثل الأرزة المُجْذِيَّة على أصلها، لا يُفيئها شيء حتى يكون انجعافها مرةً واحدةً».
مثل المؤمن كمثل الخامة (الخامة هي ساق النبات أو الشجرة اللينة الخفيفة التي تميل من الهواء) من الزرع تُفيئها الريح (تُفيئها يعني تحركها) تصرعها مرة (تجعلها تميل مرة) وتعدلها أخرى (مرة تميل إلى اليمين ومرة تميل إلى الشمال ومرة تعتدل. فالمؤمن كذلك؛ يعمل الصالحات ويعمل المعاصي، يقع في الخطأ ويتوب، يعمل الحسنات ثم يقع في سيئة. فهو كذلك بين الخوف والرجاء، بين المعصية والطاعة، بين الأمل في رحمة الله والخوف من العذاب. أحواله ليست جامدة لأنه يعرف أن الإنسان خُلِق من ضعف، وهذا الضعف يقتضيه أحيانًا بعض المخالفات، فإذا خالف عاد واستقام. ثم يأتي الشيطان فيجذبه مرة ثانية فيُخالف، فيتوب ويستغفر ويستقيم وهكذا حتى يأتيه أجله) حتى تهيج. (تهيج يعني تجف وتموت، كناية عن إتيان أجلها).
ومثل الكافر كمثل الأرزة المجذية (الأرزة المجذية هي الأرزة الثابتة التي لا تتحرك من الأرض، جذعها ثابت في جذورها وجذورها ضاربة في الصخر. فالكافر ثابت على الضلال، وثابت على الكفر، وثابت على المعاصي، ليس ثباتًا على الخير، بل ثبات على الشر. فهذا الثبات شُبِّهَ بثبات هذه الشجرة التي لا تتحرك أبدًا) على أصلها لا يفيئها شيء (لا تروح يمينًا ولا تروح شمالاً) حتى يكون انجعافها مرة واحدة (عند موتها توقعها على الأرض أية ريح ضعيفة. كيف؟ لأن الجذور التي كانت في الأرض تمدها بالحياة قد انتهت. فكذلك الكافر؛ يبقى على ضلاله وغيه وفساد أحواله إلى أن ينتهي أجله فيلقى الله بما يستحق. أما المؤمن فيلقى الله بين الخوف والرجاء، يلقى الله بين الأمل والإشفاق، وهكذا إلى أن يعفو الله عنه فهذا هو حال المؤمن). وليتنبه قارئ هذا الحديث أو سامعه إلى أن بعض رواياته الصحيحة في مسلم وغيره فيها كلمة (المنافق) بدلا من كلمة (الكافر)، والمقصود بالمنافق هنا المبتلى بنفاق العقيدة والإيمان وليس الواقع في بعض نفاق العمل الذي أشرنا إليه في المحاضرات السابقة.
عندما يصف النبي صلى الله عليه وسلم حال هذين الرجلين، الرجل المؤمن والرجل الكافر، ماذا يقول لنا؟ يقول لنا لا تخافوا من الغلط، لا تخافوا من المخالفة، وإنما اقتربوا إلى الله بعد ذلك. مع كل ذنب توبة، مع كل معصية رجوع، مع كل خطيئة تذكَّر أن لك ربًا يغفر الذنب ويقبل التوب ويطلع عليك، وإذا تبت إليه قَبِلَك، وهو أفرح بعبده التائب إليه من أحدكم في فلاة (يعني صحراء واسعة) تضل دابته حتى يظن أنه قد هلك فينام فيصحو من النوم فإذا دابته عند رأسه.
مثل المؤمن كمثل الخامة (القصبة أو الساق) تفيئها الريح، يعني تحركها مرة وأخرى. ما هي الريح؟ الريح هي الطاعات والمعاصي، تفيئها مرة وتصرعها مرة. تصرعها المعصية وتعدلها الطاعات. تصرعه المعصية لأن الإنسان إذا عصى شعر بتأنيب الضمير، يشعر بوخز الألم، يشعر بأنه أغضب الله فيستعيذ بالله من هذا الغضب، يشعر أن الشيطان تغلب عليه فيستغفر «إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون». كيف تذكروا فإذا هم مبصرون؟ لأن الشيطان عندما يأتينا، كأنه يعمي أبصارنا عن رؤية الحقيقة، لا يجعلنا نرى المعصية خطيرة، ولا يجعلنا نرى أن الطاعة مهمة، إنما يجعلنا نرى المعصية حقيرة فنستصغر شأنها، فنُقْبِل عليها. ونرى الطاعة أمرًا ممكنًا، إن لم أُطِعْ اليوم أطع غدًا، إن لم أطع غدًا أطع بعد غد، فَيَمُدُّ لنا، إذا مد لنا هذا الشعور كأننا عَمَيْنا والعياذ بالله. «فالذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون» كأن هذه الغشاوة تزول عن العيون.
فهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم تفيئها الريح تصرعها مرة وتعدلها مرة، تصرعها بالمعاصي وتعدلها بالطاعات وبالتوبة والاستغفار. ولذلك الأحاديث كثيرة التي فيها أن المؤمن إذا استغفر وتوضأ وصلى ركعتين، فكأن ذنبه لم يكن وغفر الله ذنبه. والتي فيها أن العبد أذنب فاستغفر فاطلع الله عليه فقال:«عَلِمَ عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويقبل التوب ويأخذ بالذنب. عبدي افعل ما شئت فإني قد غفرت لك».
هذه الأحاديث المُرَغِّبة تقابلها الأحاديث المُرَهِّبة التي فيها: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن". الترغيب والترهيب في الحديث النبوي يأتي عادة على سبيل تحبيب الناس في الطاعات وتكريههم في المعاصي.
فيصف الرسول صلى الله عليه وسلم، في هذا الحديث، حالنا عندما نلتزم أوامر الله تبارك وتعالى ونجتنب نواهيه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بالطاعة إنها الإفاءة، أي العودة. أفاء يعني عاد، فاءت يعني رجعت. في سورة الحجرات «فإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ (يعني ترجع) إلى أمر الله فإن فاءت (يعني رجعت) فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا».
أما الكافر فثابت على ضلاله لا يرجع، فهذا انتهى وأفضى إلى مكانه.
فمزية هذا الحديث أو قيمة هذا الحديث، أو سبب ورود هذا الحديث على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ليس تخويفنا من حال الكافرين. طبعًا يجب أن نخاف من حال الكافرين ونستعيذ بالله ليل نهار. إنما سببه طمأنتنا على أحوالنا إذا أصابنا ما لا نحب أن يصيبنا من مخالفة أوامر الله تبارك وتعالى، لأنه لا يوجد إنسان على الأرض إلا ويقع في المخالفة. لا معصوم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، هو آخر الرسل والرسل هم آخر المعصومين. أما من عدا ذلك من الخلق فيُخطئ ويُصيب، ويُحسن ويُسيئ. والخطأ إن شاء الله مغفور في جانب الإحسان، والإساءة مغفورة في جانب الصواب.
ومثل الكافر كمثل الأرزة، الكافر أو المنافق نفاق عقيدة. وهما يذكران في الأحاديث النبوية كأنهما شيء واحد؛ لأن المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا إلا كفارًا. المنافقون موجودون في كل الأزمان، وفي زماننا يوجد المنافقين، نحن لا نستطيع أن نحكم على المنافقين في زماننا بالكفر لأننا لسنا أنبياء، ولم يُبلغنا الله تعالى أين مصير هؤلاء، وقد يتوب المنافق في أزماننا فينتهي به الأمر إلى الصلاح، ويغفر الله له ما كان من سوء العمل. أما المنافقون في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أعني المنافقين نفاق العقيدة والإيمان ـ فقد كان نفاقهم كفرًا به صلى الله عليه وسلم. هل يعقل أن أحدًا يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم، وينزل عليه القرآن، ويرى الأنوار التي رآها الصحابة المؤمنون، ثم يتخلف عن هذا الرسول، ويُنافق ليُظهر الإيمان ويُبطن له الكفر؟!
تعلمون قصة حذيفة رضي الله عنه الذي «سمع بعض المنافقين في سفر، كان فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم، سمعهم يقولون: لقد نام محمد على راحلته، فلو أحطنا به، فطرحناه عنها لاندقت عنقه. فأسرع حذيفة براحلته حتى كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول: "لئن هموا بشيء منعتهم". فلما حاذيت رسول الله (أصبحت بجانبه في السير) جعلت أرفع صوتي بكلام، فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "من هذا؟" قلت: "حذيفة يا رسول الله". قال: "ومن هؤلاء؟" قلت له: فلان وفلان وعددتهم. فقال: "يا حذيفة إن فلان وفلان وفلان آخرين (لم يكونوا موجودين) إنهم منافقون، اعلم هذا ولا تُخبر به أحدًا"». فسُمي حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعرفه أحد. وكان عمر رضي الله عنه إذا مات أحد الناس في المدينة أرسل واحدًا، ويقول له: انظر هل حذيفة فيمن يُصلون عليه أم لا؟ا إذا كان حذيفة موجودًا يذهب عمر ويؤم الناس في الصلاة. إن لم يكن حذيفة فيمن يُصلون عليه قال: هذا منافق دون أن يفضح أحدًا، ولا يذكر اسم أحد.
وقد سأل عمر حذيفةَ فقال له: "يا حذيفة أتعرف في أو ترى في شيئًا من النفاق؟". هل من المعقول أن يكون سيدنا عمر منافقًا؟! النفاق هنا هو سوء الخُلق، مثل إخلاف الوعد، أي الأخلاق الخمسة التي وردت في الروايتين للبخاري ومسلم في المنافقين.
عندما يصف القرآن الكريم أو النبي صلى الله عليه أناسًا بأنهم منافقين، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم كفار لأن النفاق هنا هو نفاق العقيدة والإيمان لا نفاق العمل. والمنافق نفاق عقيدة في الدرك الأسفل من النار كما وصفهم القرآن الكريم، ولا يكون في الدرك الأسفل من النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان؟! ففي الحديث الصحيح: «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان». لا يدخل النار يعني لا يدخل دخول الخالدين، قد يمر عليها، قد يأخذ لفحة تنظف الذنوب، وتطهر الآثام، لكنه لا يخلد فيها. أما المنافقون ففي الدرك الأسفل من النار، ووصفهم القرآن «ولكن المنافقون هم الكاذبون» أي الذين يكذبون على الله ورسوله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر.
* * * * *
الحديث الثاني: «عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني بشجرة شبه (أو كالرجل) المسلم لا يتحاتُّ ورقها (لا يسقط ورقها، ليس عندها خريف، ورقها ثابت دائمًا) تؤتي أكلها كل حين. قال ابن عمر رضي الله عنه: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم أوأقول شيئًا. فقال عمر (بعدما خرجوا) لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا». (يعني ذكر كثيرًا من النعم). قال إنه أحب إليَّ أن تقول هذه الكلمة عند النبي صلى الله عليه وسلم من هذه النعم. هذه هي أقل الروايات اختصارًا في صحيح مسلم لهذا الحديث. فهناك روايات مختلفة لهذا الحديث منها: «أن سيدنا عبد الله بن عمر قال نظرت إلى أسنان القوم (لأنه كان موجودًا عدد من الصحابة وليس عمر وأبا بكر فقط) فكرهت أن أتكلم وهم صامتون». وفي نفس هذه الرواية أن ابن عمر قال: «فوقع الناس في أشجار البوادي». ذكروا الأشجار التي تنبت في البادية، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، كلما ذكروا شجرة قال لهم لا. لماذا ذكروا أشجار البوادي؟ لأن الإنسان أحوج ما يكون إلى شجرة في البادية؛ حيث لا بناء يظله ولا ماء يروي عطشه، ولا مكان يستريح فيه إلا ظل الشجرة. فوقعوا في شجر البوادي ووقع في نفس عبد الله بن عمر أنها النخلة.
العلماء لما وقفوا عند هذا الحديث قالوا فيه مسائل جميلة. وكذلك في الرواية المطولة قال عبد الله بن عمر: فلما خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت (النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لما سكتوا وعجزوا عن الجواب قال أنها النخلة) والله يا أبي قد وقع في نفسي أنها النخلة. وفي رواية قد وقع في روعي أنها النخلة قال: لأن كنت قلتها أحب إلى من كذا وكذا».
العلماء وقفوا عند هذا الحديث وقفات طويلة، وقالوا إن هذا الحديث فيه مسائل ينبغي أن يأخذ المسلم العبرة بها.
أول مسألة أنه يُستحب للعالم أن يُلقي المسألة على أصحابه ليختبر أفهامهم، ويرغبهم في التفكر؛ لأن التفكر مهم «قل سيروا في الأرض فانظروا»، «أولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض» فإذا وجد الإنسان أناسًا لا يفكرون وأحوالهم لا تتغير، فهؤلاء محتاجون إلى منشطات، ومن أهم المنشطات أن يُلقي عليهم مسائل تثير أذهانهم وتوقع التنافس بينهم، فيتحول الكسالى الخامدون إلى علماء عاملين أو مفكرين صالحين يستطيعون أن يُنشروا الذكاء والفهم وسرعة البديهة في الأمة. وليس المطلوب مجرد التفكير ولكن أن تُقلَّب المسألة مرة واثنتين وثلاثة، وتعتني أن تعرف الصواب من الخطأ، وأن تعرف وجوه الصواب في الرأي الذي يبدو خطأً، ووجوه الخطأ في الرأي الذي يبدو صوابًا.
ومن ذلك ما فعله مجاهد تلميذ ابن عباس عندما سُئل عن قول الله تبارك وتعالى «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله»؟ فقال: إن العزم هو اتباع أهل الرأي بعد مشاورتهم. وليس ركوب الرأي دون روية عزمًا. والروية هنا هي المشاورة وطلب الرأي بعد الرأي. فلا عزم إلا بعد مشاورة. لأن المشاورة هي التي تبين أولى الآراء أو الأفعال بالصواب.
قال العلماء إن في هذا الحديث من الفوائد ضرورة ضرب الأمثال والأشباه. فبالمثل والشبيه يتبين المراد للمخاطبين فمن بعدهم.
كذلك في هذا الحديث من الفوائد التي نستفيد بها وجوب توقير الكبار، لأن عبد الله بن عمر لم يكن صغيرًا، فقد كان شابًا 18 أو 17 سنة أي أنه كان رجلاً في ذلك الوقت. لكن كان هناك من هو أسن منه مثل أبيه عمر بن الخطاب ومثل الصديق أبي بكر وباقي الصحابة الكبار. ولذلك في الرواية الموسعة قال: «فنظرت إلى أسنان القوم وهم لا يتكلمون» كل الناس الكبار القاعدين لا يتكلمون فأتكلم أنا؟!. لكن العلماء استدركوا على سيدنا عبد الله بن عمر هنا وقالوا: لكن إذا سكت ذوو الأسنان، إذا سكت الكبار، إذا سكت أهل الرأي، يجب على الصغير الذي ظن أنه يعلم أن يقول. وفيها فائدتان: الفائدة الأولى أن يعرف الناس الجواب، وأن يعرفوا أن هذا الإنسان ذكي ولا يستهينون بالصغار لأنهم صغار.
ومن ضرورة كلام الصغير إذا سكت الكبار أن يُعرف مكانه، طبعًا ليس كل الصغار على درجة واحدة: هناك صغار أذكياء نابهون، وهناك صغار يتعلمون بالتدريج. فتعطى فرصة للصغير في أن يثق بنفسه إن كان عالمًا، وتُعطى فرصة للصغير الآخر أن يتعلم.
الفائدة الثانية التي ذكرها العلماء أن يُصوَّب خطؤه. لأنه ربما يظن نفسه عارفًا وهو لا يعرف. فإذا تكلم في المسألة التي يتكلم فيها الكبار وكان كلامه خطأً. فالذي يعرف الصواب، أي العالم الذي ألقى السؤال، يُصوِّب خطأه.
قالوا أيضاً إن سيدنا عمر رضي الله عنه لما قال لابنه: أحب إليَّ من كذا وكذا، يعني من الخير والنعم. قالوا: لماذا؟ قالوا: لو أنه قال هذا أمام النبي صلى الله عليه وسلم أولاً لسُرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسرور رسول الله كان أحب شيء إلى أصحابه، فسيكون ابنه السبب في سرور النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يُدخل السرور على المسلمين جميعًا.
الأمر الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان من عادته إذا أصاب أحدٌ أن يدعو له. فكان سيدعو لابن عمر دعوة صالحة تظل معه إلى يوم القيامة.
الأمر الثالث: أن مكانته في الناس ستظل طول الوقت أنه منذ شبابه ومنذ صغره كان يتكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالذي كان يتكلم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم غير الذي كان يسمعه. فكانت مكانة عبد الله بن عمر سترتفع ما بقيت له حياة. وهذا معنى كلام عمر، أو بعض معناه.
قال النووي: "لأن علم النبي صلى الله عليه وسلم بنجابته خير لعبد الله نفسه من الدنيا وما فيها".
والفائدة الأخرى لهذا الحديث قالوا أن نعرف به فضل النخلة وكثرة خيرها، ودوام ظلها، وطيب ثمرها، ووجوده مدة طويلة لا توجد في غيره من الثمار، فيؤكل من حين طلوعه إلى حين يبوسه. ثم قال فإذا يبس كثرت منافعها وتضاعفت، فخشب وورق وأغصان وجريد وجذوع ويعمل منها خشبًا وحطبًا وحصيرًا وعصيًا وحبالاً. ثم قال النووي: إنه حتى النوى يستخدم غذاءً جيدًا للإبل.
فالنخلة لا تكون غير ذات فائدة أبدًا، النخلة كلها يُنتفع بها، فضرب لها النبي صلى الله عليه وسلم المثل للمؤمن: يعمل الصالحات ويحرص على الطاعات، ويصل الأرحام، ويؤدي الواجبات، فيكون مثله مثل النخلة في نفعها الدائم للإنسان
قال الإمام النووي: بحُسن عمل المؤمن يُجمل وجهه، وتحسن خصاله، وذلك مقابل لجمال النخلة في منظرها وظلها.
* * * * *
الباب الذي يليه «الحياء من الإيمان»
فيه حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبة (أو بضع وستون) شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (إزالته)، والحياء شعبة من الإيمان».
فشعب الإيمان تبدأ بـ: لا إله إلا الله، التي هي صمام الأمر وزمامه، وتنتهي إلى إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما بقية الشُعب التي هي بضع وستون أو بضع وسبعون. والحياء شعبة من الإيمان. وعندنا روايات أخرى في صحيح مسلم وغيره من كتب السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحياء من الإيمان» قال الحياء من الإيمان فقط ولم يقل شُعبة، وأن الحياء لا يأتي إلا بالخير، وأن الحياء خير كله، وأن الحياء كله خير.
فعندنا خمس أو ست روايات في مدح الحياء كلها صحيحة غير الروايات الأخرى المفصَّلة.
فالإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله لأنه طبعاً بعد التوحيد تأتي كل الأشياء، وبغير التوحيد لا تصلح أي أعمال أو أي طاعات أو صدقات. فالشهادة بوحدانية الله وربوبيته وألوهيته هي أصل شعب الإيمان كلها، وأصل معانيها كلها.
إذا قال رجل لرجل قل لا إله إلا الله ينبغي عليه أن يقول، إذا اختلف اثنان على أمر من الأمور؛ كثيرًا ما نسمع أحدهما يقول للآخر قل لا إله إلا الله، وكثيرًا ما نسمع الحمقى من هؤلاء يقولون: لا لن أقول. فإذا كان كذلك وقع في إثم كبير، وربما لو كان منعقدًا عليه عزمه كان في مصيبة. المصريون أذكياء يحبون أن يتخلصوا من المأزق، فاستبدلوا هذه العبارة الشائعة في البلاد الإسلامية كلها بصلي على النبي، فيقول عليه الصلاة والسلام ويخلص من هذا المأزق. لأنه لو قال له قل لا إله إلا الله فقال له لا سيكون في موقف عسير.
والقرآن الكريم يقول لنا في سورة النور «والذين كفروا أعمالهم كسراب» أعمالهم هنا يعني أعمالهم الصالحة، يعني ما يقومون به من خير وأعمال تنفع الإنسان وما إليه «أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب». قلت إن الله ضرب هذا المثل لأهل البَر الذين يمشون في الصحراوات. ثم ضرب لأهل البحر مثلاً آخر «كظلمات في بحر لُجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور».
إذن أعمال الكافرين لا قيمة لها ولا عبرة بها. عمل من الذي له قيمة وبه العِبرة؟ عمل المؤمن. والحسنات يُذهبن السيئات شرطها الإيمان والتوبة، شرطها الإيمان والرجوع عن المعاصي، كذلك أداء الواجبات، من صلى وصام وهو كافر بالله تعالى هل يُقبل منه شيئٌ؟ لا، لأن أصل الإيمان هو الذي يجمع هذه الخيرات وينميها ويزيد ثوابها، ويبقيها في ميزان الحسنات.
فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق. وفي موضوع إماطة الأذى عن الطريق حدث ولا حرج. لا توجد بلاد فيها أذى في الطرقات مثل بلاد المسلمين، والمسلمون كلهم يسمعون هذا الحديث كل أسبوع، ثم يلقون بالأذى في الطرقات غير ملقين بالاً لأحد.
أما المسلمون الحقيقيون فهم الذين يمنعون أولاً إلقاء الأذى في الطريق، ثم إذا وجدوه مصادفة في الطريق فمن واجبهم أن يميطوه. وقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم من شأن هذا العمل الحسن فجعله شُعبة من شُعب الإيمان.
وإخواننا المختصون بالبيئة يستفيدون من هذا الحديث استفادة عظيمة جدًّا، ويقولون إنه دليل على العناية بالبيئة من وقت النبي صلى الله عليه وسلم.
نأتي للحياء، الذي هو الخصلة الثالثة من هذا الحديث التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر لا إله إلا الله، وذكر إماطة الأذى عن الطريق، ثم قال والحياء شعبة من الإيمان.
قال العلماء كلامًا عجيبًا جدًّا، قالوا: الحياء غريزة، هناك ناس عندهم حياء وناس ليس عندهم حياء. ما الذي يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يجعل غريزة ما شعبة من شُعب الإيمان؟ غريزة مخلوقة في الناس كلهم، كيف تكون شعبة من شعب الإيمان؟
قال القاضي عياض: "هي غريزة ولكن استعمالها على وفق قانون الشرع يُثاب به الإنسان، واستعمالها على خلاف قانون الشرع يعني إهمالها وتركها يُعاقب عليه الإنسان. مثل غرائز الأكل والشرب والتزاوج والتناسل إلى آخره" هذه كلها غرائز، لكن، إذا استعمل الإنسان غرائزه على وفق ما أراده الله تبارك وتعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، أُثيب على هذا الاستعمال. وإذا استعملها على خلاف ما أمره الله به عُوقِب على هذا الاستعمال.
ثم قال: "وهي في الأصل غريزة ولكنها بالتمرن تُكتسب. الإنسان إذا وَجَدَ عنده نقصًا في جانب من الجوانب يظل يتمرن عليه. إذا وجدت بعض الضعف في أخلاقك مرّن نفسك على تقويتها، إذا وجدت صبرك قليلاً مرِّن نفسك على الصبر. كذلك الحياء والبِر والحب واللطف مع الناس... كل هذه بالتمرين تُكتسب ولا يوجد شيء يستعصي على الإنسان أن يكتسبه.
ثم قال: إذا اكتسبه الإنسان على نية طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، كان في مجرد محاولة اكتسابه ثواب جديد، ليس فقط ثوابًا لما اكتسبه إنما ثواب لمجرد محاولة الاكتساب.
قال عياض: فإذا اكتسبها مع نية وعلم فله بذلك ثواب، ولذلك جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من الإيمان.
في الآخر ما فائدة ذلك؟
قال القاضي عياض فائدة جميلة جدًّا، قال: فإذا اكتمل اكتساب الحياء كان باعثًا له على كل بِر حاضًا له على كل خير، آمرًا له بكل معروف، ناهيًا له عن كل منكر، مانعًا له من الوقوع في الإثم والمعصية.
عندما يُخطئ المرء، ويعصي الله سبحانه وتعالى، يرتكب حرامًا، أو يأكل حرامًا، أو يعمل خطيئة من الخطايا التي نقع فيها كلنا، ولا أحد معصوم. يتذكر: "أنا سأرى الله، أنا أستحي منه"، فخوف هذا الإنسان من الله وحياؤه منه يجعله يمتنع عن المعاصي. يصل الإنسان إلى هذا في مرحلة من المراحل في تربية النفس وليس في المراحل العادية.
تكلم العلماء عن شيء غريب في الحياء، قالوا إن هناك مشكلة تحدث أحيانًا في الحياء، فقد يستحي إنسان أن يواجه إنسانًا بخطئه، كأن يجد واحدًا على مصيبة دينية أو دنيوية أو ظالم لأولاده أو ظالم لزوجته فيستحي أن يقول له، فيقولون عنه: هذا عنده حياء.
الإمام أبو عمرو بن الصلاح، وهو من كبار المحدّثين العظماء، قال إن هذا ليس حياءً، هذا خَوَر وذل وضعف ومهانة؛ لأن الحياء يبعثك على أن تأمر بالمعروف. ألا تستحي من الله أن ترى المنكر ثم لا تغيره؟! الحياء يجعلك تستحي مما يُستحى منه، ولا تستحي مما لا يجوز أن تستحي منه. فإذا استحييت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا ذل وخَوَر ومهانة لأنك تستعظم أن تفعل ما أمرك الله تبارك وتعالى به.
قال النووي: إن الحياء خُلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق صاحب الحق. إذا رأيت القبيح تستحي أن تفعله، والحياء يمنعك أن تُقصر في حقوق أهلك ومن له حق عليك.
أما الصوفية فلهم كلام جميل جدًّا في الحياء لا ينقضي ولكن سأذكر لكم عبارة واحدة قالها الجنيد، الذي يقولون عنه سيد الطائفة، قال: "الحياء هو رؤية الآلاء" أي رؤية نِعَم الله سبحانه وتعالى، رؤية الأفضال التي تَفَضَّلَ بها الله تبارك وتعالى علينا من الخَلْق والسمع والبصر والمال والرزق والصحة...إلى آخر هذه النعم التي لا تعد ولا تحصى «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها».
قال: "الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير في جنبها". رؤية الآلاء الربانية ورؤية التقصير الإنساني في شكر هذه النعم والآلاء الربانية، فيتخلق من الحالين حال ثالثة هي التي يسمونها حياءً. قال هذا شعور داخلي في النفس يأتي لك عندما تعرف نعمة الله عليك وأنك لا تستطيع أن تشكره، وتعلم أنك لا تستطيع أن تشكره لأنه من الذي يستطيع أن يشكر نعم الله.
لذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه في مفتتح كتابه «الرسالة» يقول جملة جميلة جدًّا يقول: "الحمد لله الذي لا تُحمد نعمة من نعمه إلا بنعمة منه حادثة (يعني جديدة) تستوجب مزيد شكر له". إذن متى تنتهي من الشكر؟ لا تنتهي، لأنه لا تُحمد نعمة إلا بنعمة جديدة تستوجب مزيدًا من الشكر، إذن، متى نشكره؟!
لا يستطيع الإنسان ولو بقي حياته كلها حامدًا شاكرًا بصدق وإخلاص ومتفرغًا لهذا الحمد أن يؤدي حق الله في الحمد.
قال إخواننا الصوفية في تعريف خُلقُ الحياء، قالوا: "هو رؤية الآلاء الربانية ورؤية تقصير العباد في شكرها". قال الجنيد شيخ الطريقة كما يسمونه: "فتتولد بينهما، (أي تتولد بين رؤية الآلاء وهي النعم وبين رؤية التقصير) تتولد منهما حالة الحياء". إذن هو ليس أمرًا جبليًا وليس أمرًا فطريًا، ليس أمرًا تولد به، إنما هو أمر تكتسبه.
إذا نظرنا إلى الحياء، نجد في الأحاديث:« الحياء من الإيمان»، و«الحياء شعبة من الإيمان»، و«الحياء لا يأتي إلا بخير»، و«الحياء خير كله»، و«الحياء كله خير».
كيف يكون هذا هو «الخير كله؟ أو كله خير»، أو «لا يأتي إلا بخير»؟ هو «شعبة من الإيمان». ثم يكون أمرًا مستغنىً عنه؟!. هناك ناس تتبجح وتقول: أنا مكشوف عني الحياء، وناس يصفون آخر بأنه ليس عنده حياء، ده سميك الجلد. الإنسان الذي ليس عنده حياء ترك أمرًا هو خير كله، ترك أمرًا لا يأتي إلا بخير، وترك أمرًا هو من الإيمان، وهو شعبة من بضع وستين أو بضع وسبعين شعبة من الإيمان، فكيف يُتوقع منه خير؟!
قالوا يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حياءً؛ لأنه حياء من الله تبارك وتعالى، وإن تضمن كشف عيوب بعض الناس الذين تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر. ستقول إنه من الحياء ألا أوقفه على غلطه، من الحياء ألا أحرجه أمام الناس؛ لكن إذا اجتمع حياءان: حياء من الخلق وحياء من الخالق. تقدم أيًا منهما؟ تقدم طبعًا الحياء من الخالق؛ فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ لأنه به تستقيم الحياة. فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس حياء إنما هو جبن، أو رياء، أو مداهنة، أو نفاق ولكنه ليس حياء؛ لأن الحياء يكون من الله سبحانه وتعالى، تستحي منه فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
الإخلال بحقوق الغير ليس حياء بل هو عجز وخور. أنت من واجبك أن تنصر أخاك فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا يا رسول الله ننصره مظلومًا فكيف ننصره ظالمًا؟ قال «ترده عن ظلمه فإن ذلك نصر له». فإذا تركت هذا الواجب لا يكون هذا حياء، إنما هو ضعف وخور ومهانة، وإنما سُميت حياءً باصطلاح أهل الجبن. هذا قول الإمام أبي عمرو بن الصلاح المحدث المشهور. قال الذين يسمونها حياءً هم الجبناء، يسمونها حياءً حتى يجملوها. مش فيه ناس كثير تقول التطبيع حتى نكون مع العالم، التطبيع لأننا لسنا في جزيرة منفصلة، لسنا وحدنا في الدنيا، لازم نتعلم من الأجانب والأمريكان ونعيش مثلهم؛ ونتعامل مع إسرائيل لأنهم جيراننا. هذا تزيين الجبناء لأنفسهم ولغيرهم، ويقعون في هذه المصيبة الكبرى وهي التطبيع مع إسرائيل، والتعامل مع العدو الصهيوني، والخضوع للأمريكان. هذا ليس من الذكاء ولا من الفطنة، طبعًا هم يستعملون هذا الكلام، ويقولون: عنا إننا ليس عندنا ذكاء سياسي، إنما عندهم جمود وغباوة سياسية ولا نعرف كيف نتعامل مع العالم. والحقيقة أننا لدينا كل هذا الذي يتهموننا بفقده لكن نحن لا نفرط في حقوق شعوبنا وفي حقوق ديننا، أما هؤلاء فليس في بالهم أصلاً حقوق الشعوب ولا حقوق الأديان.
فكذلك ابن الصلاح قال إن الذي يسمي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حياء، حتى لا يحرج الذي يأتي منكرًا أو يترك معروفًا، يسميه حياء، فهذا من اصطلاح أهل الجبن، أما أهل الشجاعة فيعرفون أن من واجبات ديننا أن نقول للمحسن أحسنت كما نقول للمسيء أسأت. منذ زمن سمعت رجلاً أُعجبت بكلمته قال: "نخطئ كما يُخطئ الرجل". فالرجل يُخطئ ويصيب، وليس هناك معصوم من الأخطاء إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون" في مسألة الأعداد في القرآن الكريم والسنة قال العلماء: إن العدد لا مفهوم له، كأن يقول الله ألف من الملائكة، وثلاث آلاف من الملائكة. أو يقول النبي صلى الله عليه وسلم سبعين مرة، وستين مرة وعشر مرات. هذه الأعداد كلها يقول العلماء إنه لا مفهوم لها؛ لأن المقصود بها التكثير للدلالة على الكثرة. إما لا متناهية مثل في سبع وسبعين وما إليها، وإما الكثرة التي لا تبلغ تصورك، هل تصور أحد منا خمسة آلاف ملك ما مقدارهم؟ فهذا مقصود به التكثير الذي لا يبلغ خيالك، الذي تعجز عنه تصوراتك، الذي تشعر معه أن عظمة الله فوق كل ما يخطر ببالك، فإذا وقعت على هذه المعاني آمنت بقدرة الله تعالى. وأحسن من تكلم في هذا هو القاضي عياض، نقل عنه الإمام النووي في شرحه على مسلم، نقلاً طويلاً وقال في آخره: "قاله عياض وبلغ به الغاية".
* * * * *
الحديث الذي بعد ذلك هو حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال: «كنا عند عمران بن حصين (عمران بن حصين هو صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) في رهط (رهط يعني جماعة دون العشرة وفوق الثلاثة) وفينا بشير بن كعب فحدثنا عمران يومئذ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحياء خير كله. أو قال: الحياء كله خير. فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة (يعني كتب الأديان السابقة أو حكمة الفلاسفة والمفكرين الذين يكتبون كلامًا ويتركونه للناس ليتعلموا منه) أن منه سكينة ووقارًا لله تعالى وأن منه ضعف. فغضب عمران بن حصين حتى احمرَّتا عيناه وقال: لا أُراني (لا أكون) أُحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟!.قال: فأعاد عمران الحديث، قال فأعاد بشير، فغضب عمران؛ فما زلنا نقول إنه منا أبا نُجيد (أبو نجيد هو عمران وكان له ابن اسمه نُجيد يُكنى به. وإنه منا يعني لا بأس به، يعني أن بشير بن كعب ليس منافقًا ولا كافرًا ولا زنديقًا، إنما هو رجل جاءت له كلمة فقالها ولكن عمران ابن حصين ظل يؤنب الرجل ويُغلظ له القول).
لماذا نقف عند هذه الحكاية ؟ بشير بن كعب قال كلمة عارضة. قال إننا نجد في بعض الكتب والحكمة أن منه خيرًا ومنه ضعف. ورأى عمران بن حصين هذه المقولة كأنها ردٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الحياء كله خير أو الحياء خير كله. فإذا سمعنا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن نقول لكن فلان قال كذا. إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سكت كل قائل. وإذا جاء الكلام من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمن لم يضعه على رأسه فليعد النظر في إيمان نفسه. ونحن هنا نتكلم عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي صح، الذي وصلنا بأسانيد صحيحة.
من أهم ما يُستفاد من هذا الحديث أنه لا يُتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله»، ولا يُتقدم بين يديه بعد مماته. التقدم بين يديه بعد مماته بإنكار سنته أو الاعتراض عليها أو التوقف في قبولها بعد ثبوتها بالسند الصحيح. لو أن هناك شكًا في السند نبحث عنه. لكن إذا ثبتت نسبة حديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد أن نقبله ابتداءً. ثم بعد قبوله نرى كيف نفسره، كيف نفهمه، ما الذي يجب عمله بمقتضاه. لكن القبول أولاً. طبعًا هناك كثير جداً من إخواننا الذين تسمعونهم الآن وترونهم في التلفزيونات، يُعرض عليهم الحديث النبوي الصحيح فترى بعضهم يقول: "لا أدري، وبعضهم يقول: العقل يأباه، وترى بعضهم يقول: هذا كان زمان، وترى بعضهم يقول: لكن هذا لا يحقق مصالح المسلمين".
وهؤلاء أُتوا من أمرين: إما عدم علمهم بوجوب اتباع السنة الصحيحة ووجوب قبولها من حيث المبدأ، وإما عدم فقههم لمعنى الحديث الذي يُعرض عليهم.
فمثلاً عندنا مشكلة الحديث الذي يتكلم عنه كل الناس هذه الأيام: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا، أو يشهدوا، أن لا إله إلا الله وأني رسول الله. فإن قالوها عصموا مني أموالهم ودماءهم إلا بحقها وحسابهم على الله.
هناك أناس يعارضونه من حيث العقل، أحدهم قال: إن هذا الحديث لا يُعقل لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد البعثة ثلاثًا وعشرين سنة كيف في ثلاث وعشرين سنة سيقاتل الناس كلهم إلى يوم القيامة؟ كيف سيُقاتلهم؟ والذين سيُخلقون من هم؟ ومن الذي سيحارب معه؟ وإننا مهزومون في كل مكان فكيف سنحارب الناس؟. هذا الرجل لم يعرف أن لفظ الناس في هذا الحديث مقصود به بإجماع العلماء مشركو جزيرة العرب، لا المشركين خارج جزيرة العرب ولا أصحاب الأديان الأخرى. وإلا فقد كان اليهود مع النبي صلى الله عليه وسلم حارب من حاربه منهم، حارب من خانه ونقض عهده منهم، ولم يحارب الباقين وتركهم إلى أن أخرجهم سيدنا عمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاة أبي بكر.
فمثل هذه الآفة، آفة عدم فهم معنى الحديث، إما لأنهم لم يدركوا اللغة، وإما لم يقرؤوا كتب التفسير التي تعب فيها العلماء تعبًا لا يُقدَّر حتى يشرحوا لنا كلام النبي صلى الله عليه وسلم بمجموع رواياته، وفي ضوء القرآن الكريم، وبما قاله الصحابة والتابعون؛ هذا باب. والثاني باب الجهل بالحديث نفسه، فهم لا يعرفون وجوب قبوله فيقعوا في هذا الخطأ.
فَمَنْ يأتيه حديث من عند الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس، كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه: "ما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس، وما جاء من عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام من آرائهم نتخير منه (لماذا يتخير منه؟ ليرى أقربه للقرآن وأقربه للسنة التي صحت عنده) أما ما جاء من عند فلان وفلان، وذكر رجالاً من التابعين، قال: فهم رجال ونحن رجال (يعني هم أُوتوا أفهامًا ونحن أوتينا أفهامًا)"، فنجتهد كما اجتهدوا.
وتجد الشاب اليوم يحفظ خمس آيات من القرآن ثم يقول: "هم رجال ونحن رجال".. لا هل أنت أبو حنيفة؟ أبو حنيفة قال: هم رجال ونحن رجال عن أقرانه في العلم الذين لا يقل هو عنهم ذكاءً ولا فهمًا ولا إحاطة ولا معرفة بالقرآن ولا بالسنة.
* * * * *
الباب الذي يليه باب «من الإيمان حسن الجوار وإكرام الضيف».
فيه حديث أبي شريح الخزاعي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت» وفي رواية «أو ليصمت». والسكوت والصمت بمعنى واحد.
هذه ثلاث خصال من خصال المؤمنين، بعض الذين لا يفقهون الحديث فقهًا صحيحًا قالوا هذه هي كل خصال المؤمنين، فمن أكرم ضيفه وأحسن إلى جاره وصمت أو قال خيرًا يبقى خلاص جمع خصال الإيمان. لا، فعليه أن يصلي وأن يغتسل، وأن يحج. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يعمل كذا وكذا"، فأنا بعد الإيمان وأداء الفروض، أعمل هذه الخصال الثلاث.
يحسن إلى جاره: هل هي واجبة أم مندوبة؟ العلماء اختلفوا، إنما أهل الإيمان يرون أنها من أخلاق البِر، فإذا كانت من أخلاق البِر، فالذي يقدر على خُلق من أخلاق البر ويتركه يكون مفرِّطًا. فلو قال أحد العلماء إنها واجبة، قمنا بها. ولو قال أحدهم إنها مندوبة فلن نترك هذا المندوب لأنه لا يكلفنا شيئًا. ما هو الإحسان للجار؟ أخونا الدكتور محمد الرشيد، وزير المعارف السعودي السابق، عنده مثل نجدي جميل جدًّا كان يقول: "الإحسان شيء هين وجه طلق ولسان لين". وإلقاء السلام هو أدنى درجات الإحسان إلى الجار، إنما هناك درجات أعلى.
وفي الحديث:«من طبخ مرقًا فليكثر ماءه فيهدي إلى جاره».
كان هناك جار فارسي للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يُحسن صناعة المرق، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: "يا رسول الله صنعت لك مرقًا طيبًا فتعال تغدى معي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ وأشار على السيدة عائشة التي كانت بجواره، فقال الرجل: لا. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لا. فذهب إلى بيته ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: صنعت لك مرقًا طيبًا فتعال تغدى معي. فقال: وهذه. قال: لا ثم ذهب. عاد مرة أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله صنعت لك مرقًا حسنًا تعال تغدى معي. قال: وهذه؟ قال: وهذه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم". فقام هو وعائشة وذهبا للرجل وتغديا معه.
أنا لا أذكر هذا الحديث لإصرار النبي صلى الله عليه وسلم على إكرام زوجته، وهو معنى مهم يجب أن نعرفه. لكن أذكره لأن الجار يحسن إلى جاره ولو كان أدنى منه منزلة. فمن في منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لا أحد. فلا يستحقرن أحدنا أن يُحسن إلى من هو أعلى منه درجة اجتماعية، أو أغنى منه، أو أرقى منه مكانة. لأن الإسلام علمنا أن الإحسان للجار يكون من الأعلى للأدنى، ومن المساوي للمساوي، ومن الأدنى للأعلى.
بحث العلماء هل يُحسن إلى جاره في المدن أم في القرى؟ أم لجاره في الخيمة كذلك؟ أم للجار الذي في الدار؟ الإحسان لكل الجيران، حتى الجار الجالس بجوارك في الحافلة أو الطائرة.
ثم، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. الليث بن سعد قال كلمة جميلة جدًّا: "إكرام الضيف من خصال النبيين أو الصالحين أو الصديقين".
نعود لإكرام الضيف، هل إكرام الضيف واجب على كل الناس أم واجب على أهل الأماكن التي ليست فيها ضيافة، أو أهل الأماكن التي يؤكل فيها ويُشرَب مثل الفنادق والمطاعم؟.
العلماء من قديم فرَّقوا بين أهل البوادي وأهل الحواضر، الحواضر هي المدن. فالإمام مالك وتلميذه سحنون صاحب المدونة قالا إن هذا الواجب أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم على أهل البادية؛ لأن المُسافر إذا وجد قبيلة أو حتى عشيرة أو خيمة ليس له نُزل إلا هي. فإذا نزل عندهم لابد أن يُضيفوه، في بعض الأحاديث ليلة وفي بعض الأحاديث ثلاث.
أما الإمام الشافعي ومحمد بن الحكم وهو من أئمة المالكية في مصر فقد قالا إنها واجبة على الجميع، على أهل البوادي وعلى أهل المدن؛ لأنها ما دامت من أخلاق النبيين والصديقين فكيف يترك أهل المدن أخلاق النبيين والصديقين؟
ليس التنازع إذن في أصل إكرام الضيف، لكن التنازع في هل هو واجب يأثم المرء بتركه أم لا؟
لاحظوا أخلاق الإسلام، الكلام عن الوجوب وليس أن تقدم لضيفك ماء أو شاي أو لقمة يأكلها. الكلام على إذا لم تفعل ذلك أثمت أم لم تأثم؟
فالذين قالوا بوجوبها على كل الناس في البوادي وفي المدن وفي غيرها قالوا أي واحد لا يقدم لضيفه الضيافة يأثم. والذين قالوا إنها واجبة على أهل البوادي فقط قالوا يأثم إذا كان في البادية ولا يأثم إذا كان في المدينة.
العرب هجوا من كان بخيلاً على ضيفه، هجوه هجاءً مرًا فقالوا عنه:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم قالوا لأمهم بولي على النار
فاحتقروهم بهذه الفضيحة في الشعر العربي، والشعر العربي هو ديوان العرب الباقي إلى اليوم.
إذن عليك أن تكرم ضيفك وأول إكرام الضيف أن تحسن لقاءه.
ثم من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت. ليقل خيرًَا يعني ليقل كلاماً موقنًا أنه يُحسب له. «ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» أي لا يتلفظ بكلام إلا وقد اطمأن إلى أنه لا يُرتب عليه عند الله تبارك وتعالى عقابًا. إذا وجد أن لسانه سيسبقه يسكت، ويمسك لسانه، ويفكر هل هذا الكلام فيه نفع أم فيه ضرر، أم مباح مستوي الطرفين.
إخواننا الصوفية قالوا: يُمسك عما استوى طرفاه، يعني يمسك عن المباح لأنهم قالوا إن المباح هذا من فضول الكلام، لا يُقدم ولا يؤخر. إنما تتكلم فيما فيه خير محض، ويكون لكلامك دائمًا ثواب وله قيمة.
ولذلك فالإمام أبو القاسم القُشيري، وهو من كبار أئمة الصوفية السُنيين الطيبين، كان يقول "الصمت بسلامة هو الأصل". الصمت بسلامة الجوارح التي لا تتكلم. فالصمت بسلامة الجوارح من المعاصي. قال: "والسكوت في وقته صفة الرجال، والنطق في موضعه أشرف الخصال".
ليقل خيرًا يعني يتكلم بما يُثاب عليه: بالنصيحة، بالأمر بالمعروف، بالنهي عن المنكر، بالموعظة الحسنة، بالعلم الذي لا يعرفه غيره، بذكر الله سبحانه وتعالى وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم. يتكلم بالخير أو ليسكت: لا يأتي بسيرة الناس، لا يغتب، لا ينقل كلام الناس إلى الآخرين فيكون نمامًا، لا يذكر سيئات الناس ومعايبهم دون سبب، إذا سُئل عن أمر يستطيع أن يقول فيه بالمدارة وبالتورية فليقل بالمدارة والتورية، إذا كان لابد من التصريح يُصرح، كما في الحديث عن الحكام الظَلمة، والطغاة وأضرابهم، هؤلاء لا تجوز فيهم المداراة ينبغي فيهم التصريح لكشف معايبهم حتى يعرف الناس أين حقهم فيسعوا للحصول عليه.
إذن أنت في ثلاثة أحوال: أنت تصمت بسلامة، وتسكت عندما يتعين عليك السكوت. ولكن إذا جاء وقت قول الحق ووقت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقت كلمة حق عند سلطان جائر، ووقت الجهر بما ينبغي أن يُجهر به أمام الخلق حتى يتعلموا، لا يجوز لأحد أن يكتم العلم لأنه إذا كتمه يكون قد ترك أشرف الخصال إلى أدناها وأسوئها.
ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» وكررها في الثلاث مرات أنه من التزم شرائع الإسلام لزمته هذه الخصال، وليس معنى ذلك أن هذه هي كل خصال الإيمان.
لنقرأ الآن هذه الأحاديث الأربعة مرة أخرى:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».
«من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه».
«لا تغضب».
«لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحبه لنفسه».
لو أخذ الإنسان بهذه الأحاديث الأربعة لجمع خصال الخير كلها كما يقول أبو زيد القيرواني رحمه الله.
* * * * *
الحديث الأخير في هذه القراءة جاء به الإمام المنذري في باب:
«لا يدخل الجنة من لا يأمن جارَه بوائقَهُ».
عن أبي هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه».
البوائق يعني الدواهي والمهلكات والفتك والسخافات وإلقاء القمامة...، أن تؤذيه ولو بالصوت العالي ولو كان من المذياع الذي يذيع القرآن الكريم، لأن في هذا إيذاء للناس، إيذاء في نومهم، في مذاكرتهم، في عبادتهم. أن تستمع إلى أسرار جارك، التطلع إلى عورات الجيران كما يفعل الكثير من الفساق. والواحدة من البوائق هي بائقة.
العلماء قالوا إن هذا الحديث فيه قاعدتان تجريان فيه وفي أشباهه متعلقتان بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة» لا يدخل الجنة عقاب كبير جدًّا، فهل الأحاديث كلها التي وَرَدَ فيها لا يدخل الجنة، لا يدخل الجنة فعلاً. تتبع هنا أي قانون؟
وضع العلماء لها قانونًا من جزأين. قالوا: من استحل هذه الخصال وأنكر وجوب تركها أو وجوب فعلها، يعني من استحل عكس ما جاء به حديث النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بالأمر والنهي، مع علمه بالتحريم أو الوجوب. يعني الحديث جاء بالتحريم فهو يعمله أو جاء بالوجوب فهو يتركه، عامدًا وعالمًا ومنكرًا للتحريم أو الوجوب فهذا يصدق فيه أنه لا يدخل الجنة. لأنه يكون في الواقع كافرًا بملة الإسلام، جاءه كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وقال له لا تفعل أو افعل. قال لن أفعل ـ منكرًا وجوب الطاعة ـ بعدما بلغه أنه من النبي صلى الله عليه وسلم وعلم أنه يجب عليه الفعل أو الترك، فقالوا هذا يكون كافرًا.
لكن المشكلة في المسلمين الذين يصلون ويصومون ويزكون ثم يفعلون هذه الأعمال ويقولون هذه الأقوال. قالوا: هؤلاء لا يدخلون الجنة دخول الفائزين، لا يدخولونها في أول الوقت إنما يؤخرون حتى يُحاسبوا، فإن حوسبوا إما أن يجازيهم ربنا سبحانه وتعالى وإما أن يعفو عنهم، والعفو من الله إن شاء الله مرجوّ. إنما مجرد التأخير عن دخول الجنة عندما تُفَتَّح أبوابها، ويُقال للصائمين ادخلوا، وللطائعين ادخلوا، وللمصلين ادخلوا... ثم يتأخر هؤلاء، هذا وحده عقاب غير قليل الشأن.
ومن الذين يؤخرون، الرجلان المسلمان بينهما في الدنيا خصومة، فيقول ربنا تبارك وتعالى للملائكة: أخِّروا هذين حتى يصطلحا. فيقول كل منهما: يا رب حقي لأخي، حقي لأخي. فيغفر الله لهما فيدخلان الجنة".
لأن مجرد التأخير بعد يوم الهول الفظيع الذي يبلغ فيه العرق إلى الرقاب وإلى الصدور، وأقلهم عذابًا وتعبًا وإرهاقًا الذي يبلغ عرقه إلى كعبيه من أثر قرب الشمس ودنوها من رؤوس العباد.
مجرد هذا التأخير يُرعب الذين تأخروا. فلما يُقال أخِّروا هذين حتى يصطلحا، عندئذ يقول كل منهما حقي لأخي. فالأفضل أن تقولها الآن وتؤدي حق أخيك إليه، وتنتهي منه بدلاً من أن تأتي به يوم القيامة. تكفيك مصائبك الشخصية ربنا سترها عليك في الدنيا وهو أحرى أن يغفرها لك في الآخرة. لكن حقوق العباد أدِها حتى لا تتأخر بسببها عن دخول الجنة.
فجميع الأحاديث التي في الأفعال، التي فيها لا يدخل الجنة، أو التي فيها الكفر، والتي فيها التعذيب وإلى آخر ذلك، محمولة على أحد الأمرين أو أحد المعنيين: إما الاستحلال بالمخالفة والإنكار لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح. إما أن الثواب الذي يناله المؤمنون عند أول نيلهم للثواب يتأخر عنه، وفي هذا عقاب شديد نرجو الله ألا يعرضنا له.
فكلما سمعنا «لا يدخل الجنة» ننتبه إلى هذا، لأن كثيرًا من الشباب الذين أضروا بالدين والدنيا أخذوا هذه الأحاديث على ظاهرها، ورتبوا عليها حكمًا زائدًا ليس واردًا في النص النبوي أن الذي يفعل ذلك كافر، وإذا كان كافرًا فدمه وماله حلال، فأكثروا فينا القتل والسلب. أنتم تذكرون الذي حدث في مصر والذي حدث في الجزائر وأماكن أخرى في العالم الإسلامي، كل ذلك نتيجة تحريف الأحاديث وسوء الفهم، فلو فهم الناس الأحاديث على وجهها ما وقعوا في هذه الفتنة. ولا يمكن أن تُفهم هذه الأحاديث على وجهها عن طريقنا نحن. فنحن كلنا بمن فينا من كان عربياً خالصاً أصبح الآن أعجمي اللسان والسليقة، سليقتنا فاسدة، ونحن لا نستطيع فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم على نحو ما فهمه الصحابة والتابعون الأولون من أهل السليقة العربية. المنقول عن أهل السليقة العربية هؤلاء، وعن أهل العلم بالقرآن والسنة من الصحابة الذين تنزَّل الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلم وهم بين يديه، هذا المنقول هو الذي يُقبل، وغير المنقول الذي يظنه الناس أو يفهمه الناس أو يفسره المدعون في زماننا لا يجوز أن يُقبل أو أن يُعمل به. فواجب طلاب العلم النظر في المنقول مستصحبين ما قاله العلماء المحققون في معانيه، ومجالي تطبيقه. فإذا بلغ الأمر مبلغ وجوب الاجتهاد في حكم النص فلا يجوز الاجتهاد إلا بعد الإحاطة بما سبق من أقوال العلماء. لأن الجهل بها يجعل صاحبه على خطر عظيم عند التكلم فيما لا يعرف.
في موضوع شًعب الإيمان، العلماء اعتنوا من قديم بذكر شُعب الإيمان وتعدادها، ومن أهم الكتب كتاب «شُعب الإيمان» للبيهقي، والذي له كتاب مهم جدًّا ومختصر ومتداول بين العلماء اسمه «مختصر شُعب الإيمان» وهو كتاب مُحقق وجميل. لكن المُشكل في شُعب الإيمان هذه أن كثيرًا من الناس يظن أنه على كل واحد أن يعمل جميع الشُعب. إنما الحقيقة أن هذه الشُعب أكثرها من فروض الكفايات.
الفروض في الإسلام على نوعين: فرض عين يتعين على كل مسلم أن يفعله مثل الصلوات الخمس. وهناك فروض الكفايات التي تصلح بها الأمة، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصلاة الجنازة،إماطة الأذى عن الطريق ونحوها.
وأحسن من تكلم في فروض الكفايات هو الإمام الجويني وشيخ الإمام الغزَّالي حجة الإسلام، الجويني إمام الحرمين، قال: إن فروض الكفايات تُقدم على فروض الأعيان عند التعارض. يعني إذا وجدت مثلاً صلاة جنازة وعليّ صلاة العصر أو الظهر، وأنا دخلت المسجد؛ أصلي الجنازة أولاً ثم أصلي العصر، لأن الجنازة فرض كفاية يعود نفعها إلى عامة المسلمين بإظهار شعيرة الإسلام والدعاء وكذا وكذا.
فإذا تعارض واجب الجهاد مثلاً مع واجب تكثير الأموال ورعايتها، كما قال أبو بكر رضي الله عنه: فكانت الإقامة في الأموال هي الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة، وكان الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد هو حفظ النفس وحفظ المال إلى آخره.
إذن فروض الكفايات التي في مصالح المسلمين العامة تُقَدم على فروض الأعيان، وهذا أمر يكاد يكون مستقرًا عند العلماء، لا يُعارض فيه إلا الأقلون. إنما الأئمة المجتهدون الكبار أصحاب الشأن قالوا إن فرض الكفاية يُقدم على فرض العين. الجويني كان يضرب مثلاً لنظام الملك، الذي كان وزير الدولة العباسية، وهو الذي يدير الدولة. فقال له لا تذهب للحج، وكان الحج عليه فرض عين لأنه لم يكن قد أدى الفريضة، لأن الدولة في زمن اضطراب ولو تركتها لاختل نظامها. وهذا كان سبب كتابته لكتاب «غياث الأمم بالتياث الظلم» غياث يعني إنقاذ، والتياث يعني إزالة. قال كتابي هذا سيبدد كل الظلمات التي أنتم فيها، وينقذ الأمة من المحن، رحمه الله تعالى.
|
|
|
| البحـــــث |
|
|
 |
|
 |
|
جــــديد الموقـــع
|
|
|
|
|
|
قائمة الكتب
|
|
|
|
|
المكتبة المرئية
|
|
|
|
|
المكتبة الصوتية
|
|
|
|
|