|
|
|
سجل الزوار
|
|
|
|
|
استشارات
|
|
|
|
|
استطلاع للرأي |
|
|
|
|
|
|
الانتخابات الإيرانية .. محاولة للفهم
جمعني لقاء عمل بأحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الإيرانية في الأيام الأولى من شهر فبراير الماضي.. وكان باقياً على إجراء الانتخابات التشريعية الإيرانية أيام معدودة.. وحديث المهتمين بالشأن الإيراني كله يدور حول التوقعات السائدة عنها، والتكهن بما يمكن أن تسفر عنه، فسألته عن رأيه وتوقعاته، ودار بيننا حوار طويل ممتع عن الأوضاع الإيرانية.
قال المسؤول الإيراني: إنه يتمنى أن يفوز الإصلاحيون في هذه الانتخابات، لأنه ينتمي إلى تيارهم، ولكنه غير واثق من هذا لأنهم لم يقدموا لائحة واحدة لمرشحيهم، بل رشح عشرات منهم أنفسهم في كل دائرة انتخابية، ولذلك فهو يخشى أن يؤدي تنافسهم إلى نجاح المرشحين الذين يمثلون التيار المحافظ، لما يتميزون به من وحدة الصفوف، والالتزام بتأييد قائمة واحدة في كل دائرة.
وأضاف المسؤول الإيراني: إنه سواء أكان النجاح حليف الإصلاحيين أم كان حليف المحافظين فإن إيران بعد هذه الانتخابات لن تكون مثلها قبلها، كما أن إيران قبل الانتخابات الرئاسية التي أتت بالرئيس سيد محمد خاتمي لم تكن هي نفسها إيران بعدها.!
*****
والواقع أن التعبير المجمل عن كل من هذين التيارين باسم «الإصلاحيين» و«المحافظين» تعبير يحمل قدراً كبيراً من التعميم. فتيار الإصلاحيين الذي يقوده الرئيس سيد محمد خاتمي يضم عدداً كبيراً من جيل «الوسط»، عمراً وتجربة، من رجال الدين، وأساتذة الجامعات الإيرانية، والمثقفين والكتاب، ورجال الصناعة والأعمال، وطلاب الجامعات «والحوزة» الدينية، والناشطات من النساء في العمل السياسي ومنظمات المجتمع المدني، التي تعج بها إيران، وتتكاثر كل يوم بإنشاء كيانات مستقلة جديدة!
والتيار المحافظ يقوده رجال الدين الذين يمثلون القيادة التقليدية في إيران، وتؤيده قطاعات لا يستهان بها من مراكز صناعة القرار ومؤسسات الإدارة والسياسة والقضاء، وكثيرون من الذين ساهموا في النشاط السري تحضيراً للثورة أو تولوا مناصب تنفيذية في أول نجاحها، ويؤيد هذا التيار بشكل واضح كبار تجار (البازار) الذين يمثلون قوة مالية أساسية في إيران.
وكل من هذين التيارين يضم قيادات شتى، وبعضها –حتى داخل التيار الواحد- له رؤية خاصة تختلف عن رؤى سواه للقضايا التي ينبغي أن تكون لها أولوية إيرانية، ولسبل مواجهة المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يواجهها مجتمع خرج من حرب طويلة، مع جارٍ شديد الشراسة، أكلت الأخضر واليابس من الطاقات البشرية والثروة المادية معاً.
وكل من هذين التيارين يجمع حول رموزه ملايين المؤيدين الذين تتعارض مصالحهم أحياناً، ولكنهم مع ذلك يعملون لتحقيق إيران التي يريدونها تحت ألوية قيادات التيار الذي يقبلون توجهه العام، ويفضلونه، وإن اختلفوا في التفصيلات التي يمكن أن يعبر عنها برنامج سياسي ناطق باسمه أو حامل لتوجهه.!
*****
ولم تكن الاستعدادات للانتخابات البرلمانية الإيرانية الأخيرة (18 فبراير 2000) هي المظهر الأول ـ أو الوحيد ـ للخلاف الفكري والسياسي بين التيارين، ولكنها آخر مظاهر هذا الخلاف ظهوراً حتى الآن.
كان هذا الخلاف بين التيارين قد برز في الشارع السياسي والحياة الثقافية الإيرانية منذ نجاح الرئيس سيد محمد خاتمي في انتخابات الرئاسة الأخيرة. فبدا واضحا أن التيار الإصلاحي الذي يقوده خاتمي يحاول تأكيد صورة لإيران تتسم بالحرص على كفالة الحريات وحماية «الحق في الاختلاف» وتمكين أصحاب الآراء –مهما تباينت- من التعبير عنها، وإصلاح ما أفسدته عشرون عاماً من العداوة المتبادلة –ظاهرياً على الأقل- بين إيران ومعظم دول العالم، لاسيما الغرب والدول التي تتابعه في نهجه.
وخاتمي في سبيل ذلك يدعو إلى الحوار لا إلى الحرب، ويمد يده إلى الولايات المتحدة نفسها، ويوشك أن يحقق نجاحاً كاملاً في العلاقات الإيرانية- العربية بعد ما كانت الحرب العراقية- الإيرانية قد نجحت في إفسادها إلا مع سوريا ولبنان تقريباً.
والتيار المحافظ عملت رموزه جاهدة ـ ولا تزال تعمل ـ على استبقاء المشاعر التي أججتها الثورة الإسلامية الإيرانية التي قامت معادية للشاه وأصدقائه وعلى رأسهم الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة الأمريكية)! «والاستكبار العالمي» الذي يمثله «الغرب» وصنائعه في إيران والدول المحيطة بها، وهو ما اعتبرت الثورة الإيرانية منذ قيامها نقيضه الطبيعي. ورموز هذا التيار لا يقبلون أي انتقاد من أي نوع كان للأداء «الثوري» الذي اشتهرت به السياسة الإيرانية منذ قيام الثورة إلى انتخاب خاتمي رئيساً للجمهورية، ويرون أن هذا الانتقاد -مهما كان أسلوبه رقيقاً وأسبابه موضوعية- يمس ثوابت الثورة الإيرانية وينال من مرجعيتها .
وبذل التيار المحافظ غاية وسعه لإثبات جدارته بقيادة الحركة السياسية الإيرانية (مقالاتنا بعنوان: إيران من الثورة إلى الاستقرار، في صحيفة الأسبوع المصرية من 8/3 إلى 5/4/1999، ومقالاتنا بعنوان: إيران بين العجز واليأس في الصحيفة نفسها من 12/7 إلى 2/8/1999).
ولكن الانتخابات الأخيرة جاءت مخيبة لآمال المحافظين، مؤكدة لقوة موقف الإصلاحيين، على نحو فاق توقعات معظم الذين كانوا يراقبون عن كثب، بتعاطف مع التيار الإصلاحي، تطورات الموقف السياسي الإيراني في أثناء التحضير للانتخابات.
وخيبت الانتخابات كذلك توقعات الذين كانوا –ولا يزالون- يسيؤون الظن بالشارع السياسي الإيراني، ويظنون أن هذه الانتخابات ستقضي على صورة إيران الموحدة تحت «الشعار الإسلامي» للثورة والجمهورية معاً. إذ تأكد في هذه الانتخابات نضج الوعي الديمقراطي وثبات شعبية قوى التوجه الإصلاحي، لدى الناخب الإيراني، بصورة لم تعد تحتمل جدلا أو تشكيكاً.
جرت الانتخابات، وفق القانون المنظم لها، تحت إشراف سياسي لمجلس صيانة الدستور وإشراف إداري لوزارة الداخلية.
وشارك في الانتخابات أكثر من 37 مليون ناخب يمثلون 80% من الناخبين الإيرانيين، والمهتمون بالشأن الديمقراطي يلاحظون أن نسبة المشاركة في ديمقراطيات أوروبية عريقة تتراوح بين 11% و20%، وأن نسبة 80% تكاد تعني جميع الناخبين القادرين على التصويت، إذا أخذنا في الاعتبار عدد المرضى والمسافرين والذين توفوا بين إعداد كشوف الناخبين وبين إجراء الانتخابات!
ولم تقع في جميع أنحاء البلاد أية حادثة عنف انتخابي!
ولم تذكر تقارير مراقبي الانتخابات، الإيرانيين أو الأجانب، حدوث أية مواجهة بالقوة بين المرشحين أو أنصارهم في أي موقع انتخابي!
وضاقت اللجان عن استيعاب الناخبين الذين تدفقوا للإدلاء بأصواتهم منذ الساعة السابعة صباحاً، فاضطرت الجهات المشرفة على الانتخابات إلى تمديد زمن التصويت ساعتين، ولكن هذه الزيادة الزمنية لم تتسع لمشاركة جميع الناخبين فعاد مئات منهم من على أبواب عشرات اللجان دون أن يدلوا بأصواتهم!
وفوجئ الإيرانيون أنفسهم بأن بعض رموز النظام الإسلامي قد أخفقوا في الحصول على ثقة الناخبين ولعل أبرز هؤلاء هو الجنرال محسن رضائي قائد قوات الحرس الثوري وعضو مجلس الأمن القومي الذي كان يتمتع بنفوذ ملحوظ في القيادة الإيرانية.
وكان نصيب حجة الإسلام الشيخ هاشمي رفسنجاني الرئيس السابق للبرلمان، ورئيس «مجمع تشخيص مصلحة النظام» أن يكون ترتيبه التاسع والعشرون من ثلاثين نائباً عن طهران. (مجمع تشخيص مصلحة النظام مؤسسة دستورية أنشئت بموجب التعديل الدستوري الذي استفتى عليه في 28/7/1989 وصدر في أول عهد القائد الحالي آية الله خامنئي، ويتولى هذا المجمع الترجيح بين مجلس الشورى [البرلمان] ومجلس صيانة الدستور عند اختلافهما، ويعين القائد جميع أعضائه) فلما أعيد فرز أصوات طهران انتقل ترتيب رفسنجاني من التاسع والعشرين إلى الثلاثين.!
ولم يطعن في صحة الانتخابات –طعنا جدياً- أحد، وتلقى مجلس صيانة الدستور (المشرف السياسي على الانتخابات) ملاحظات حول ستمائة صندوق انتخابي فقط لم تسفر إعادة فحصها عن أي تغيير في النتائج.
وسوف تجري انتخابات الإعادة في شهر إبريل المقبل، وبعد ظهور نتائجها سوف تتحدد بدقة نسبة فوز كل من التيارين السياسيين الإيرانيين بمقاعد مجلس الشورى العام، ولكن الإصلاحيين لهم فيما أعلن حتى الآن نسبة تربو على 78% من المقاعد.
*****
وبقدر ما كان ذلك مفاجئا، كان تعبير التيارين برموزهما الأساسية عن مشاعرهما تجاه هذه النتائج مفاجئاً كذلك. فقد عبَّر الجميع عن قبولهم الفوز –أو الإخفاق- بروح ديمقراطية حقيقية، وأعرب الجميع عن الرضا بما قررته الإرادة الشعبية الحرة لكل منهم، من مكان ومكانة، في تشكيل القوة السياسية الإيرانية، ونزل الجميع عند نتائج التصويت بلا اعتراض عليها، ودون اتهام بالعبث بها أو تزييف إرادة الناخبين فيها.
وعبَّر القائد (الولي الفقيه) آية الله خامنئي عن هذا الإجماع الديمقراطي بإعلانه أن «الفائز الحقيقي في هذه الانتخابات هو الشعب الإيراني نفسه»!!
وهكذا أسفرت هذه الانتخابات عن واقع جديد يحدث لأول مرة في المنطقة، فعلى مدى الأعوام العشرين التي عاشتها إيران في ظل الثورة الإسلامية جرت ست انتخابات برلمانية حرة متوالية. وانتخب الإيرانيون –في كل مرة- ممثليهم بإرادتهم ليعبروا عن هذه الإرادة في البرلمان. وحين تغيرت توجهات الإرادة الشعبية تغيرت هويات النواب المنتخبين وأصبحوا يعبرون عن التوجه الشعبي السائد، لا عن توجه قائد أو زعيم أو حزب.
وكانت هذه الانتخابات دليلا جديدا على الاستقرار الحاصل في إيران وتأكيدا ظاهرا على أمن الطريق الديمقراطي وصحة اختياره؛ وكانت في الوقت نفسه علامة صادقة على أن التغيير الإيراني لا يكون إلا من داخل إيران نفسها.
لقد قلت في مناسبة أخرى إن:
«القوة التي يتمتع بها المحافظون في مؤسسات الحكم والإدارة تمكنهم من منع تقدم التيار الإصلاحي، داخلياً، إلى مواقع تأثير يحدث تغييراً سلمياً، يقود إيران إلى وضع تكون فيه أقدر على أداء دورها الإقليمي والدولي، وعلى تحقيق التنمية اللازمة لتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة التي ترتبت على حرب السنوات العشر، مع العراق وما خلفته من دمار مادي واجتماعي.
والتأييد الذي يستحقه –عن جدارة- التيار الإصلاحي بزعامة الرئيس محمد خاتمي يجعل فرص التيار المحافظ في القضاء على دوره- إذا كان هذا مطلباً للمحافظين- أو في إنهاء محاولته تحقيق الآمال التي أحياها في نفوس الإيرانيين، ببرنامجه الانتخابي، وخطواته البناءة، بعد تولي مقاليد الحكم، فرصة شديدة الضعف أو مستحيلة. وتردد القيادة الروحية الإيرانية ممثلة في المرشد آية الله خامنئي بين تأييد مواقف المحافظين حيناً، ومواقف الإصلاحيين حيناً يجعل التأرجح بين الفريقين أشبه ما يكون بلعبة شد الحبل بين فريقين متقاربي القوة يعتمد الفوز في نهايتها على قوة احتمال الفريقين أكثر من اعتماده على أي شئ آخر.
إن الأمل الأكبر للإصلاحيين هو اتساع نطاق التأييد لخطهم وخططهم في أوساط «الحوزة» وبين رجال الدين المؤثرين مباشرة في الجماهير، فالصراع في إيران هو صراع من الداخل لن تحسمه قوة خارجية إلا إذا كان تدخلها ضد من تحاول الانتصار له. أما مفتاح النصر الحقيقي فهو في يد المنحاز إلى مصالح الجماهير الإيرانية المدافع عن حريتها دفاعاً يستند إلى عقيدتها الدينية وقناعتها الروحية والثقافية، هذا وحده هو الذي يخرج إيران من التردد بين العجز واليأس كما يخرج منها كل بلد آخر يعتريه هذان الشعوران المدمران.» (جريدة الأسبوع: 12/7/1999).
وقد أظهرت هذه الانتخابات الأخيرة صدق هذا التصوير للحالة الإيرانية. وأظهرت التصرفات الإيرانية الرسمية، بعد الانتخابات، توجهاً إيرانيا أقوى نحو تحسين العلاقات مع مصر بوجه خاص؛ فالتأييد الإيراني للمرشح المصري لمنصب الأمين العام لمنظمة برلمانات الدول الإسلامية (سيكون مقرها في طهران)، ورفض طهران استقبال بعض المحكوم عليهم في قضايا الإرهاب والعنف من المصريين، وإعادتهم من حيث ذهبوا إلى طهران، موقفان لا يحدثان إلا نتيجة توجه جديد جاد نحو علاقات أفضل مع القاهرة. وهو توجه تصنعه القوى الإصلاحية في إيران بقدر ما تصنعه الدبلوماسية المصرية المتميزة.
بقِي علينا –في مصر والعالم العربي- أن نحسن التعامل مع الخلافات التي ستبقى، قطعاً، بين الفكرين العربي –بإجمال- والإيراني؛ ومع الخلافات التي ستطرأ لاختلاف المصالح الآنية من حين إلى حين؛ وفوق ذلك مع محاولات الوقيعة والدس التي لن تكف القوى الكارهة للتقارب المصري أو العربي- الإيراني، أو المضرورة منه، عن اصطناعها واختلاق فرص الإفادة منها.
|
|
|
| البحـــــث |
|
|
 |
|
 |
|
جــــديد الموقـــع
|
|
|
|
|
|
قائمة الكتب
|
|
|
|
|
المكتبة المرئية
|
|
|
|
|
المكتبة الصوتية
|
|
|
|
|